مقابلة مع الدكتور حسن ساسي حول مسار ليبيا من أزمة الوقود إلى الطاقة الشمسية (أجرت المقابلة: آية بورويلة)

في مشاهد باتت مألوفة أكثر من اللازم، كشفت طوابير لا متناهية أمام محطات الوقود في مختلف أنحاء ليبيا خلال عيد الأضحى عن حقيقة غير مريحة: أمن الطاقة في واحدة من كبريات الدول المنتجة للنفط في أفريقيا ليس آمنًا بأي حال من الأحوال. فأمة غنية بالنفط تحولت إلى أمة تنتظر في الطابور للحصول على الوقود.
والأكثر إثارة للقلق، أن محللين يحذرون من أن اضطرابات إمدادات الوقود مرجحة أن تستمر في المستقبل المنظور. وبينما تعاني ليبيا من نقص متكرر رغم قوة إنتاج النفط وعائدات التصدير، أصبح مستقبل الطاقة طويل الأمد للبلاد جزءًا متزايد الأهمية من النقاش الوطني.
ويرى دعاة الطاقة المتجددة أن هذه الأزمة تسلط الضوء على مخاطر الاعتماد على نموذج طاقوي واحد، وتشكل فرصة لتنويع مصادر الطاقة. ومن بين هذه الأصوات، المهندس الدكتور حسن ساسي المقيم في لوس أنجلوس، وهو الشريك المؤسس للمجلس الليبي للأبنية الخضراء ومؤسس المجلس الوطني للعلاقات الليبية الأمريكية.
يعتقد الدكتور ساسي أن موارد ليبيا الوفيرة من الطاقة الشمسية ورواسب السيليكا عالية النقاء يمكن أن تؤهلها لتكون رائدة إقليميًا في مجال تصنيع وتصدير الطاقة النظيفة. وبدلاً من النظر إلى الطاقة المتجددة كبديل للثروة النفطية الليبية، يرى أنها يجب أن تُعتبر استراتيجية لحماية هذه الثروة؛ من خلال تقليل الهشاشة في استهلاك الطاقة محليًا، مع خلق صناعات جديدة وفرص تصديرية.
في المقابلة التالية، يناقش الدكتور ساسي الأسباب الهيكلية لأزمة الوقود في ليبيا، والإمكانات الاقتصادية الهائلة لموارد الشمس والسيليكا في البلاد، ولماذا يعتقد أن تحديات الطاقة الحالية يمكن أن تصبح أساسًا لمستقبل أكثر أمنًا واستدامة.
آية بورويلة: دكتور ساسي، شكرًا لك على مشاركتنا في مقابلة مع مجلة ليبيا الاقتصادية.
حسن ساسي: شكرًا جزيلاً لكِ يا آية على تخصيص الوقت للحديث معي اليوم حول هذا الموضوع.
آية بورويلة: دعوني أبدأ بالسؤال الواضح. تواجه ليبيا حاليًا اضطرابات في إمدادات الوقود على الرغم من مواردها الهائلة من الهيدروكربونات. ماذا تكشف هذه الأزمة عن نظام الطاقة في البلاد، وكيف يمكن للطاقة المتجددة أن تساعد في معالجة نقاط الضعف هذه؟
حسن ساسي: تكشف أزمة الوقود عن مفارقة صارخة: تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في أفريقيا، ومع ذلك تكافح لضمان إمدادات الوقود لمواطنيها. وهذا يعكس نقاط ضعف هيكلية أعمق في نظام الطاقة بالبلاد.
أولاً، تنتج ليبيا النفط الخام لكنها تفتقر إلى طاقة تكرير كافية، مما يجبرها على استيراد كميات كبيرة من البنزين والديزل.
ثانيًا، تظل شبكات توزيع الوقود عرضة للاضطرابات اللوجستية واختناقات البنية التحتية.
ثالثًا، تشجع دعم الوقود الثقيل الاستهلاك المفرط وتهريب الوقود، مما يضع ضغطًا إضافيًا على الإمدادات المحلية.
تقدم الطاقة المتجددة وسيلة للحد من هذه المخاطر. فمن خلال توليد المزيد من الكهرباء من الطاقة الشمسية ومصادر متجددة أخرى، يمكن لليبيا أن تقلل اعتمادها على الوقود المستورد، وتنوع مزيج الطاقة لديها، وتعزز أمن الطاقة على المدى الطويل.
آية بورويلة: لقد وصفتم ليبيا بأنها “الحدود السيليكونية” المحتملة. ما مدى أهمية رواسب السيليكا الليبية، وما الدور الذي يمكن أن تلعبه في بناء صناعة محلية لتصنيع الطاقة الشمسية؟
حسن ساسي: يمكن لرواسب السيليكا عالية النقاء في ليبيا أن تصبح واحدة من أكثر الموارد الاستراتيجية قيمة للبلاد في عصر الطاقة النظيفة. فبدلاً من تصدير المواد الخام، تتاح لليبيا فرصة بناء صناعة متكاملة لتصنيع الطاقة الشمسية.
تُعد السيليكا عالية الجودة الأساس لصناعة السيليكون بدرجة نقاء تصلح للطاقة الشمسية، والذي يُستخدم في تصنيع الخلايا الكهروضوئية. وتتميز رواسب ليبيا بنقاوة استثنائية، مما يقلل من تكلفة وتعقيد معالجتها إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
بالإضافة إلى ذلك، تتطلب الألواح الشمسية زجاجًا فائق الوضوح ومنخفض الحديد لتعظيم نقل أشعة الشمس. وتعتبر السيليكا الليبية مناسبة تمامًا لإنتاج هذا الزجاج المتخصص.
وبدمج ذلك مع الموارد الشمسية الوفيرة والوصول إلى طاقة منخفضة التكلفة نسبيًا، يمكن لليبيا تطوير سلسلة قيمة محلية تمتد من المواد الخام إلى مكونات الطاقة الشمسية، مما يخلق فرص عمل ونموًا صناعيًا.
آية بورويلة: كيف يمكن لليبيا الاستفادة من التغيرات المتزايدة في سلاسل التوريد العالمية للطاقة الشمسية؟
حسن ساسي: التوقيت مناسب بشكل خاص. إذ تعيد اللوائح الدولية تشكيل سلاسل التوريد العالمية للطاقة الشمسية، مما يخلق طلبًا على مصادر شفافة وموثوقة ومستدامة لمواد الطاقة الشمسية.
وبفضل احتياطياتها من الكوارتز عالي النقاء وقربها الجغرافي من أوروبا، تتاح لليبيا فرصة وضع نفسها كمورد تنافسي للسيليكون بدرجة نقاء الطاقة الشمسية والمنتجات ذات الصلة. وبدلاً من أن تظل دولة مصدرة للمواد الخام، يمكن للبلاد أن تصبح جزءًا من نظام بيئي تصنيعي ذي قيمة مضافة يخدم الأسواق الإقليمية والدولية.
آية بورويلة: من المتوقع أن يدخل مشروع محطة الزلاف الشمسية التجريبية حيز التشغيل هذا العام. هل ترونه نقطة تحول لقطاع الطاقة المتجددة في ليبيا؟
حسن ساسي: بالتأكيد. تكمن أهمية مشروع الزلاف في أنه ينقل الطاقة المتجددة من النظري إلى التطبيق العملي. لسنوات، كانت إمكانات ليبيا الشمسية تُناقش في الأوراق السياسية والمؤتمرات. أما الآن، فقد بدأنا نرى تنفيذًا حقيقيًا.
ومع ذلك، يجب ألا يظل المشروع نجاحًا معزولاً. يجب على ليبيا استغلال هذا الزخم لوضع استراتيجية أوسع للطاقة المتجددة تشمل تحديث الشبكات، والإصلاحات التنظيمية، ومشاركة القطاع الخاص، ومشاريع شمسية إضافية. يجب أن تركز المرحلة القادمة على التوسع والتنفيذ.
آية بورويلة: لماذا تعتقد أن الفوائد البيئية والسلامة للطاقة الشمسية لا تزال غير موضع تقدير كافٍ في ليبيا؟
حسن ساسي: أحد الأسباب هو أن التكلفة الحقيقية للوقود الأحفوري غير مرئية إلى حد كبير للمستهلكين. فالدعم الكبير للوقود والكهرباء يجعل الهيدروكربونات تبدو رخيصة عند نقطة الاستخدام.
ومع ذلك، وعلى المستوى العالمي، تعتبر الطاقة الشمسية من أكثر أشكال توليد الطاقة أمانًا، مع تأثيرات صحية وبيئية أقل بكثير من الوقود الأحفوري.
فعلى عكس النفط والغاز، لا ينتج عن الطاقة الشمسية أي تلوث للهواء أثناء التشغيل، وتتجنب العديد من التكاليف الصحية العامة المرتبطة باستهلاك الوقود الأحفوري.
ولأن هذه التكاليف الخفية نادرًا ما تنعكس في أسعار الطاقة، لا يزال كثير من الناس ينظرون إلى الطاقة الشمسية كبديل مكلف بدلاً من كونها استثمارًا طويل الأجل في الصحة العامة، والمرونة الاقتصادية، والاستدامة البيئية.
آية بورويلة: يرى البعض أنه ينبغي على ليبيا تعظيم عائدات النفط والغاز قبل الشروع في تحول أخضر كبير. كيف ترد على ذلك؟
حسن ساسي: أنا أفهم هذه الحجة. يظل النفط والغاز المصدر الرئيسي لدخل ليبيا، وهذه العائدات ضرورية لتمويل الخدمات العامة والتنمية.
ومع ذلك، فإن التعامل مع الطاقة المتجددة كهدف مستقبلي بعيد يتجاهل التحديات الحالية لليبيا.
الاستثمار في الطاقة النظيفة ليس تحويلاً لثروة النفط، بل هو وسيلة لحمايتها وتعظيمها! فمن خلال تقليل الاعتماد المحلي على توليد الكهرباء من النفط واستيراد الوقود، يمكن لليبيا أن تحافظ على المزيد من مواردها الهيدروكربونية للتصدير مع تحسين كفاءة الطاقة محليًا. لذا، يجب النظر إلى التحول الأخضر كاستراتيجية اقتصادية، وليس مجرد استراتيجية بيئية.
آية بورويلة: هل يمكن لليبيا أن تصبح منتجًا للهيدروجين الأخضر والوقود الإلكتروني الاصطناعي؟
حسن ساسي: تمتلك ليبيا إمكانات قوية لتصبح منتجًا مستقبليًا للهيدروجين الأخضر والوقود الإلكتروني الاصطناعي، بفضل مواردها الشمسية الاستثنائية وموقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط.
يتطلب إنتاج الهيدروجين الأخضر كميات كبيرة من الكهرباء المتجددة والماء. أحد الحلول الممكنة هو تطوير محطات تحلية مياه على طول الساحل الليبي، تعمل بالطاقة المتجددة.
تستفيد البلاد أيضًا من البنية التحتية الحالية للطاقة التي تربط شمال أفريقيا بأوروبا. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الفرصة سيتطلب استثمارات كبيرة، وقوانين حديثة، وشفافية، وشراكات طويلة الأجل – خاصة مع الأسواق الأوروبية التي تسعى إلى استيراد الطاقة النظيفة.
آية بورويلة: بالنظر إلى المستقبل، أين ترى تقنيات مثل الاندماج النووي في المشهد العالمي للطاقة، وكيف ينبغي لليبيا أن تستعد؟
حسن ساسي: يظل الاندماج النووي أحد أكثر تقنيات الطاقة الواعدة على المدى الطويل، لأنه يحمل القدرة على توفير كميات هائلة من الطاقة منخفضة الكربون مع الحد الأدنى من النفايات. ومع ذلك، لا يزال في المرحلة التجريبية ومن المرجح أن يستغرق عقودًا قبل أن يصبح واسع الانتشار تجاريًا.
بالنسبة لليبيا، يجب أن تكون الأولوية هي الاستعداد لمستقبل تعيد فيه تقنيات الطاقة المتقدمة تشكيل الأسواق العالمية. لا يمكن للبلاد أن تنتظر حتى تصل هذه التغييرات. يجب عليها استخدام موارد اليوم للاستثمار في الطاقة المتجددة، والتنمية الصناعية، والقدرات التكنولوجية.
شخصيًا، أعتقد أن الطاقة المتجددة تقدم مسارًا أكثر عملية وفورية للدول النامية مثل ليبيا. وبينما قد يلعب الاندماج النووي دورًا مهمًا عالميًا في نهاية المطاف، فإن الطاقة الشمسية تمثل الفرصة الأوضح والأكثر واقعية لليبيا اليوم.
آية بورويلة: دكتور ساسي، شكرًا جزيلاً لك على وقتك ورؤاك الثاقبة. كان هذا حديثًا تعليميًا وتوجيهيًا للغاية.
حسن ساسي: أتطلع للبقاء على تواصل. أتمنى لكِ بقية أسبوع رائعة!
***
المهندس الدكتور حسن ساسي ـ الشريك المؤسس للمجلس الليبي للأبنية الخضراء ومؤسس المجلس الوطني للعلاقات الليبية الأمريكية
___________
