بقلم الشّايب
الوقف في المجتمع المسلم هو نظام يقوم على حبس أصل المال أو العقار ومنع بيعه أو توريثه أو التصرف فيه، مع تخصيص منافعه بشكل دائم أو طويل الأمد لأعمال الخير أو لخدمة المجتمع. ويُعد الوقف أحد أهم المؤسسات الحضارية التي ساهمت تاريخيًا في بناء المدن الإسلامية واستقرارها اقتصاديًا واجتماعيًا.
هل يمكن أن يدار الوقف من قبل جماعة دينية تسيطر على وزارة الأوقاف وجاء تكليف وزيرها عبر المحاصصة السياسية. نعم، هذا ممكن عمليًا في بعض الدول التي تعاني من ضعف المؤسسات أو من نظام مُحاصصة سياسية، لكن وجود منظمة دينية أو تيار أيديولوجي يسيطر فعليًا على وزارة الأوقاف يطرح إشكالات كبيرة تتعلق بحياد الدولة، والعدالة بين المواطنين، واستقلال المال الوقفي، وتوظيف الدين سياسيًا، والثقة العامة بالمؤسسة الدينية
من الناحية المبدئية الأصل في الوقف أنه مال مخصص لمنفعة عامة وفق شروط الواقف، ويجب أن يُدار بالأمانة والكفاءة والشفافية، وليس كأداة لصالح حزب أو جماعة أو تيار ديني. لذلك فإن تحويل مؤسسة الأوقاف إلى ذراع سياسي أو أيديولوجي يتعارض مع الفكرة التاريخية للوقف كمؤسسة تخدم المجتمع كله.
ماذا يحدث عندما تخضع الأوقاف للمُحاصصة السياسية؟
عندما يُعيَّن وزير الأوقاف عبر توازنات سياسية أو نفوذ جماعات منظمة، قد تظهر عدة مشكلات:
ــ تسييس المنابر الدينية: قد تتحول المساجد، والخطاب الديني، والتعيينات الدينية، إلى أدوات تعبئة سياسية بدل أن تكون فضاءً عامًا جامعًا.
ــ توجيه أموال الوقف لصالح شبكات النفوذ: قد يتم تمكين جمعيات قريبة من التيار المسيطر، ومنح عقود أو استثمارات بشكل غير شفاف، واحتكار المجال الديني والخيري.
ــ إقصاء بقية المذاهب أو الاتجاهات: في المجتمعات المتنوعة قد يؤدي ذلك إلى إحتكار التفسير الديني، وتهميش علماء مستقلين، وخلق استقطاب اجتماعي.
ــ ضعف الثقة بالمؤسسة الوقفية: عندما يشعر الناس أن الوقف أصبح تابعًا لحزب أو جماعة، أو سلطة مؤقتة، فإن ثقافة الوقف نفسها قد تضعف، لأن المتبرعين يخشون من سوء التوظيف.
هل هذا يعني أن الدولة لا يجب أن تدير الأوقاف؟ ليس بالضرورة. في كثير من الدول توجد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أو هيئات رسمية تشرف على الأوقاف، لكن الفرق الكبير يكون في استقلالية الإدارة، ومستوى الرقابة، والحوكمة، ومنع الاحتكار الحزبي أو الأيديولوجي.
ما النموذج الأكثر توازنًا؟ عادةً تكون الإدارة الأكثر استقرارًا عندما تتوفر إدارة مؤسسية لا فصائلية، أي أن الوقف يُدار عبر قوانين واضحة، ومجالس أمناء، ورقابة مالية وقضائية، وشفافية علنية، و فصل الدعوي عن الحزبي، بحيث لا تتحول المساجد، والأوقاف، والتعليم الديني، إلى أدوات صراع سياسي. ومن الضروري وجود تمثيل مجتمعي أوسع يشمل علماء مستقلين، وخبراء اقتصاد، وقانونيين، وممثلين عن المجتمع المحلي.
تاريخيًا ماذا حدث؟ عبر التاريخ الإسلامي كانت الأوقاف مصدر استقلال للمجتمع والعلماء. لكنها في مراحل أخرى أصبحت أداة بيد السلطة السياسية أو الجماعات النافذة. وعندما تُحتكر الأوقاف من قبل جهة واحدة لفترة طويلة، فإنها غالبًا تفقد حيادها، وثقة الناس، ودورها التنموي الحقيقي.
اقتصاديًا ما الخطر؟ إذا سيطرت جماعة ماعلى قطاع الوقف فقد يتحول من مؤسسة تنموية، إلى اقتصاد موازٍ قائم على الولاءات. وهذا قد يؤدي إلى تشوه المنافسة، واحتكار الموارد، وبناء شبكات زبائنية، وإضعاف الدولة نفسها. لذلك فإن السؤال الحقيقي هو كيف نضمن أن تبقى الأوقاف ملكًا للمجتمع لا لأية جماعة أو سلطة مؤقتة؟ وهنا تصبح الحوكمة والشفافية واستقلال القضاء والرقابة المجتمعية عناصر أساسية لحماية مؤسسة الوقف من التسييس أو الاحتكار.
تفكيك هذه العقدة نظريا يحتاج إلى مقاربة مؤسسية وقانونية ومجتمعية هادئة وطويلة النفس، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بتيار ديني بعينه، بل ببنية أوسع سمحت بتحويل المجال الديني العام إلى مجال نفوذ مغلق يخضع للاستقطاب السياسي والأمني والأيديولوجي.
التعامل مع هذه المسألة بطريقة إقصائية قد يعيد إنتاج الأزمة بشكل معكوس، لذلك يكون الهدف هو إعادة تحويل الأوقاف والمؤسسات الدينية إلى ملكية عامة للمجتمع كله، لا إلى ساحة هيمنة لأي تيار.
أين تكمن المشكلة فعليًا؟ المشكلة ليست في وجود تيار ديني داخل المجتمع؛ فهذا طبيعي في أي بلد. المشكلة تبدأ عندما يحدث احتكار المنابر الدينية، واحتكار التعيينات داخل الأوقاف، وربط “الشرعية الدينية” بالولاء لتيار معين، واستخدام موارد الدولة والوقف لترجيح اتجاه فكري معين.
ما الهدف الواقعي من التفكيك؟ ليس “إلغاء” تيار معين، بل إنهاء الاحتكار، وبناء حياد مؤسسي، وحماية التعدد الفكري والاجتماعي، وإعادة تعريف الأوقاف كمرفق عام يخدم جميع الليبيين.
كيف يمكن تفكيك هذه العقدة عمليا؟
ــ تحويل الأوقاف من جهاز أيديولوجي إلى مؤسسة خدمة عامة: يجب إعادة تعريف وظيفة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قانونيًا بحيث تكون جهة تنظيم وإدارة، لا جهة وصاية فكرية على المجتمع. أي أن دورها يصبح إدارة الوقف، وتنظيم المساجد، وحماية الملكيات الوقفية، وضمان الشفافية، وليس تصنيف الناس عقديًا، أو فرض اتجاه فكري رسمي على المجتمع.
ــ بناء مجلس أوقاف مستقل ومتعدد: بدل احتكار القرار داخل تيار واحد، يمكن إنشاء مجلس أعلى للأوقاف يضم علماء من اتجاهات مختلفة، وقضاة، وخبراء اقتصاد، وممثلين عن البلديات، ومختصين بالقانون والإدارة. بحيث تصبح القرارات مؤسسية، لا مرتبطة بشخص الوزير أو الجماعة المسيطرة.
ــ الفصل بين المال الوقفي والخطاب الأيديولوجي: هذه نقطة محورية. يجب أن تكون الاستفادة من الوقف حقًا اجتماعيًا وقانونيًا، وليس مكافأة على الانتماء الفكري فالوقف تاريخيًا وُجد لخدمة الفقراء، والتعليم، والصحة، والمجتمع عامة.
ــ الشفافية المالية الكاملة: أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى نشر بيانات الأوقاف، وحجم الإيرادات، والعقارات، والعقود الاستثمارية، وأوجه الصرف. لأن الغموض يسمح بتحول الوقف إلى شبكة نفوذ مغلقة.
ــ تحييد المساجد عن الصراع السياسي: في المجتمعات المنقسمة، أخطر شيء هو تحويل المسجد إلى منصة تعبئة، أو أداة تخوين ديني. والحل ليس قمع التدين، بل حماية المسجد كمجال جامع، ومنع احتكار المنبر.
ــ دعم التعليم الديني الوطني غير المؤدلج: من أسباب تمدد أي تيار مغلق غياب مؤسسات علمية قوية ومتوازنة. لذلك تحتاج ليبيا إلى معاهد شرعية وطنية، وتعليم ديني يعترف بالتنوع الفقهي، وتدريب أئمة على فقه التعايش والمواطنة.
ــ إعادة بناء مفهوم المواطنة: القاعدة الأساسية لأي دولة مستقرة هي أن المواطن لا يُقيَّم دينيًا للحصول على حقوقه العامة. أي أن المال العام، والوقف العام، والخدمات العامة، لا تُدار وفق “من هو الأقرب عقديًا”. بل وفق القانون والمواطنة.
ما العقبة الحقيقية؟ العقبة ليست فكرية فقط، بل أيضًا سياسية، وأمنية، وشبكات مصالح. لأن بعض التيارات توسعت داخل مؤسسات الدولة خلال سنوات الفوضى نتيجة الفراغ المؤسسي، وضعف النخب المدنية، وغياب الرقابة. ولهذا فإن الإصلاح يحتاج إلى دولة أقوى، وقضاء مستقل، وإدارة مهنية، ومجتمع مدني نشط.
إذا استمرت مؤسسة الأوقاف كأداة فرز أيديولوجي فقد يؤدي ذلك إلى تعميق الانقسام الاجتماعي، وفقدان الثقة بالمؤسسة الدينية، وتسييس التدين، ونمو ردود فعل متطرفة مضادة، وتحويل الدين من عنصر وحدة إلى عنصر صراع. البديل ليس “إقصاء تيار” بتيار آخر، بل بناء دولة محايدة مذهبيا في إدارتها العامة، تحترم التدين لكنها لا تحتكره لصالح جماعة. وعندها تصبح الأوقاف للمجتمع، والمساجد للمصلين، والدولة لجميع المواطنين بالتساوي.
وأخيرا نتمنى أن تتمكن النخب المدنية والدينية والاجتماعية في ليبيا من الوصول إلى صيغة تحفظ مكانة الدين، وفي الوقت نفسه تمنع احتكار المؤسسات العامة أو تحويلها إلى أدوات فرز بين الليبيين.
___________