بقلم الشّايب
الصحة العامة في ليبيا تعاني من الفساد والبيروقراطية وغياب الفلسفة الصحية المناسبة للمواطن الليبي، ويبدو أن أثار الجماهيرية لها دور كبير في هذا الأمر. ولذلك ينبغي تفكيك الجماهيرية في المؤسسات العامة والخاصة لقطاع الصحة.
هذا الطرح يلمس جوهر الأزمة لا أعراضها فقط. نعم، آثار “الجماهيرية” كفلسفة حكم وإدارة ما زالت حاضرة بقوة في قطاع الصحة، وربما هي من أكثر القطاعات التي تضرّرت منها.
ما بعد 2011، سقط النظام دون سقوط النموذج، وتغيّر الخطاب، وتغيّرت الوجوه، لكن القوانين بقيت، والعقليات استمرت، والهياكل لم تُفكك، فأُعيد إنتاج الجماهيرية باسم الثورة، ثم باسم الاستقرار، ثم باسم “الضرورة”.
والانقسام السياسي زاد من تعقيد الأمور ولكنه لم يخلق الجماهيرية الصحية، لكنه رسّخها، وجزّأها، وحوّلها إلى نماذج متنافسة متشابهة، وبالطبع، هناك عوائق أخرى لها علاقة بالجماهيرية التي ساهمت في الفساد الصحي، ومنها مقاومة التغيير من داخل المؤسسات، والخوف من المحاسبة، وغياب النخبة الصحية الإصلاحية، وتسييس أي نقاش إصلاحي. فأي إصلاح لا يمس هذه الجذور سيبقى تجميليًا، ومؤقتًا، وقابلًا للارتداد.
ونخلص إلى أن الجماهيرية الصحية ليست ذكرى تاريخية بل واقعًا مؤسسيًا حيًا يُعيد إنتاج الفشل حتى بأدوات جديدة، ومن هنا، يصبح تفكيك الجماهيرية الصحية شرطًا سابقًا لأي إصلاح حقيقي، لا نتيجة لاحقة له.
مقدمة مفاهيمية
يعاني قطاع الصحة في ليبيا من اختلالات بنيوية عميقة لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل الفساد أو ضعف الموارد أو الانقسام السياسي. بل تعود جذور الأزمة إلى استمرار نموذج الجماهيرية كفلسفة حكم وإدارة. هذا النموذج ما زال يعمل داخل المؤسسات الصحية، حتى بعد انهيار النظام سياسيًا. من هذا المنطلق، لا يمكن إصلاح قطاع الصحة عبر حلول تقنية معزولة (تجهيزات، رواتب، تدريب) دون تفكيك الإطار الذهني والمؤسسي الذي تشكّل في ظل الجماهيرية. في هذا الإطار، لا تُفهم الجماهيرية كنظام سياسي منتهي، بل كمنظومة حكم وإدارة تقوم على تذويب المسؤولية، وتسييس الخدمة العامة، وإلغاء المهنية، وتحويل الحق إلى منّة.
الجماهيرية لها خصائص كثيرة في قطاع الصحة، ومنها غياب الفرد المسؤول (اللجنة بدل المدير)، وهيمنة الخطاب الشعبوي على التخطيط الصحي، وتسييس القرار الطبي والإداري، وتذويب العلاقة التعاقدية بين الدولة والمواطن، وتحييد المعرفة والخبرة لصالح الولاء.
مفهوم “تفكيك الجماهيرية” في الصحة لا يعني الخصخصة المطلقة أو تقليص دور الدولة أو استيراد نماذج جاهزة بل يُقصد به الانتقال المنهجي من نظام صحي جماهيري– شعاراتي إلى نظام صحي مهني–حقوقي– قائم على المساءلة. وهو تحوّل تدريجي في الفلسفة والقواعد والأدوار، والثقافة المؤسسية.
هناك مرتكزات للتفكيك النظري في قطاع الصحة، ومنها التحول من “الصحة كمنحة” ” إلى “الصحة كحق دستوري“، وتحوّل المواطن من “متلقٍ سلبي” ألى “صاحب مطالب مشروعة“، وتحوّل الدولة من “مانحة” للعلاج” إلى دولة “ضامن ومنظمة“، مما يعني أن الأثر النظري للتفكيك هو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمريض.
تفكيك الجماهيرية يهدف إلى إعادة الاعتبار للمسؤولية الفردية، فالجماهيرية قامت على “السلطة جماعية… المسؤولية جماعية” ما رسخ انعدام المحاسبة وتضييع الأخطاء. ولكن التفكيك يتطلب مديرًا واضح الصلاحيات، وتوصيفًا دقيقًا للمسؤوليات، ومساءلة فردية مبنية على الأداء.
من مهام التفكيك فصل السياسة عن الإدارة الصحية. لان في النظام الجماهيري، السياسة تتحكم في التعيينات، والميزانيات، والأولويات الصحية. أما في النموذج التفكيكي، السياسة تضع الإطار العام، والإدارة الصحية مهنية، ومستقلة نسبيًا، والقرار الطبي غير قابل للمزايدة السياسية.
من نتاج التفكيك أيضا استعادة المهنية الطبية، حيث الجماهيرية حوّلت الطبيب إلى موظف بيروقراطي، ونزعت عنه الحماية القانونية والأخلاقية. أما التفكيك يعيد تعريف الطبيب كمهني مستقل، وصاحب سلطة معرفية، وشريك في القرار الصحي.
من أثار النظام الصحي في الجماهيرية سيادة ثقافة المجانية المطلقة للخدمات الصحية، مما أفرغ الخدمة من قيمتها، وفتح الباب للفساد، وقتل الاستدامة. ولذلك، من الضروري تفكيك شعار “الكل مجاني” من خلال ثقافة مختلفة ترسخ سياسة تمويل عادل للصحة، ومساهمة رمزية/تأمينية، وحماية الفئات الهشّة، وربط الإنفاق بالنتائج الصحية. إذًا الجماهيرية هنا ليست شعارًا سياسيًا فقط، بل منظومة ذهنية وإدارية ما زالت تعمل، ومن أبرز مظاهرها في قطاع الصحة:
ــ غياب الفلسفة الصحية: تعني غياب تصور واضح هل الصحة حق للمواطن؟ أم خدمة تمنحها الدولة؟ أم أداة ولاء سياسي واجتماعي؟. والنتيجة من غياب هذه الفلسفة الصحية انتشار السياسات المتناقضة، والقرارات الارتجالية، وغياب التخطيط الصحي طويل المدى.
ــ سيطرة البيروقراطية الشعبوية، التي تتمثل في تضخّم إداري بدون كفاءة، وقرارات تُتخذ لإرضاء “الجماهير” لا بناءً على مؤشرات صحية، والخوف من المحاسبة الفردية فالجميع يختبئ خلف “اللجنة” و“التعميم”.
ــ تسييس الإدارة الصحية: فالتعيينات على أساس الولاء، والجهوية، والعلاقات، ولا وجود حقيقي لمفهوم المدير الصحي المحترف.
ــ تدمير مفهوم المسؤولية: في الجماهيرية “الكل مسؤول” ولا أحد مسؤول، وهذا قاتل في قطاع حساس مثل الصحة.
ــ إفراغ المهنة الطبية من بُعدِها الأخلاقي، حين أصبح الكادر الصحي موظفي دولة لا أصاحب رسالة، وأصبح الطبيب محاصر إداريًا، وغير محمي قانونيًا،
إذا التفكيك المطلوب لا يعني الصدام السياسي، بل التحول المؤسسي الهادئ. أي أنه انتقال من إدارة صحية جماهيرية/شعاراتية، إلى نظام صحي مهني، قائم على الحقوق، والمعايير، والمساءلة.
مسارات تفكيك الجماهيرية في قطاع الصحة
ــ التفكيك الفكري (وهو الأهم): تبدأ بصياغة فلسفة صحية وطنية جديدة، تقوم على أن الصحة حق أساسي للمواطن، والمواطن هو محور النظام الصحي، والوقاية قبل العلاج، وهذا يمكن أن يبدأ عبر أوراق سياسات، ونقاشات مهنية، ومراكز تفكير صحية (ولو صغيرة)
ــ التفكيك الإداري: ويبدأ بفصل السياسة عن الإدارة الصحية، وتحويل المستشفيات إلى وحدات شبه مستقلة، وبميزانيات واضحة، ومجالس إدارة مهنية، ولابد من إنهاء منطق “الوزارة تدير كل شيء”
ــ التفكيك القانوني: ويبدأ بمراجعة القوانين الموروثة من الجماهيرية، وقوانين العمل الصحي، ونظم التعيين، والمحاسبة التأديبية، وإدخال عقود أداء، ومعايير الجودة، والمسؤولية الشخصية للمدير
ــ التفكيك المالي: ويبدأ بتبني سياسة الشفافية بدل “المال العام السائب”، وربط التمويل بعدد الخدمات، وجودة الأداء، ومؤشرات صحية واضحة، وكسر ثقافة “الصحة ببلاش” واستبدالها بـ “الصحة الممولة بعدالة”
ــ التفكيك الثقافي داخل المؤسسات، بهدف تغيير عقلية “نفّذ وبس” إلى “سجّل، قيّم، طوّر”، وتمكين الأطباء وجهاز التمريض في اتخاذ القرار، وفي الإبلاغ عن الفساد دون خوف.
تفكيك الجماهيرية في الصحة لن يأتي من الدولة وحدها، بل غالبًا يبدأ من مبادرات مهنية، ونقابات حقيقية، ومؤسسات مجتمع مدني صحية، وتجارب محلية ناجحة (مستشفى، مركز صحي، مدينة) فالتجربة الصغيرة الناجحة أخطر على الجماهيرية من ألف خطاب سياسي.
مقارنة النموذج الجماهيري في قطاع الصحة بنماذج أخرى
من المهم تفكيك النماذج الشعبوية/السلطوية في قطاع الصحة في أنظمة شمولية، ومقارنها بنموذج الصحة في الجماهيرية، وبناء على فرضية أن النظم الصحية لا تُبنى في فراغ بل تعكس طبيعة النظام السياسي–الإداري وأن الدول الخارجة من أنظمة شمولية تواجه تحديًا مشتركًا أمام سؤال منهجي هو كيف نُصلح الصحة دون أن نُعيد إنتاج فلسفة الحكم القديمة؟
عقد هذه المقارنات الدولية ليست ترفًا أكاديميًا، بل أداة لإثبات أن ما تعانيه ليبيا نمط معروف في دول خرجت من أنظمة شمولية/شعبوية شبيهة بها، وأن التفكيك ممكن إذا فُهم المسار. ولذلك تم اختيار الحالات المقارنة وفق معايير إرث سلطوي طويل وتسييس للخدمات العامة، ومركزية شديدة، وانتقال سياسي غير مستقر.
تجارب دول من أوروبا الشرقية بعد الاشتراكية مثل (رومانيا – بلغاريا – بولندا)
التشابه مع ليبيا قبل التسعينات كبير جدا فالصحة “مجانية بالكامل” الدولة هي المشغّل الوحيد، والطبيب موظف حزبي، والخدمات الصحية بلا مساءلة ولا جودة. جوهر الأزمة في هذه الدول أنها قدمت خدمات صحية مجانية وشعبوية ما جعلها خدمات رديئة تفشي فيها الفساد كبديل عن السوق ونتج عنها انهيار الثقة العامة.
مسار التفكيك: أهم ما فعلته هذه الدول هو تفكيك المركزية بحيث نقلت الصلاحيات للمستشفيات، وأعادت تعريف المجانية من خلال تبني نظام تأمين صحي إلزامي، وأعادت الاعتبار للطبيب من خلال نقابات قوية واستقلال مهني، وأيضا بفصل التمويل عن الإدارة. والدرس من هذه التجارب لليبيا، أنه لا يمكن الحفاظ على “مجانية جماهيرية” دون انهيار التأمين الصحي، وليس خصخصة الاستقلال المؤسسي شرط لإصلاح القطاع الصحي.
تجارب دول من أمريكا اللاتينية بعد الشعبوية (فنزويلا – البرازيل)
ــ فنزويلا (تفكيك فاشل): في عهد تشافيز ومادورو، تحولت الصحة إلى أداة تعبئة سياسية، وعانت من برامج شعبوية بلا استدامة، وتسييس الأطباء، وطرد الكفاءات. والنتيجة كانت بانهيار النظام الصحي، وهجرة الأطباء، وعودة أمراض منقرضة. وفي هذه التجربة هناك تشابه خطير مع ليبيا، حيث ساد فساد الخطاب بدل التخطيط، والسياسة بدل الوبائيات، والشرعية عبر “العلاج المجاني”.
ــ البرازيل: (تفكيك جزئي ناجح): ورثت البرازيل نظامًا صحيًا مسيّسًا، وأنشأت نظام تبنى مبدأ الصحة هي حق دستوري ولا مركزية، ومشاركة مجتمعية، وحلول لمشاكل مستمرة. الدرس لليبيا هو أن الحق الدستوري مهم لكن بدون حوكمة أدت إلى فشل اللامركزية مع رقابة مركزية ذكية
تجارب دول عربية بعد إسقاط النظام (تونس والعراق)
ــ تونس بعد بن علي (حالة قريبة ثقافيًا ومؤسسيًا): الوضع قبل 2011، كانت المركزية قوية، والصحة العمومية متدهورة، والقطاع خاص قوي ولكن غير منظم . فما الذي تغيّر؟ تغيّر الخطاب لكن القوانين بقيت والإدارة لم تُفكك، والنقابات بقيت مسيّسة. والنتيجة أن الإصلاح كان بطيء، وبرزت ازدواجية عمومي والخاص. الدرس لليبيا أن إسقاط النظام لا يكفي، والتفكيك التشريعي شرط، والخطر هو “إصلاح بلا رؤية”.
ــ العراق بعد 2003 (تفكيك فاشل): ما حدث هو حلّ الدولة دون بناء البديل، وتسييس طائفي للصحة، وفساد مالي ضخم، وهجرة واسعة للكفاءات. الدرس السلبي لليبيا هو أن التفكيك الصدامي كان مدمّرا، ولا إصلاح بدون مؤسسات، ولا مهنية بدون حماية أمنية وقانونية، واحتجاجات متكررة للأطباء. كلها تحذيرات مباشرة لليبيا
موقع ليبيا في خريطة المقارنات
ليبيا اليوم ليست في مرحلة الانهيار الكامل (كفنزويلا) ولا في مرحلة الإصلاح المستقر (كالبرازيل) بل في مرحلة انتقالية خطرة إما تفكيك هادئ للجماهيرية الصحية أو إعادة إنتاجها بأسماء جديدة
خلاصة المقارنات: تُظهر التجارب الدولية أن إصلاح الصحة مسار سياسي–مؤسسي قبل أن يكون تقنيًا، وأن الشعبوية الصحية مدمّرة على المدى المتوسط، وأن التفكيك التدريجي أقل كلفة وأكثر واقعية، فلا نموذج جاهز، ولكن هناك مبادئ مشتركة.
النموذج النظري البديل للنظام الصحي الليبي (فلسفة – حوكمة – تمويل – إدارة – دور المواطن)
بعد تشخيص الجماهيرية الصحية ومقارنتها بتجارب دولية، يصبح السؤال المركزي ليس ما الذي نرفضه؟ بل ما الذي نضعه مكانه؟ النموذج المقترح هو نموذج نظري بديل للنظام الصحي الليبي القائم، ويقوم على تفكيك الإرث الجماهيري دون تدمير الدولة، وعلى إعادة بناء الصحة كمنظومة حقوقية–مهنية–قابلة للحكم الرشيد.
أولًا، الفلسفة الحاكمة للنموذج البديل: ينطلق النموذج من اعتبار الصحة كحق عام قابل للمساءلة، وهو حقً أساسي للمواطن، والتزام قانوني على الدولة، وليس منّة سياسية أو إنجاز دعائي. فالتحول لدور للدولة سيكون من “الدولة تعالج” إلى “الدولة تضمن حق العلاج”. أي أن الدولة تتحول من مُشغِّل إلى ضامن ومنظّم. في النموذج البديل، الدولة لا تدير كل شيء، ولا تنسحب من المسؤولية، بل تقوم بثلاث وظائف أساسية: التنظيم، والتمويل، والرقابة. هذا التحول هو قلب التفكيك الجماهيري.
ثانيًا، بنية النظام الصحي البديل: وزارة الصحة في النظام البديل سيعاد تعريفها، فتتحول من وزارة الصحة إلى مؤسسة سياسات، وتنظيم، ووضع معايير، ولا تقوم بـتشغيل المستشفيات، ولا بالتوظيف اليومي، ولا بإدارة المشتريات التفصيلية. والنتيجة ستبرز في تقليص الفساد، ووضوح المسؤولية. البديل سيحقق استقلالية المؤسسات الصحية، فالمستشفيات والمراكز الصحية تصبح وحدات عامة مستقلة لها ميزانية، ومجلس إدارة، ومدير تنفيذي مهني، مع عقود أداء ومؤشرات جودة، ورقابة مركزية واضحة.
ثالثًا، الحوكمة والمسؤولية: النموذج البديل ينهي منطق “اللجان“، فلا لجان تسيير دائمة، ولا قرارات بلا توقيع، ولا مسؤولية بلا مساءلة. فكل مؤسسة لها مدير مسؤول، وتوصيف وظيفي، ومحاسبة دورية، وتصبح الشفافية كأداة علاج. النموذج البديل يفترض نشر الميزانيات، ونشر قوائم الانتظار، ونشر نتائج الأداء، ولكن ليس كترف ديمقراطي بل كأداة صحية لمحاربة الفساد.
رابعًا، التمويل (تفكيك المجانية الجماهيرية): التفكيك هنا يعني التحول من خدمات صحية قائمة على شعار“مجاني للجميع” إلى “ممول بعدالة”. فالمجانية المطلقة غير عادلة، وغير مستدامة، وتخدم الأقوى ليس الأضعف. فالنموذج البديل يقوم على تقديم تأمين صحي وطني، ومساهمات حكومية رمزية، وإعفاء للفئات الهشّة، ودعم كامل ومباشر للفقراء. ومن جهة أخرى يتم ربط التمويل بالإنجاز والنتائج، مثلا بعدد الخدمات، وجودة الأداء، ومؤشرات صحية، وليس بالنفوذ المبني على الجغرافيا والولاءات.
خامسًا، إعادة الاعتبار للمهنة الطبية: في النموذج البديل: الطبيب يُعتبر كشريك لا كموظف، ويكون مهنيا مستقلا ومحميا بالقانون، ويكون مشاركا في صنع القرار. والنقابات المهنية ستكون مستقلة، وغير مسيّسة، بل شريكة في وضع المعايير، والمحاسبة الأخلاقية، والدفاع عن مهنة الطب والتمريض.
سادسًا، دور المواطن في النظام البديل: المواطنون يتحولوا من جمهور إلى أصحاب حقوق، ولذلك على المواطن أن يعرف حقوقه وواجباته، والبديل يضمن له مسار شكاوى، وآلية تظلّم، وحق المساءلة. ومن جهة أخرى يضمن البديل المشاركة المجتمعية، من خلال مجالس صحية محلية، وتقارير رضا المرضى، ودور للبلديات دون تسييس.
سابعًا، الانتقال التدريجي (نقطة حاسمة): النموذج البديل لا يُطبَّق دفعة واحدة، بل عبر تجارب محلية، ومستشفيات نموذجية، وإصلاح تشريعي متدرّج، وحماية سياسية للإصلاح. والقاعدة الذهبية هي أن التفكيك الهادئ أقوى من الثورة الإدارية.
ثامنًا، لماذا هذا النموذج مناسب لليبيا؟: لأنه لا يصطدم ثقافيًا، فهو لا يحتاج دولة مثالية، ولا يفترض استقرارًا كاملًا، ويعمل في الشرق والغرب والجنوب، ويسمح بالاختلاف المحلي ضمن إطار وطني.
والخلاصة أن البديل المقترح سيكون نموذجًا صحيًا ليبيًا، في حالة ما بعد جماهيري وما قبل ديمقراطي كامل، لكنه قابل للحكم وقابل للمساءلة وقابل للتحسن وهو نموذج لا يعد بالكمال، بل ينهي إعادة إنتاج الفشل.
_______________