بقلم الشّايب

تركة الجماهيرية لا تزال تنخر في جسد الدولة الليبية الهشّة. وفبراير لم تستطع حتى الآن إخراج ليبيا من أزمتها المعقدة، وذلك بسبب إنكارها لخطورة الدور المخرّب للدولة العميقة.

رموز النظام أدركوا أهمية الدولة العميقة ودورها المستمر في تخريب المشهد السياسي والأمني، بل إن كثير منهم، تمكنوا من اختراق فبراير في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية والأمنية، وهم يدفعون البلاد إلى حرب أهلية اشرس من أية حروب أخرى عانت منها البلاد.

ما فعله رموز النظام الجماهيري في 2011 لا يزال مؤثرا بقوة، ومنها فتح السجون وإخراج ألاف المجرمين، وتسليح القبائل وآلاف الشباب في المدن، وتهريب ملايين الدولارات إلى الخارج، وتصفية المئات من الشخصيات المدنية والعسكرية والأمنية في برقة، بل أنهم شاركوا في الهجوم على العاصمة في 2019، وارتكبوا غيرها من الجرائم الموثقة.

أتباع الجماهيرية ورموزها يلعبون بالنار لأنهم لا يدركون أن ليبيا تغيرت وأن شعبها أصبح شعب مسلحوقد تغنوا بذلك قبل فبراير، ولكن هذا الشعب تسلّح لحماية فبراير.

نحن ندرك ونؤمن بأن تفكيك أثار الجماهيرية لن يتم عبر الإقصاء الجماعي أو الانتقام السياسي، لأن ذلك قد يعيد إنتاج اللادولة نفسها التي أوصلت البلاد إلى الانقسام والحروب. وندرك أيضا أن المشكلة الأساسية في ليبيا ليست فقط في بقايا النظام الجماهيري، بل في تداخل عدة عوامل، منها عسكرة السياسة، وانهيار مؤسسات الدولة، وسيطرة الاقتصاد الريعي القائم على توزيع الغنائم، والتدخلات الخارجية.

لهذا فإن تفكيك هذه اللادولة العميقة يحتاج إلى مشروع سياسي ومؤسسي طويل النفس، لا مجرد مواجهة أمنية. هذا المشروع يتطلب السعي الحثيث إلى:

أولاً، عزل الشبكات التخريبية: وهذا يعني التفريق بين المواطن الذي كان جزءاً من النظام السابق بحكم الوظيفة أو الانتماء الاجتماعي وبين الشبكات التي تورطت في الفساد المنظم، وتمويل الحروب، وتقويض الانتقال السياسي، واستخدام السلاح خارج القانون، واختراق مؤسسات الدولة لخدمة أجندات سلطوية بما فيها أجندة بقايا النظام الجماهيري.

ثانياً، بناء دولة قانون حقيقية: الدولة العميقة تنمو عندما تكون المؤسسات ضعيفة أو قابلة للاختراق. لذلك المطلوب هو أن يكون هناك استقلال حقيقي للقضاء، وأجهزة رقابة قوية، وحماية الصحافة الاستقصائية، وتفعيل النيابة العامة للتصدي للفساد. فبدون مؤسسات، أي تغيير سياسي سيتحول إلى مجرد تبديل نخبوي.

ثالثاً، تجفيف اقتصاد الحرب: أخطر ما حدث بعد 2011 أن الاستبداد والفساد أصبحا معا اقتصاداً قائماً بذاته. لذلك: يجب إخضاع المنافذ النفطية والحدودية لسلطة وطنية موحدة، ومنع ازدواج الإنفاق العسكري، ومراقبة حركة الأموال العامة، وفرض تبني الشفافية في المصرف المركزي والمؤسسات السيادية، ودعم القطاع الخاص الحقيقي بدل اقتصاد العائلات والوساطات. إن من يستفيد مالياً من الفوضى سيقاوم أي تسوية.

رابعاً، احتكار الدولة للسلاح تدريجياً: تحويل “الشعب المسلح” إلى دولة مستقرة يحتاج إلى برنامج وطني لنزع السلاح التدريجي، ودمج من تنطبق عليهم الشروط في مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية، وإعادة تأهيل المقاتلين اقتصادياً، ومنع أي تشكيل مسلح من العمل الحزبي أو الاقتصادي.

الحلول الصدامية الشاملة قد تفجر حرباً أوسع، بينما التفكيك التدريجي المنظم أكثر واقعية.

خامساً، إنتاج رواية وطنية جديدة: النظام الجماهيري ترك أثراً عميقاً في الثقافة السياسية فأصل لتقديس الزعيم، والشك في الدولة، والخلط بين الثورة والسلطة، وتخوين الخصوم، وتسييس القبيلة. ولهذا تحتاج ليبيا إلى خطاب وطني جامع، وتعليم يعزز المواطنة، وإعلام مهني، وإعادة الاعتبار لتاريخ الدولة الليبية بمختلف رموزها الحقيقية، وترسيخ فكرة أن الشرعية تأتي من الدستور والمؤسسات لا من السلاح أو الشرعية الثورية.

سادساً، منع عودة الاستبداد بصيغة جديدة: الخطر لا يقتصر على عودة الجماهيرية بشكلها القديم، بل في نجاح الدولة العميقة في عسكرة الدولة، أو إنتاج قائد جديد، أو تحويل ليبيا إلى نظام تقاسم نفوذ دائم بين عائلات أمراء الحرب. ولهذا فإن أي تسوية يجب أن تقوم على دستور واضح، وتداول سلمي للسلطة، وانتخابات حقيقية، وفصل السلطات، وضمان الحقوق والحريات.

سابعاً، دور المجتمع المدني والنخب: إذا تُرك المجال فقط للسلاح والمال السياسي، فستفشل أي محاولة لإنقاذ ليبيا. والمطلوب يكمن في تفعيل شبكات ضغط سلمية، وتوثيق الانتهاكات والفساد، والقيام بحملات توعية، ودعم المبادرات المحلية للمصالحة، وتكوين رأي عام يرفض الحرب ويرفض أيضاً إعادة إنتاج الاستبداد والفساد.

الحرب الأهلية ليست قدراً محتوماً، لكنها تصبح أقرب عندما يشعر الجميع ليس هناك أفق للدولة ولا للعدالة ولا للشراكة الوطنية. لذلك فإن تفكيك الدولة العميقة يبدأ ببناء دولة حقيقية، لا بمجرد إسقاط خصوم سياسيين.

***

إن غياب العدالة الانتقالية منذ 2011 قد خلق شعوراً واسعاً بأن بعض الشبكات المتهمة بالعنف أو التحريض أو تقويض المسار السياسي استعادت نفوذها دون محاسبة، وفي المقابل تراكمت لدى قطاعات أخرى مخاوف من الإقصاء والانتقام. هذا الفراغ سمح باستمرار منطق القوة والسلاح بدل منطق الدولة.

لكن الخطر هنا أن يتحول الإحباط المشروع إلى قناعة بأن المواجهة المسلحة أصبحت حتمية أو أنها الحل الوحيد، لأن ذلك قد يدفع البلاد إلى دورة أعنف مما كان في السابق، خاصة مع الانتشار الكبير للسلاح والانقسام المؤسسي.

إذا كانت المشكلة هي وجود شبكات منظمة تسعى لإفشال أي انتقال ديمقراطي، فالتعامل معها يحتاج إلى أدوات “تفكيك سياسي وقانوني ومجتمعي” أكثر من مجرد رد فعل غاضب. ومن أهم ما يمكن التفكير فيه:

أ) ــ تحويل ملف الانتهاكات من صراع سياسي إلى مسار قضائي بدل بقاء الاتهامات في إطار التخوين المتبادل، المطلوب توثيق الجرائم والانتهاكات بشكل مهني، ودعم القضاء المحلي والدولي في ملفات التعذيب والفساد وجرائم الحرب، ومنع الإفلات من العقاب عبر الأدلة والمؤسسات، لا عبر الثأر. لأن تحويل الصراع إلى “معركة وجود” بين معسكرات مسلحة سيجعل كل طرف يتمسك بسلاحه أكثر.

ب) ــ عزل دعاة الحرب شعبياً، لأن أي تيار يدفع نحو الحرب الأهلية يعتمد غالباً على الاستفزاز الإعلامي، وتعبئة الكراهية، وتخويف الناس من الآخر وإقناعهم أن العنف هو الحل. إضعاف هذا الخطاب يحتاج إلى كشف تناقضاته، وفضح مصالح المستفيدين من الفوضى، وإبراز أن الحرب القادمة لن تُبقي منتصراً حقيقياً.

الليبيون الوطنيون، مهما اختلفت مواقفهم، أصبحوا مرهقين من الحروب والانقسام

ج) ــ بناء جبهة وطنية عابرة للاستقطاب لان واحدة من مشاكل فبراير أنها بقيت في كثير من الأحيان “تحالف إسقاط” أكثر من كونها مشروع بناء دولة متكامل. ولذلك تمكنت شبكات عديدة من اختراق المشهد. أي مشروع إنقاذ يحتاج إلى شخصيات وطنية من الشرق والغرب والجنوب، وقوى مدنية، وتكنوقراط، وقيادات اجتماعية، وشباب غير مرتبطين باقتصاد الحرب.

الهدف ليس إعادة إنتاج الاستقطاب القديم، بل بناء دولة مدنية ضد الاستبداد والفساد معاً

د) ــ سحب الشرعية الاجتماعية من السلاح، حيث أن انتشار السلاح يجعل أي انفجار كارثياً، لكن استمرار الاعتقاد بأن السلاح هو الضمانة الوحيدة سيمنع قيام الدولة إلى أجل غير معلوم. ولهذا تحتاج النخب والتيارات المؤثرة إلى رفض التحريض على الاقتتال، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى تعبئة مسلحة، ودعم فكرة الاحتكام للدستور والمؤسسات تدريجياً.

القوى المسلحة نفسها لن تستطيع ضمان بقائها في حرب مفتوحة طويلة

هـ) ــ التركيز على معركة الوعي لأن جزء من الأزمة مرتبط بثقافة سياسية تراكمت لعقود من الشخصنة، والتخوين، وتمجيد القوة، واحتقار المؤسسات. ولهذا فإن أي تحول حقيقي يحتاج إلى إعلام مستقل، وتوثيق تاريخي موضوعي، ونشر ثقافة المواطنة، وتفكيك الروايات التي تبرر الاستبداد أو العنف.

في النهاية، وجود السلاح في كل مكان يجعل أي حسابات خاطئة شديدة الخطورة على الجميع، وهذا بالضبط ما يجعل بناء مسار قانوني وسياسي أكثر إلحاحاً. لأن البديل قد يكون انهيار واسع لا يمكن التحكم في نتائجه، مهما ظن أي طرف أنه قادر على الحسم.

نقطة أخيرة: التدخل الدولي يعطي رسائل خاطئة لكل الأطراف بسبب عدم فهم درجة التعقيد في الأزمة الليبية وهناك دوائر خارجية تحاول فرض وصف خاطئ للأزمة الليبية، وبالتالي ستكون حلولهم خاطئة أيضا، وهذا ما تريده الدولة العميقة وهو فشل أي حلول وطنية أو إقليمية أو دولية.

هذا الطرح يتكرر كثيراً في النقاش الليبي، وفيه جانب مهم من الحقيقة، لأن كثير من المقاربات الدولية تعاملت مع الأزمة الليبية باعتبارها مجرد صراع على السلطة يمكن حله عبر “تقاسم مناصب” أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بينما الواقع أكثر تعقيداً بكثير. فالأزمة الليبية تتداخل فيها بنية الدولة التي انهارت، واقتصاد الريع والسلاح، والانقسامات المناطقية والاجتماعية، والإرث الثقيل لعقود الحكم الجماهيري، والتدخلات الإقليمية، وشبكات المصالح المحلية المرتبطة باستمرار الفوضى.

عندما يُختزل الحل في تشكيل حكومة جديدة وتوزيع مناصب، فإن النتيجة غالباً تكون هدنة مؤقتة لا حلاً مستداماً.

كذلك، هناك مشكلة حقيقية في بعض التصورات الدولية التي تفترض أن الحل يكمن في “رجل قوي” قادر على فرض الاستقرار، أو أن المطلوب هو دمج النخب المتصارعة وحده يكفي لبناء دولة. هذه المقاربة قد تُهمل العدالة، وبناء المؤسسات، والتوازنات الاجتماعية، وثقافة الحكم نفسها. وفي أحيان كثيرة، تستفيد شبكات النفوذ المحلية من هذا التبسيط، لأنها تتقن مخاطبة الخارج بلغة “الاستقرار”، بينما تستمر داخلياً في تعطيل بناء الدولة أو توظيف الانقسام لمصالحها.

لكن في المقابل، من المهم الانتباه إلى نقطة أساسية هي أن رفض المقاربات الدولية الخاطئة لا يعني رفض أي دور دولي بالمطلق. ليبيا بحكم موقعها وملف الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي ستظل محل اهتمام دولي.

لذلك التحدي الحقيقي ليس “إخراج الأجنبي بالكامل”، بل منع تحويل ليبيا إلى ساحة إدارة مصالح خارجية، وفرض رؤية وطنية واضحة تجبر الأطراف الدولية على التعامل مع أولويات الليبيين وليس فقط مع حساباتهم الخاصة.

ولهذا فإن أي مشروع وطني جاد يحتاج إلى تعريف دقيق لطبيعة الأزمة، تشخيص واقعي لمراكز القوة الحقيقية، ورؤية دستورية واضحة، ومؤسسات قادرة على التفاوض مع الخارج من موقع الدولة لا من موقع الانقسام.

إذا ظل الليبيون منقسمين حول شكل الدولة ومستقبل السلطة والسلاح، فستستمر القوى الخارجية في التعامل مع مراكز النفوذ المتعددة بدل التعامل مع دولة موحدة. أما إذا ظهرت كتلة وطنية واسعة حول مشروع دولة مدنية ومؤسسات شرعية، فسيصبح من الأصعب على أي طرف خارجي فرض حلول سطحية أو إعادة تدوير الأزمات.

هذا القلق مفهوم، لأن أي سوء تقدير في الحالة الليبية قد تكون كلفته كبيرة جداً على المجتمع والدولة معاً. تعقيد المشهد، وانتشار السلاح، والانقسام المؤسسي، والتدخلات الخارجية، كلها تجعل هامش الخطأ ضيقاً للغاية.

ما تحتاجه ليبيا فعلاً هو انتقال من منطق المغالبة، وردود الفعل، والحلول المؤقتة، إلى منطق بناء المؤسسات، والتوافق على قواعد دستورية واضحة، وحماية الدولة من الانهيار ومن عودة الاستبداد والفساد أو الحرب في الوقت نفسه.

وفي كثير من الأحيان، أخطر ما يهدد الدول الخارجة من النزاعات ليس فقط الخصومات السياسية، بل الإصرار لدى بعض الأطراف على أن الصراع “صفري” وأن لا مكان إلا للغلبة الكاملة. هذا النوع من التفكير هو ما يحول الأزمات السياسية إلى حروب طويلة.

ولكن، يبقى الأمل دائماً في وجود أصوات ليبية قادرة على قراءة التجارب السابقة بواقعية، ورفض التحريض نحو الاقتتال، والضغط باتجاه مؤسسات شرعية وقضاء حقيقي، والدفاع عن فكرة الدولة بدل منطق المناورات.

فمهما كانت التدخلات الخارجية أو شبكات المصالح الداخلية، يبقى استقرار ليبيا في النهاية مرتبطاً بقدرة الليبيين أنفسهم على منع الانزلاق إلى مواجهة جديدة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

_______________

Related Articles