بقلم الشّايب
غالباً ما يُنظر إلى ملف العمالة المهاجرة في ليبيا من زاوية الأمن والتحديات السياسية فقط، بينما يتم يتجاهل الملف لكونه فرصة اقتصادية كامنة قد تُسهم في تنشيط الاقتصاد الرسمي ودعم عجلة التنمية. لتحقيق هذا التحول ينبغي الانتقال من سياسة الاحتواء الأمني إلى سياسة الدمج الاقتصادي المنظم.
البيانات تُظهر أن ليبيا تستضيف مئات الآلاف من المهاجرين، يعمل أغلبهم بدون عقود عمل رسمية، ويعتمدون على اتفاقيات شفهية تجعلهم عرضة للاستغلال، ويظل اقتصادهم جزءاً من “الاقتصاد الموازي” الذي يهرب من الضرائب والرقابة. تحويل هذا الملف من “أزمة سياسية” كما تصفها الاحتجاجات الأخيرة إلى “فرصة اقتصادية“، يحتاج إلى:
أولا: الرقمنة والحوكمة: من “الاقتصاد الموازي” إلى “الاقتصاد الرسمي“
الخطوة العملية الأولى هي إدماج هؤلاء العمال في النظام المصرفي والضريبي. لا يمكن الحديث عن الاستفادة من وجودهم دون أن يساهموا في الخزانة العامة.
منصة “وافد” الإلكترونية: أطلقت وزارة العمل نظام “وافد” الرقمي بهدف تنظيم بيانات العمالة الوافدة وربطها بقاعدة بيانات وطنية. هذه المنصة هي العمود الفقري لأي إصلاح حقيقي.
الربط بالنظام المصرفي: اتفق البنك المركزي ووزارة العمل مؤخراً على تشكيل فريق عمل لربط تصاريح العمل بالنظام المصرفي. هذا يعني أن العمال سيتمكنون من تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية، وسيتمكن أصحاب العمل من دفع رواتبهم عبر البنوك.
محاربة اقتصاد الظل: الهدف النهائي من هذه الخطوات هو الحد من اقتصاد الظل، ومكافحة التهرب الضريبي وغسيل الأموال، مما يُحفز الناتج المحلي الإجمالي.
ثانيا: القطاعات الاقتصادية المستهدفة: سد الفجوات بدلاً من المنافسة
بدلاً من النظر إلى العمالة الوافدة على أنها “سارقة للوظائف“، يمكن النظر إليها كعنصر يسد فجوات محددة في سوق العمل، خاصة في القطاعات التي لا يقبل عليها الليبيون بشكل كافٍ.
كيف نستفيد من هذه العمالة اقتصادياً؟
ــ في قطاع الزراعة: يعاني القطاع من تغير المناخ والجفاف، ويعتمد عليه آلاف المهاجرين في الجنوب (الكفرة، الجفرة، مرزق) لضمان استمرارية الإنتاج. ويمكن رفع مستوى الإستفادة بتقنين أوضاعهم ما يضمن استقرار الموسم الزراعي ويحمي الأمن الغذائي.
ــ في أعمال البناء والتشييد: يشكل العمال الأجانب النسبة الأكبر في هذا القطاع الحيوي لإعادة إعمار ليبيا بعد سنوات الصراع. وبالتالي ينبغي توفير عقود رسمية يضمن حقوقهم ويجذب الاستثمارات الأجنبية لقطاع الإعمار.
ــ في الصناعات التحويلية: يعمل في هذا القطاع نسبة لا بأس بها من المهاجرين (49% حسب تقارير سابقة)، وهم مهارات يدوية مطلوبة. ويمكن تنظيم وجودهم بحيث يسمح بزيادة الإنتاج وتصديره بأسعار تنافسية.
ثالثا: معالجة البعد السياسي: بناء الثقة أولاً
لا يمكننا تجاهل السياق السياسي. الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها طرابلس واقتحام مقر البعثة الأممية تعكس مخاوف حقيقية لدى الليبيين من “التوطين” والتغير الديموغرافي.
لتحويل هذا الملف إلى فرصة اقتصادية، يجب الفصل بين المصطلحات: الهجرة الاقتصادية: تتطلب عقود عمل وضرائب وتأمينات (فرصة)، واللجوء والنزوح: يتطلب معاملة إنسانية مختلفة لا يجب الخلط بينها وبين ملف العمالة.
التوصية العملية: إطلاق حملات توعية وطنية موازية للإجراءات الأمنية لتوضيح الفرق بين “المستوطن” و“العامل الأجنبي” الذي يملأ وظائف شاغرة ويدفع ضرائب للدولة.
الخلاصة: التحول من أزمة إلى فرصة يمر عبر التنظيم قبل الترحيل. إذا نجحت ليبيا في تطبيق نظام “وافد” والربط المصرفي، فإنها تستطيع تحقيق مكاسب ثلاثية:
أولاً: إيرادات ضريبية جديدة. ثانياً: قطاع زراعي وعمراني نشط. ثالثاً: سيطرة أمنية أكبر عبر معرفة هوية ودور كل مقيم على أراضيها.
هناك حاجة ماسّة لوضع خطة للخروج من الفوضى القائمة حاليا إلى حالة يمكن السيطرة عليها امنيا وسياسيا وحقوقيا.
وهذا يتطلب الانتقال من منطق “إدارة الفوضى” إلى منطق “بناء النظام” عبر خطة متكاملة ثلاثية المسارات: مسار أمني/معلوماتي لاستعادة السيطرة، ومسار سياسي/تشريعي لخلق الإطار القانوني، ومسار إنساني/حقوقي لضمان الاستدامة والقبول المحلي.
هذه الخطة الثلاثية التي تمكن من الانتقال من الفوضى إلى السيطرة لها محاور:
المحور الأول: استعادة السيطرة الأمنية والمعلوماتية (ركيزة “مَنْ وأين“)
هذا هو الأساس الذي لا غنى عنه. لا يمكن تنظيم أي ملف دون معرفة حجمه بدقة. تركز الجهود الحالية على مشروع طموح:
ــ مشروع الحصر الأمني المعلوماتي الشامل: تبدأ بوزارة الداخلية للقيام بحصر أمني شامل للعمالة الوافدة . بهدف إنشاء قاعدة بيانات مركزية تتضمن بيانات الهوية ومواقع العمل وأنماط الإقامة، وتُصدر لكل وافد بطاقة حصر. هذه ليست مجرد عملية إحصائية، بل هي أداة أمنية لمعرفة هوية وتواجد كل وافد، وتعزيز حماية الأمن القومي .
ــ الربط مع الحملات التفتيشية: تعمل وزارة العمل مع جهاز الحرس البلدي على تكثيف الحملات التفتيشية على مواقع العمل وأماكن السكن، ليس بهدف الترحيل العشوائي، بل لرصد المخالفين ودفعهم نحو التقنين وضمان الالتزام بالاشتراطات القانونية .
ــ تشديد الرقابة الحدودية: تُعد هذه الخطوة مقدمة ضرورية لمنع تدفق حالات جديدة غير مسجلة، عبر ضبط وتشديد الرقابة على المنافذ الجوية والبرية والبحرية .
النتيجة المستهدفة: الانتقال من حالة “لا نعرف أعدادهم ولا أماكنهم” إلى “لدينا سجل رقمي كامل لكل عامل وافد وعنوان عمله وإقامته“.
المحور الثاني: البناء القانوني والسياسي (ركيزة “من يفعل ماذا“)
بعد معرفة “من” و“أين“، تأتي مرحلة تنظيم “كيف” و“ما” من خلال:
ــ العفو المؤقت كأداة للتقنين: أن تقرّ الحكومة الليبية عفوًا مؤقتًا عن العمالة المهاجرة لتقنين أوضاعها القانونية. هذه خطوة ذكية تحول المخالف إلى مقنن دون عقوبات رادعة، وتسمح بإدخاله إلى النظام الرسمي.
ــ تنفيذ القرار 586 لعام 2023: أن تبدأ وزارة العمل في تنفيذ هذا القرار الذي يلزم جهات العمل بتوثيق عقود الاستخدام . هذا يحمي حقوق العامل وصاحب العمل معًا ويدخل العلاقة إلى الإطار القانوني.
ــ التمييز بين الهجرة الاقتصادية واللجوء: يجب أن تتبنى الدولة سياسة واضحة تفصل بين من دخل للعمل (ويحتاج إلى تصريح) ومن دخل هاربًا من الحرب (ويحتاج إلى حماية إنسانية). المنظمات الدولية تؤكد على ضرورة إنهاء الاحتجاز التعسفي ونقل المحتاجين للحماية إلى مراكز مفتوحة .
النتيجة المستهدفة: توفير “طريق شرعي” للعمالة الوافدة للاندماج في سوق العمل الرسمي، مما يحولها من عبء أمني إلى قوة اقتصادية خاضعة للضريبة والتأمينات.
المحور الثالث: المسار الإنساني والحوكمة (ركيزة “القبول والاستدامة“)
لن تنجح أي خطة دون معالجة المخاوف الليبية المشروعة وضمان حقوق الإنسان من خلال:
ــ معالجة الخوف من “التوطين“: المخاوف الليبية من توطين المهاجرين حقيقية ومبررة، خاصة مع وجود أعداد كبيرة من العائلات . لذلك يجب أن تركز السياسة على:
مبدأ “الدوران“: التأكيد على أن العمالة الوافدة تأتي بعقود عمل مؤقتة وليست إقامة دائمة.
الشفافية الاقتصادية: الرد على مخاوف “نزيف العملة الصعبة” (تحويل 600 مليون دولار شهريًا خارج البلاد) بتوجيه جزء من هذه التحويلات عبر القنوات الرسمية بما يعود بالفائدة على ميزان المدفوعات .
الشراكة الدولية والمساعدات الإنسانية: لا يمكن لليبيا وحدها تحمل هذا العبء. يجب تعزيز الشراكة مع المنظمات الدولية (المنظمة الدولية للهجرة) ووكالات الأمم المتحدة ( مفوضية اللاجئين) لتقديم المساعدة الإنسانية والحماية للمحتاجين، وتنفيذ برامج العودة الطوعية الإنسانية لمن يرغب في المغادرة. كما أن دعم الدول الأوروبية هنا ليس تفضلاً، بل هو استثمار في منع الهجرة غير النظامية قبل وصولها إلى شواطئهم.
النتيجة المستهدفة: خلق نظام يطمئن الليبيين بأن وجود الأجانب منظم ومؤقت، ويضمن في نفس الوقت حقوق العمال الأساسية، مما يبني شرعية سياسية لهذه الإجراءات.
الخلاصة: للخروج من الفوضى، المطلوب ليس خياراً واحداً، بل حزمة متكاملة تجمع بين “القبضة الأمنية” لمنع التفلت، و“اليد التشريعية” لتنظيم العلاقة، و“القلب الإنساني” للحفاظ على الكرامة.
____________