بقلم الشّايب

 كثير من المجتمعات التي مرت بأزمات طويلة، كما في الحالة الليبية، تنشغل بالملفات السياسية والأمنية اليومية إلى درجة أن القضايا الاستراتيجية تختفي من النقاش العام، رغم أنها قد تكون أكثر تأثيراً على مستقبل الأجيال القادمة.

فعندما نتحدث عن ليبيا بعد عشرين أو ثلاثين سنة، قد نجد أن الأسئلة الحاسمة ليست فقط من يحكم؟ وكيف توزع السلطة؟ بل أيضاً كيف ستحقق ليبيا أمنها الغذائي؟ وكيف ستنتج ثروة خارج النفط؟ وكيف ستستفيد من موقعها الجغرافي؟ وكيف ستحول تنوعها الثقافي والبشري إلى مصدر قوة؟ وكيف ستبني قطاعاً سياحياً قادراً على خلق فرص العمل؟

ليبيا تمتلك مقومات استثنائية ساحلاً طويلاً على البحر الأبيض المتوسط، ومواقع أثرية عالمية مثل لبدة الكبرى وصبراتة وشحات، ومساحات شاسعة مناسبة للطاقة الشمسية، وموقع يربط بين أفريقيا وأوروبا، ومخزوناً من رأس المال البشري داخل البلاد وخارجها. لكن تحويل هذه المقومات إلى تنمية يتطلب التفكير في الأفق البعيد، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية.

وأعتقد أن من أهم الأفكار التي تبرز أن مشروع تفكيك الجماهيرية والإصلاح في ليبيا لا ينبغي أن يقتصر على إصلاح المؤسسات السياسية فقط، بل يجب أن يتضمن ما يمكن تسميته “إعادة بناء الثقافة الاستراتيجية للمجتمع” أي تعويد الناس والنخب على التفكير في قضايا مثل المياه  التعليم، والاقتصاد الإنتاجي، والأمن الغذائي، والثروة السياحية، والإدارة المحلية، والتحولات الديموغرافية، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لأن هذه الملفات لا تصنع عناوين الأخبار كل يوم، لكنها هي التي تحدد شكل ليبيا بعد جيل كامل.

فهذه الملفات مترابطة استراتيجيا، فملف المياه يقود إلى الزراعة، والزراعة تقود إلى الأمن الغذائي، والأمن الغذائي يقود إلى الاقتصاد، والاقتصاد يقود إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي… وهكذا بحيث يتم التعامل مع هذه الملفات كمنظومة واحدة، عندها تصبح صورة المستقبل أوضح بكثير.

مثل هذه النقاشات قد لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الأحداث السياسية اليومية، لكنها تساهم في بناء رؤية للمستقبل وتوسيع دائرة التفكير خارج منطق إدارة الأزمات.

يبدو أن غياب التفكير الاستراتيجي في الإدارة الليبية أضحى سمة بارزة، حيث تسود قرارات وإجراءات آنية تفتقر إلى تبريرات استراتيجية واضحة، مما ينتج عنه سياسات مؤقتة لا تصل إلى أهداف بعيدة المدى. بناءً على متابعة المشهد الليبي، لا تقتصر معالجة هذا التحدي على تبني آليات تقنية فحسب، بل تتطلب معالجة جذرية لطبيعة العملية السياسية والهياكل القائمة.

تشير التطورات، في العديد من الدول التي تعاني من عدم الاستقرار، إلى وجود إدراك وطني ودولي لهذه الإشكالية، مع بروز جهدين رئيسيين يمكن الاستناد إليهما لدعم الدولة الليبية، بآليات التفكير والتخطيط الاستراتيجي:

ــ آليات الحوار الشامل والتخطيط طويل الأجل: أحد الأسباب الجوهرية لغياب الاستراتيجية هو اقتصار القرار على نخب سياسية متصارعة، مما يحول دون بناء رؤية وطنية مشتركة. هنا تبرز أهمية ما تطرحه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عبر “الحوار المنظم” .

ــ  التحول من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستراتيجي: تهدف هذه الآلية إلى كسر الجمود السياسي عبر إشراك طيف واسع من الليبيين، يشمل الأحزاب والمجتمع المدني والأكاديميين والشباب والمرأة، لوضع أسس لرؤية وطنية طويلة الأمد تعالج المسببات الجذرية للصراع. هذا يخرج التفكير من النفق الضيق للسياسات المؤقتة إلى فضاء التخطيط الاستراتيجي القائم على توافق مجتمعي.

ــ معالجة القضايا الجوهرية كأساس للاستراتيجية: يركز الحوار على قضايا هيكلية كإدارة الاقتصاد والأمن والمصالحة، وهي المجالات التي تتطلب تفكيراً استراتيجياً لتوحيد المؤسسات، لا مجرد قرارات إدارية آنية. فمثلاً، ناقش مسار الأمن ضمن الحوار تحديات توحيد المؤسسة العسكرية كتوحيد الأطر القانونية وضمان الحيادية والرقابة المدنية، وهي خطوات استراتيجية تتطلب رؤية بعيدة المدى.

ــ إعادة هيكلة التوافق السياسي لتجاوز سياسات المحاصصة: تنتج السياسات المؤقتة في ليبيا غالباً عن اتفاقيات تقاسم السلطة التي تمنح النخب حق النقض (الفيتو) على القرارات الكبرى، مما يحول دون تحقيق إنجازات استراتيجية.

ــ تحويل التوافق من إجراء إلى هدف استراتيجي: يرى محللون أن تركيز جهود الوساطة على “صناعة التوافق” بين الأطراف المتصارعة أدى إلى اتفاقيات هشّة وقرارات قصيرة الأجل. لذا، يُقترح إعادة النظر في هذا المنهج بحيث يصبح التوافق هدفاً استراتيجياً يتم تهيئة الظروف لنضجه (“نضج التسوية”) عبر حوارات معمقة، بدلاً من كونه إجراءً شكلياً مفروضاً يحقق مكاسب فورية للقوى النافذة.

ــ التدرج الزمني بدلاً من الإيقاع المستعجل: الإيقاع الزمني المتعجل للخرائط السياسية، غالباً ما يغذي نهج “إدارة الأزمات” قصير المدى. يُقترح اعتماد نهج تدريجي وطويل الأجل يسمح ببناء الثقة وتعزيز الإصلاحات، مثل تفعيل اللامركزية التي أثبتت قدرة البلديات على تقديم خدمات وإدارة أمنية في غياب الدولة المركزية.

لكي يتم الخروج من السياسات المؤقتة لمعالجة غياب التفكير الاستراتيجي، يمكن الاستناد إلى نهج مزدوج:

ــ بناء رؤية وطنية من القاعدة إلى القمة: من خلال آليات الحوار الشامل التي لا تقتصر على النخب، لوضع أهداف استراتيجية كبرى تتجاوز المصالح الفئوية الضيقة، وتُترجم إلى سياسات واضحة على المدى البعيد.

ــ إصلاح هيكلية صنع القرار: بمراجعة آليات التوافق السياسي لمنع أي طرف من عرقلة التقدم، واعتماد نهج تدريجي في تنفيذ الإصلاحات، مع التركيز على وحدات أصغر قابلة للتحقيق (كإصلاح قطاعي أو محلي) لبناء زخم للتحول الاستراتيجي الأوسع.

الحاجة إلى بناء مؤسسات سيادية تدار بعقليات استراتيجية في الإقتصاد والمالية والتنمية البشرية في المجالات المهمة كبيرة وتمثل جوهر التحدي الذي تواجهه ليبيا. ولكن هذا التحول يتطلب أكثر من مجرد خطط نظرية، بل هو مسار عملي يتطلب آليات واضحة وإصلاحات جذرية.

 الركائز الأساسية للتحول الاستراتيجي: لتجاوز حالة السياسات المؤقتة، لا بد من التركيز على ثلاث ركائز أساسية تتفاعل مع بعضها: السياسية (لخلق البيئة المستقرة)، والمؤسسية (لإرساء قواعد الحوكمة الرشيدة)، والتنموية (للاستثمار في الإنسان والاقتصاد).

وإذا ركزنا على مجالي الاقتصاد والمالية مثلا، لابد من التحول من إدارة الأزمة إلى الحوكمة الاستراتيجية. فالوصول إلى إدارة اقتصادية استراتيجية يعني تحويل المؤسسات المالية  من أدوات للصراع إلى ركائز للدولة، وذلك يتطلب خطوات محددة، منها:

ــ توحيد الميزانية الوطنية كأولوية قصوى: يُعد غياب الميزانية الموحدة محركاً رئيسياً للازدواجية في الإنفاق وعدم المساواة في الخدمات. أظهر استطلاع للأمم المتحدة أن 66% من الليبيين يرون أن اعتماد ميزانية وطنية موحدة وشفافة هو أولوية للإصلاح الاقتصادي. هذه هي الخطوة الأولى نحو ترشيد الإنفاق وضمان الشفافية.

ــ إعادة هيكلة حوكمة المؤسسات المالية: تعتبر مؤسسة النفط الوطنية والمصرف المركزي من أهم المؤسسات السيادية. ولكن، يتم تقويض استقلاليتهما بشكل متزايد من قبل المصالح الخاصة. يجب التركيز على الإصلاحات على ضمان مرور كل إيرادات النفط عبر المصرف المركزي ووقف الإنفاق غير الرسمي وغير الخاضع للرقابة.

ــ تعزيز الشفافية في إدارة الثروة: تمثل تجربة المؤسسة الليبية للاستثمار نموذجاً يحتذى به. فمن خلال استراتيجية واضحة قائمة على ثلاث ركائز (بناء الثقة، وتعزيز الحوكمة، وتحسين إدارة الاستثمار)، تمكنت من تحسين ترتيبها العالمي في الامتثال لمبادئ سانتياغو للحوكمة من المرتبة 98 إلى المرتبة 51، مما مهد الطريق لقرار من مجلس الأمن يسمح لها بإعادة استثمار أصول مجمدة تقدر بنحو 40 مليار دولار. هذا يثبت أن النهج الاستراتيجي والشفاف يحقق نتائج ملموسة ويستعيد الثقة الدولية.

ــ إنشاء “ميثاق للإصلاح الاقتصادي”: لضمان استمرارية السياسات، يقترح خبراء متخصصين  تطوير ميثاق إصلاحي يلتزم به أي حكومة مقبلة، ويحدد أولويات العمل كتنويع الاقتصاد، وتطوير القطاع الخاص، واللامركزية الإدارية. هذا الميثاق يمكن أن يكون مخرجات “مسار الاقتصاد” ضمن الحوار المنظم، مما يحول الرؤى إلى التزامات تنفيذية.

أما مجال التنمية البشرية فهو مسار الإستثمار في العقل الليبي، وهنا لا يمكن الحديث عن عقليات استراتيجية دون الاستثمار في العنصر البشري، حيث أن التنمية البشرية هي الأساس الذي تبنى عليه المؤسسات القوية، فهي تمثل الركيزة للحلول التالية:

ــ مواجهة البطالة وتأهيل الشباب: يعاني الاقتصاد الليبي من اعتماد مفرط على النفط (أكثر من 95% من عائدات التصدير)، مما خلق اقتصاداً ريعياً لا يوفر فرص عمل كافية. يجب أن تتضمن الاستراتيجية الوطنية برامج طموحة للتدريب المهني وتشغيل الشباب، لتمكينهم من قيادة النمو خارج قطاع النفط.

ــ بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية: إن استمرار عمل المؤسسات المركزية (كمجلس النواب المنتخب عام 2014) دون ولايات محدثة يقوض الشرعية ويخلق فراغاً سياسياً يمنع التفكير الاستراتيجي. أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن “جميع المؤسسات الليبية تجاوزت ولاياتها الشرعية”، مما يستدعي مساراً سياسياً لإعادة بنائها أو تجديد شرعيتها عبر انتخابات وتوافق وطني.

الخلاصة هي أن بناء مؤسسات بعقليات استراتيجية ليس مجرد عملية إدارية، بل هو مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل. تشير الخبرات إلى أن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يسبق التحول السياسي أو يسير معه بالتوازي. فتحقيق الاستقرار الاقتصادي يخلق بيئة مواتية للاستقرار السياسي، والعكس صحيح.

من هنا، تبرز أهمية الحوار المنظم الذي تقوده الأمم المتحدة كآلية لصياغة رؤية وطنية جامعة تشمل أربعة مسارات: الحوكمة، والاقتصاد، والأمن، والمصالحة، بمشاركة واسعة من المجتمع المدني والأكاديميين والخبراء التقنيين.

________