بقلم الشّايب
الجماهيرية اشتهرت لأربعة عقود بالتصفية الجسدية والشنق والمعتقلات والإرهاب الإقليمي والدولي والفساد الأخلاقي والمالي والسياسي.
وفي 2011، حاول النظام الجماهيري قمع ثورة الشعب الليبي بالكتائب الأمنية وبالراجمات وأرتال العنف والتدمير الممنهج، بهدف أخضاع الشعب لعقود أخرى من الدكتاتورية. ولكن كانت عزيمة الشعب وإصراره أقوى من كل ذلك، فتم أسقاط النظام إلى غير رجعة بإذن الله، لكن أثار الجماهيرية كعقيدة فاسدة، وثقافة خاوية، وسلوك لا أخلاقي، وشعارات زائفة مضللة، تحاول منع قيام الدولة المدنية، بل تدفع بالبلاد نحو نصف قرن آخر من الظلم والاستبداد.
وخلال أشهر من الحرب في 2011، قامت فلول النظام الجماهيري في المنطقة الشرقية ومدن أخرى بإغتيال المئات من الشيوخ والضباط من رموز فبراير، وهجّرت الآلاف من العائلات من مناطقهم وردمت الآلاف في مقابر جماعية، ولا زالت تحاول أن تُبقي ليبيا في حالة اللادولة، بما فيها من هشاشة وفشل وفوضى وعدم استقرار، وتبقي المجتمع الليبي في حالة التخلف والخوف وانعدام الأمن والإجرام والانقسام السياسي والمجتمعي.
نحاول في هذه الورقة الإجابة عن سؤال أكثر دقة من السؤال المعتاد: كيف نفكك أثار الجماهيرية؟ لإن السؤال الحقيقي الذي سنجيب عليه هو: “كيف نمنع آثار نصف القرن الماضي من إنتاج نصف قرن أخر من الدكتاتورية؟
إذا نظرنا إلى المشكلة الليبية بعمق، نجد إن التحدي ليس فقط إسقاط نظام سياسي سابق أو حتى إنهاء حالة الانقسام الحالية، بل التحدي في تفكيك منظومة ثقافية وسياسية واقتصادية تراكمت على مدى نصف قرن.
التحول من دولة نظام دكتاتوري دموي استخدم موارد الشعب الليبي كمصدر لعدم الاستقرار الإقليمي والدولي إلى دولة مدنية دستورية تستثمر موقعها الجغرافي الاستثنائي في تحقيق الرفاهية للشعب الليبي، يحتاج إلى مشروع وطني طويل المدى، وليس مجرد تسوية سياسية مؤقتة.
ويمكن تلخيص محاور التفكيك المطلوب في عدة مستويات:
“أولاً: تفكيك ثقافة “الدولة الثورية” واستبدالها بثقافة “الدولة المؤسسية
أحد أكبر آثار الجماهيرية كان إضعاف فكرة الدولة نفسها لصالح شعارات مثل “سلطة الشعب” بينما تركزت السلطة الفعلية في دوائر ضيقة مقربة من القائد الأوحد. لذلك ينبغي إعادة الاعتبار للدستور والقانون كمصدر وحيد للشرعية، وترسيخ مبدأ تداول السلطة، وفصل السلطات، وبناء إدارة عامة مهنية بعيدة عن الولاءات السياسية والقبلية، وإنهاء فكرة “القائد المنقذ” أو “الرجل القوي” واستبدالها بمؤسسات قوية.
ثانياً: تفكيك الاقتصاد الريعي
خلال عقود طويلة تحول النفط إلى مصدر شبه وحيد للدخل. وهذا خلق اقتصاداً استهلاكياً أضعف الإنتاج المحلي، وتضخماً في الوظائف الحكومية، واعتماداً واسعاً على الدولة في كل شيء تقريبا. ولذلك هذا التحول من الريع إلى الإنتاج، يحتاج إلى تنمية قطاعات بديلة مثل الخدمات اللوجستية، والنقل البحري، والزراعة الحديثة، والصناعات التحويلية، والطاقة الشمسية، والاقتصاد الرقمي، وإعادة الاعتبار للقطاع الخاص
ثالثاً: تحويل الموقع الجغرافي إلى أصل اقتصادي
ليبيا ليست دولة نفط فقط، بل لها موقع استراتيجي يقدم فرصة لتحويل ليبيا إلى مركز لوجستي إقليمي، وبوابة للتجارة الإفريقية، ومركز للطاقة، وعقدة للنقل البحري والجوي. لو استُثمرت الموانئ والطرق والسكك الحديدية بشكل صحيح فقد تصبح الخدمات اللوجستية مصدراً مهماً للدخل الوطني.
رابعاً: تفكيك ثقافة العنف والسلاح والإفلات من العقاب
لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة ويتطلب ذلك احتكار الدولة للسلاح، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، ودمج المقاتلين القابلين للدمج في برامج إعادة تأهيل للشباب، وربط الأمن بالتنمية الاقتصادية.
خامساً: تفكيك حالة الانقسام ووضع حد لتفتت النسيج الاجتماعي
الجماهيرية لم تترك فقط مؤسسات ضعيفة، بل تركت أيضاً إرثاً من الشك المتبادل، والانقسامات القبلية، والتخوين السياسي، والجهوية. وهنا تصبح العدالة الانتقالية ضرورة استراتيجية وليست مجرد قضية حقوقية. فالهدف ليس الانتقام من الماضي، بل منع الماضي من تدمير المستقبل.
سادسا: بناء هوية وطنية جامعة
واحدة من أكبر المشكلات أن الليبيين غالباً ما يُستَدعون إلى ساحات الصراع باعتبارهم أبناء قبائل، وأبناء مدن، وأبناء مناطق، وأنصار رموز، بينما تحتاج الدولة الحديثة إلى ترسيخ مفهوم المواطن الليبي أولاً.
سابعا: تغيير موقع ليبيا في نظر العالم
بدلاً من أن تكون ليبيا مصدر للإرهاب وساحة صراع بين القوى الخارجية، يمكن أن تصبح جسراً بين أوروبا وإفريقيا، ومركزاً للطاقة التقليدية والمتجددة، ومركزاً للاستثمار في شمال إفريقيا، ومنصة للتعاون الاقتصادي الإقليمي.
هذا التحول يحتاج سنوات وعقود من العمل السياسي، إذا توفرت إرادة سياسية مستقرة، فإن تثبيت الأمن والمؤسسات قد يحتاج بضعة سنوات، وإصلاح الاقتصاد وتنويعه يحتاج من سنوات أكثر، وتغيير الثقافة السياسية والاجتماعية يحتاج جيلاً كاملاً.
التحول لن يتحقق عبر حكومة واحدة أو انتخابات واحدة، بل عبر مشروع وطني طويل الأمد يهدف إلى تفكيك الموروث السلطوي والريعي والعنيف، وبناء دولة مؤسسات واقتصاد إنتاجي ومجتمع مواطنة. وعندها فقط يمكن للموقع الاستراتيجي لليبيا أن يتحول من عبء جيوسياسي إلى مصدر قوة وفرصة تنمية.
طبعا من الممكن نظرياً اختصار الفترة الزمنية اللازمة للتحول، لكن ليس عبر القفز فوق المشكلات أو تجاهلها، وإنما عبر ترتيب الأولويات بشكل مختلف. فالدول التي نجحت في الخروج من أزمات عميقة لم تحل كل مشاكلها أولاً، بل ركزت على عدد محدود من الملفات التي أطلقت ديناميكيات إيجابية في بقية القطاعات.
في الحالة الليبية، يبدو اختصار المرحلة الزمنية لتحقيق التحول الكامل يتوقف على خمسة تحولات استراتيجية:
1. الانتقال من منطق “تقاسم السلطة” إلى منطق “بناء الدولة“
منذ 2011 تركزت أغلب المبادرات على توزيع المناصب والموارد بين الأطراف المتنافسة. لكن السؤال الأهم هو من يدير الاقتصاد؟ ومن يحمي الحدود؟ ومن يفرض القانون؟ ومن يضمن الخدمات؟ فإذا بقيت الدولة غائبة، فإن أي اتفاق سياسي سيتحول إلى هدنة مؤقتة. لهذا فإن اختصار الزمن يتطلب أن يصبح بناء المؤسسات أولوية أعلى من تشكيل الحكومات.
2. عدم انتظار المصالحة الوطنية الشاملة والكاملة
أحد الأخطاء الشائعة هو الاعتقاد بأن التنمية يجب أن تسبقها مصالحة وطنية شاملة. لكن تجارب كثيرة أثبتت أنه يمكن البدء في إصلاح الإدارة بتحسين الخدمات، ودعم الاستثمار، وتطوير البنية التحتية حتى مع استمرار الخلافات السياسية. فعندما يشعر المواطن بتحسن ملموس في حياته، تتراجع قدرة القوى المتطرفة على تعبئة الناس.
3. التركيز على الاقتصاد المنتج قبل الإصلاحات الكبرى
يمكن لليبيا أن تبدأ خلال سنوات قليلة في مجالات لا تحتاج إلى استقرار كامل، مثل الخدمات اللوجستية، والتجارة العابرة، والمناطق الاقتصادية الخاصة، والصناعات الغذائية، والطاقة الشمسية، والخدمات الرقمية. فكل وظيفة منتجة تُخلق خارج القطاع العام هي خطوة لتقليص الإرث الريعي.
4. تفكيك الدولة العميقة عبر الحوافز لا المواجهة المباشرة
إذا افترضنا وجود شبكات مصالح واسعة تراكمت عبر عقود واستمرت بأشكال مختلفة بعد 2011، فإن المواجهة الشاملة معها قد تؤدي إلى تعطيل الدولة. غالباً تكون الاستراتيجية الأسرع هي تقليص مصادر الريع، وتعزيز الشفافية، ورقمنة الخدمات، ومنع الاحتكار، وتوسيع المنافسة. عندها تفقد شبكات المصالح جزءاً من نفوذها تدريجياً دون صدام شامل.
5. بناء تحالف اجتماعي واسع حول مشروع اقتصادي منتج
الكثير من المشاريع الوطنية في المنطقة ركزت على السياسة أولاً. لكن في ليبيا قد يكون المدخل الأكثر فاعلية هو مشروع اقتصادي واضح يقول للمواطن: ماذا سننتج؟ أين ستنشأ الوظائف؟ كيف ستزداد الدخول؟ ما الذي سيحصل عليه الشباب؟
عندما يصبح المستقبل الاقتصادي أكثر وضوحاً، يصبح الدفاع عن الاستقرار مصلحة مباشرة لشرائح واسعة من المجتمع.
الخلاصة: أن العامل الوحيد القادر على تقليص الزمن لتحقيق التحول ليس الانتخابات ولا المصالحات وحدها، بل وجود توافق وطني على نموذج الدولة والاقتصاد. فالكثير من الوقت يضيع لأن الليبيين لا يختلفون فقط على من يحكم، بل أحياناً على طبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة مؤسسات أم دولة أشخاص؟ وهل اقتصادها إنتاجي أم ريعي؟ وهل بالتوافق على المواطنة أم ولاءات ما قبل الدولة؟ وهل جيشها وطني واحد أم مراكز قوة متعددة؟ عندما يُحسم هذا الاتجاه العام، تصبح الخلافات السياسية اليومية أقل خطورة.
العقبة الأصعب: في تقديري، ليست العقبة الرئيسية نقص المال ولا نقص الكفاءات، فليبيا تمتلك قدراً معقولاً من الاثنين. العقبة الأصعب هي وجود قوى داخلية وخارجية تستفيد من استمرار الوضع الراهن الانتقالي، لأن حالة الفوضى تسمح بالتحكم في الموارد والنفوذ دون الخضوع لقواعد دولة مستقرة.
لذلك فإن اختصار زمن التحول يتطلب بناء كتلة وطنية واسعة تدافع عن مشروع الدولة المنتجة الحديثة، وتربط بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي والثقافي في وقت واحد. عندها قد يصبح ممكناً تقليص مسار التحول من جيل كامل إلى عقد واحد أو نحو ذلك، بشرط توافر حد أدنى من الاستقرار الأمني والإرادة السياسية واستمرار المشروع بغض النظر عن تغير الحكومات.
___________