بقلم الشّايب
(بدلا من تمدين البادية، بدونة المدينة)
يمكن تفكيك أثر نظام الجماهيرية على العاصمة طرابلس من خلال النظر إلى التحول العكسي الذي حدث في علاقة المدينة بالريف والبادية. فبدلًا من أن تقوم العاصمة، بوصفها مركز الدولة والإدارة والتعليم والاقتصاد، بعملية تمدين للمناطق المحيطة عبر نشر قيم التنظيم المدني والمؤسسات والقانون والعمل الحضري، حدث في عهد الجماهيرية مسار معاكس تمثل في بدونة المدينة نفسها.
أولًا، ما المقصود ببدونة العاصمة؟
لا يعني ذلك مجرد انتقال سكان من الأرياف أو البادية إلى طرابلس، فهذا أمر طبيعي في كل الدول، بل المقصود هو نقل أنماط التفكير والعلاقات الاجتماعية والسياسية البدوية إلى قلب المدينة، بحيث أصبحت القرابة والولاء الشخصي أهم من الكفاءة والمؤسسة، والعصبية القبلية أداة توزيع النفوذ والمناصب، وتغليب منطق الزعيم والتابعين بدل منطق الدولة والقانون، وضعف مفهوم المجال العام والمواطنة المدنية.
ثانيًا، كيف تحقق ذلك في عهد الجماهيرية؟
ــ إضعاف مؤسسات المدينة: طرابلس تاريخيًا مدينة تجارية متوسطية ذات طبقة وسطى ومؤسسات إدارية وثقافة مدنية. لكن نظام الجماهيرية حارب البلديات المستقلة، والنقابات المهنية، والأحزاب، والصحافة الحرة، والقضاء المستقل، وبذلك جرى تفريغ المدينة من أدواتها الطبيعية في إنتاج الحداثة.
ــ إحلال اللجان الشعبية بدل الإدارة الحديثة: تم استبدال البيروقراطية المهنية بهياكل أيديولوجية (اللجان الشعبية والثورية)، فصار الولاء للنظام أهم من الخبرة، وهو نمط أقرب إلى إدارة الغنيمة منه إلى إدارة الدولة.
ــ تشجيع الهجرة الداخلية غير المنظمة: شهدت طرابلس توسعًا عمرانيًا سريعًا دون تخطيط متوازن، مع دخول كثيف من مختلف المناطق، لكن دون سياسات دمج حضري حقيقية. فانتقلت الانقسامات المناطقية والقبلية إلى أحياء المدينة بدل أن تذوب فيها.
ــ الخطاب المعادي للتمدن التقليدي: القذافي قدّم نفسه بوصفه ممثل “البداهة الشعبية” ضد النخب المدينية التقليدية، وهاجم الثقافة البرجوازية والمدنية، ما أضعف رمزية المدينة كمركز للمعرفة والتنظيم.
ثالثًا، النتائج على طرابلس:
النتائج نجدها في تراجع الهوية المدنية الجامعة لصالح الهويات الفرعية، وانتشار البناء العشوائي وضعف التخطيط، وهشاشة الإدارة المحلية، وتغليب الوساطة والمحسوبية، وتآكل الطبقة الوسطى المدينية، وصعوبة بناء دولة حديثة بعد 2011 لأن العاصمة نفسها لم تعد حاضنة قوية للمؤسسات.
رابعًا، المفارقة التاريخية:
في الدول الحديثة، العاصمة عادةً “تُمدِّن” الأطراف؛ أي تجعل الريف أكثر اندماجًا في الاقتصاد الحديث والقانون والتعليم. أما في الحالة الليبية خلال الجماهيرية، فقد تم ترييف/بدونة المركز بدل تمدين الهامش، وهي مفارقة تفسر كثيرًا من أزمات ليبيا المعاصرة.
خلاصة مركزة: نجح القذافي في تحويل طرابلس من مدينة تقود مشروع الدولة إلى فضاء تُدار فيه الدولة بمنطق ما قبل الدولة: الولاء الشخصي، الشبكات العصبية، والمؤسسات الشكلية. أي أن العاصمة فقدت قدرتها على إنتاج المدنية، وصارت بدورها متأثرة بالبنية البدوية التي كان يفترض أن تستوعبها وتحوّلها.
*******
مقارنة بين طرابلس قبل 1969 وطرابلس بعد 42 سنة من الجماهيرية
لفهم ما حدث، وحجم التحول، ينبغي النظر إلى طرابلس كمدينة تاريخية كانت تسير في مسار تمدّن طبيعي، ثم تعرّض هذا المسار للانقطاع والتشويه خلال حكم الجماهيرية.
أولًا: طرابلس قبل 1969 — مدينة في طور التحديث
رغم محدودية الإمكانات آنذاك، كانت طرابلس تتشكل كعاصمة مدنية ناشئة، وبرز ذلك في عدة مظاهر:
ــ مؤسسات دولة ناشئة: وزارات وإدارات حكومية تقليدية، وبلدية ذات دور واضح، وجهاز قضائي أكثر انتظامًا، وإدارة مدنية أكثر مهنية مقارنة بما تلاها.
ــ طبقة وسطى صاعدة: الساكنة في العاصمة هم موظفون، ومعلمون، وتجار، ومهنيون، حيث بدأ ازدهار نسبي للقطاع التجاري، وتوسع التعليم النظامي.
ــ هوية مدينية متوسطية: على شكل انفتاح على البحر المتوسط، وتنوع اجتماعي وثقافي، حضور قوي للأحياء والأسواق والمقاهي والثقافة المدنية.
ــ عمران منظم نسبيًا: توسع حضري تدريجي، ومركز مدينة واضح، وأحياء ذات طابع عمراني منسجم.
الخلاصة: كانت طرابلس تتحرك، ببطء لكن بثبات، نحو أن تصبح عاصمة عربية متوسطية حديثة.
ثانيًا: طرابلس بعد 42 سنة من الجماهيرية — مدينة معلقة بين العاصمة والمخيم الكبير
رغم الأموال النفطية الضخمة، لم تتحول طرابلس إلى مدينة حديثة بمستوى موارد ليبيا، بل أصابها تشوه بنيوي.
ــ تفريغ الدولة من مضمونها: حيث الوزارات شكلية، والقرارات شخصية ومزاجية، والإدارة فاقدة للمهنية المستقرة، واللجان الثورية فوق المؤسسات.
ــ تآكل الطبقة الوسطى: حيث الموظف تابع للدولة الريعية، وضعف المبادرة الخاصة، واعتماد واسع على التوزيع الريعي لا الإنتاج.
ــ صعود العصبيات: النفوذ عبر المنطقة أو القبيلة أو الولاء الأمني، وتراجع مفهوم المواطن الفرد، والعلاقات الشخصية أقوى من القانون.
ــ فوضى عمرانية: أحياء عشوائية، وضعف البنية التحتية، وغياب رؤية حضرية طويلة الأمد، مشاريع استعراضية أكثر من تخطيط حقيقي.
ــ ثقافة الخوف والصمت: المدينة فقدت حيويتها السياسية، وتراجع النقاش العام، وغياب المجتمع المدني الحقيقي.
الخلاصة: طرابلس أصبحت مدينة كبيرة سكانيًا، لكنها ليست عاصمة حديثة مؤسساتيًا.
ثالثًا، المفارقة الكبرى: لو استمرت ليبيا بعد الاستقلال في مسار بناء الدولة الطبيعي، لكان ممكنًا أن تصبح طرابلس شبيهة بعواصم متوسطية متوسطة التطور مثل تونس، والرباط، وعمّان، وبعض مدن جنوب أوروبا الأصغر. لكن الجماهيرية أوقفت هذا المسار، وأعادت تشكيل العاصمة بمنطق الثورة الدائمة والسلطة الشخصية.
رابعًا، صياغة حادة ومباشرة: قبل 1969 كانت طرابلس مدينة فقيرة تتجه نحو الحداثة، وبعد 42 سنة من الجماهيرية أصبحت مدينة غنية بالنفط لكنها فقيرة في الدولة. فقبل 1969 كان هناك نقص في المال. بعد 1969 صار هناك نقص في العقل المؤسسي، وقبل 1969 كانت العاصمة تبني نفسها، بعدها أصبحت السلطة تستخدم العاصمة وتستهلكها.
خامسًا، أثر ذلك بعد 2011: عندما سقط النظام، لم تكن هناك عاصمة قوية تمسك الدولة، لأن طرابلس نفسها كانت قد أُضعفت، فالمؤسسات هشّة، والمجتمع منقسم، والاقتصاد ريعي، والسلاح خارج الدولة، والولاءات متشابكة. لذلك انفجرت الأزمة بسرعة.
خلاصة نهائية: القذافي لم يدمّر مؤسسات ليبيا فقط، بل عطّل الوظيفة التاريخية لطرابلس كمدينة تصنع الدولة. فجعل العاصمة مجرد مسرح للسلطة، لا مصنعًا للمدنية.
***********
طرابلس في خط زمني واحد صادم جدًا
كيف بدت طرابلس في العهد الإيطالي ثم الملكي ثم الجماهيري ثم بعد 2011، أي أنها تحولت من مدينة متوسطية واعدة… إلى عاصمة بلا مركز واضح، وإذا نظرنا إلى طرابلس عبر أربعة عهود متتالية، سنرى أن المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في انقطاع مشروع المدينة مرارًا.
ــ العهد الإيطالي (1911–1943): طرابلس كانت مدينة مستعمرة تُبنى على الطراز الحديث، رغم الطبيعة الاستعمارية القمعية للاحتلال، فإن الإيطاليين تعاملوا مع طرابلس باعتبارها واجهة متوسطية استراتيجية. فماذا حدث؟ (شوارع منظمة واسعة، وتخطيط عمراني حديث نسبيًا، ومبانٍ إدارية وساحات عامة، و ميناء أكثر تنظيمًا، وكورنيش ومرافق حضرية، وفصل واضح بين المدينة القديمة والامتداد الأوروبي)
الصورة الصادمة: مدينة تُبنى لخدمة المستعمر، لكنها كانت تُدار بعقلية مدينة، والمفارقة: المحتل فهم أهمية العاصمة أكثر مما فهمها كثير من الحكام الوطنيين لاحقًا.
ــ العهد الملكي (1951–1969): مدينة فقيرة… لكنها تتعلم كيف تكون عاصمة. بعد الحرب العالمية الثانية كانت ليبيا من أفقر دول العالم، لكن طرابلس بدأت تنمو طبيعيًا كعاصمة دولة مستقلة. ماذا حدث؟ (نشوء الوزارات والإدارات، وتعليم حديث، وطبقة وسطى مدنية صاعدة، ونشاط تجاري، وحياة اجتماعية أكثر انفتاحًا، وبداية مؤسسات حقيقية)
الصورة الصادمة: العاصمة لم تكن غنية، لكنها كانت تتجه في الاتجاه الصحيح، والمفارقة: زمن قلة المال كان أكثر عقلانية من زمن وفرة النفط.
ــ العهد الجماهيري (1969–2011): مدينة ثرية بالنفط… مفككة في الجوهر، دخلت المليارات، لكن طرابلس لم تتحول إلى عاصمة عالمية أو حتى إقليمية محترمة. ماذا حدث؟ (إلغاء السياسة الطبيعية، وتدمير الإدارة المهنية وحكم اللجان والشعارات، وتوسع عمراني مشوّه، وأحياء بلا روح تخطيطية، وصعود الولاءات الشخصية والقبلية، ومشاريع ضخمة متقطعة بلا رؤية شاملة)
الصورة الصادمة: مدينة تملك المال ولا تملك العقل المؤسسي، والمفارقة: في أربعين سنة نفطية، كان يمكن صنع برشلونة مغاربية… فصُنعت مدينة مرتبكة.
ــ بعد 2011: عاصمة مكشوفة بعد سقوط الغطاء، عندما سقط النظام، ظهرت حقيقة أن المدينة لم تكن مبنية على مؤسسات صلبة، ماذا حدث؟ تعدد سلطات، وميليشيات، وشلل إداري متكرر، وبنية تحتية منهكة، وتوسع عشوائي مستمر، وفقدان هيبة العاصمة، واقتصاد غير مستقر.
الصورة الصادمة: سقط النظام، فظهر أن العاصمة نفسها كانت نصف منهارة من الداخل، وانتقلت طرابلس من مدينة بناها أجنبي، إلى مدينة حاول وطنيون تأسيسها، ثم إلى مدينة استهلكها حاكم، ثم إلى مدينة تتقاسمها قوى متنازعة.
لو سار التاريخ طبيعيًا، واستمر التراكم المؤسسي منذ الاستقلال، لكان ممكنًا اليوم أن تكون طرابلس: مركزًا ماليًا للمغرب العربي، وميناءً لوجستيًا كبيرًا، وعاصمة متوسطية مزدهرة، ومدينة جامعات وسياحة وأعمال، ولكنها بدل ذلك أصبحت مدينة تعيش إمكاناتها أكثر مما تعيش واقعها.
الخلاصة النهائية: مأساة طرابلس ليست أنها دُمّرت بالحرب فقط، بل أنها أُهدرت تاريخيًا.
_____________