أحلام المهدي

هذه الأرضُ هي العِرضُ لنا، ليست مجرد أغنية من كلمات شاعر ليبي وغناء صوت ليبي قوي، تصف مكانة الأرض في مواجهة الغزاة القادمين من وراء الحدود عبر العصور، بل هي حكمة نادت بعض الأصوات الليبية بجعلها نشيداً وطنياً للبلاد.

في ليبيا ليس من الصعب ملاحقة ثنايا هذه العبارة الأرض عِرضفي مواجهة الليبي الآخر ابن البلد، إذ تنشأ نتيجتها حروب وعداوات مزمنة بين القبائل والمناطق الليبية، ولعلّ الأرض تقتسم مع النساء مكانة خاصة في منظومة الشرفالتقليدية، فكلاهما عرضوشرففي العقلية الليبية الذكورية وكلاهما محط امتلاكٍ وتصرف.

ليبيا… مغناطيس عملاق يجذب الهاربين من جحيم الحياة

لنعد إلى الأرض، هذه الجغرافيا الممتدة من إمساعدفي الشرق إلى رأس اجديرفي الغرب والمتوغلة جنوباً حتى مشارف النيجر وتشاد، هذا الجسم السياسي الذي أصبح ليبيابقرار من الأمم المتحدة صدر في الرابع من كانون الأول/ ديسمبر عام 1952، لأن ليبيا قبل هذا التاريخ لم تكن إلا محطة شاسعة يقيم العابرون على أرضها زمناً قد يمتد قروناً طويلة ثم ينقضي ليترك أثراً طفيفاً على البشر والحجر، لكنه يزول لتبقى ليبيا كما هي بشعبها المنحدر من قبائل كان بعضها معروفاً بأن على رأسه ريشة“.

هذه الريشة لا تزال مرئية بعيون بعض الليبيين الذين يرون بأنهم مختلفون ولا يشبهون غيرهم، فلا تستغرب إذا سمعت يوماً مواطناً ليبياً يشتم مواطناً آخر بأن ينسبه إلى جنسية دولة أخرى، وقد اتسعت قائمة الدول السُّبَّةفي المجتمع الليبي وتجاوزت الجيران إلى خرائط الدول البعيدة مع تزايد أعداد الوافدين من جنسيات مختلفة.

لم يتفق الليبيون يوماً على شيء، حتى مفهوم السيادة الوطنية يُفسَّر بحسب التوجهات السياسية والانقسامات الداخلية، فهناك من يعتبر وجود غير الليبيين في البلاد دليلاً على ارتفاع مؤشر الأمن والأمان، بينما يرى آخرون أن ليبيا أصبحت مغناطيساً عملاقاً يجذب الهاربين من جحيم الحياة في بعض الدول الإفريقية، مما أدى إلى تكدس بشري في بعض المدن وضغط متزايد على سوق العمل.

لا للتوطين

لا للتوطينعبارة ظهرت في المشهد الليبي كرد فعل على بعض الأحداث التي شهدها الشارع من تجاوزات قام بها عمال أجانب دخلوا متسللين إلى البلاد دون أوراق تثبت هويتهم ودون شهادات صحية، بحسب ما يتداوله مناصروهذا الطرح.

ولم يتوقف المنادون بهذا الهاشتاغ، المنتشر في صفحات كثير من المؤثرين والمؤثرات في ليبيا، عند المناداة بترحيل المهاجرين غير الشرعيين، بل امتد إلى فتح بعض الملفات القديمة، مثل ملف الأطفال المصابين بالإيدزفي بنغازي وإعادة استحضاره في النقاشات العامة.

الشارع الليبي يغلي وينتظر مجرد فعل من أجنبي يقيم في ليبيا ليغرقه بردود الفعل الغاضبة، حتى إن مجرد رأي لعارضة وصانعة محتوى ليبية النشأة واللهجة عراقية الأصل قد يتحول لسيف مصلت على جيدها لمجرد أنها نصحت غير الليبيات بعدم الزواج من ليبيين في مقطع مصور أثار جدلاً واسعاً.

إن وجود أعداد هائلة متدفقة من الصحراء الإفريقية ووصولها إلى قلب المدن والقرى الليبية من دون التفات من الأجهزة الرسمية المختلفة في البلاد، جعل التركيز منصباً على غير الليبيين من كل الجنسيات حتى من جاؤوا إلى ليبيا بطرق قانونية وعبر المنافذ الحدودية المعترف بها.

يرى من يحذرون من التوطين أن أعداداً كبيرة من المقيمين في ليبيا يخرقون روح هذه القوانين ويضربون بها عرض الحائط ويتلاعبون بسيادة الدولة الليبية على أرضها ويستفيدون من مواردها بطريقة غير مشروعة.

ومن الأصوات التي تحذر من مؤامرة تلوح في الأفق لتوطين المهاجرين غير الشرعيين والمقيمين من بعض الجنسيات الأخرى في ليبيا، تبرز المحامية ثريا الطويبي، التي انتقدت أخيراً ما قام به وزير العمل الليبي من بحثه عن أراض لتخصيصها كمساكن للعمال ووصفت ذلك بأنه إنشاء مستوطنات على الأرض الليبية.

ويرى كثيرون أن نسبة قليلة فقط من المهاجرين والعمالة الوافدة تلتزم بالإجراءات القانونية المطلوبة، في مخالفة صريحة لقوانين من المفترض أن تحرس مبدأ السيادة وتحمي حقوق المواطنين.

غالباً ما تذكر جهات غير حكومية مناهضة للتوطين منها المرصد الوطني لحماية الهوية الليبيةبهذه القوانين، وتدعو إلى إقفال مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مستندين في ذلك إلى الوضع القانوني للمفوضية في ليبيا حيث لا توجد اتفاقية رسمية شاملة بين الحكومة الليبية والمفوضية لتنظيم عملها بشكل كامل داخل البلاد، وأيضاً عدم اعتراف القوانين الليبية مثل القانون رقم 6 لسنة 1987 بصفة اللاجئوتعاملها مع الداخلين البلاد بطرق غير نظامية كمهاجرين غير شرعيين، مما يجعل بطاقة اللجوء التي توزعها هذه المنظمة الدولية مجرد ورقة لا قيمة لها أمام القانون الليبي.

ويحذر المرصد من تحول بطاقة اللجوء إلى درع يستخدمها المهاجر المخالف لردع أجهزة الأمن عن تطبيق القانون.

تنشط هذه المنصة مع عدد من المواقع والمنصات الأخرى لمناهضة التوطين وتغوّل المهاجرين غير الشرعيين في البلاد، حيث لا يتوانى بعضهم عن القيام بأفعال مستفزة للشارع الليبي، من التلويح بسلاح ناري في مقطع فيديو وصولاً إلى ارتكاب جرائم اعتداء بالضرب.

القانون يجب أن لا يُمَس أو يُخرق، حتى عندما كانت ليبيا تنادي بشعارات مغرقة في انتمائها للقارة السمراء، كانت أرضها مصونة وسيادتها محفوظة بقوانين نافذة كتشريعات أساسية تنظم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا وخروجهم منها.

تشترط القوانين استخدام المنافذ الرسمية في الدخول إلى الأراضي الليبية والخروج منها، مع ضرورة وجود جواز سفر ساري المفعول وتأشيرة رسمية.

وهناك قوانين تجرم إيواء المهاجرين غير الشرعيين أو إدخال الأجانب بقصد اتخاذ ليبيا موطناً دائماً، ولو فُعِّلت هذه القوانين التي تترتب عليها عقوبات صارمة بالسجن والغرامات المالية المرتفعة على من يخالفها لارتدع من يقف وراء هذه الجرائم.

شريك في الجريمة

يدرك كثيرون في ليبيا اليوم أن العمالة الوافدة المنتشرة في البيوت والمزارع والشركات تضم أعداداً من المهاجرين غير الشرعيين، في وقت أصبح كثير من العقوبات مجرد حبر على ورقفي ظل الفوضى العارمة.

إن آخر تعداد رسمي شامل للسكان في ليبيا كان عام 2006، وأشار إلى أن عدد الليبيين يتجاوز بقليل الخمسة ملايين نسمة، لكن تقديرات دولية أخرى تقول إنه يتجاوز السبعة ملايين نسمة.

واللافت أن من يخرج من بيته يجد في طريقه المئات من الغرباء الذين يجلسون على طرفي الطريق في انتظار سيارة تقلهم إلى مكان يحصلون فيه على عمل مقابل شروط معيّنة، كما يستأجر البعض بيتاً يدفع مقابله مالاً قليلاً في حين يوفر صاحب البيت الماء والكهرباء مجاناً لأنه شريك في الجريمة.

والمصلحة هنا متبادلة: “أسكت عن عدم وجود أوراق تثبت هويتي وشهادة صحية تحميك وتحمي أبناء بلدك وسأقبل في المقابل بأجر قليل تدفعه لي لأنه كثير بالنسبة لي مع المعطيات السابقة“.

لقد تمادىالليبي أكثر، وهو المعروف بغيرته على أهل بيته، حتى إن بعضهم هرّب مهاجرين غير شرعيين عبر الصحراء بإخفائهم تحت مقاعد السيارة حيث تجلس زوجته وعائلته.

الأمر لا يحتاج فقط إلى أجهزة أمنية قوية وشجاعة تفرض القانون وتطبقه على الجميع، سواء كانوا مهاجرين أو مواطنين، بل يحتاج التزاماً من المواطنين حتى لا يكونوا شركاء في هذه الجريمة.

___________

Related Articles