بقلم الشّايب
من المؤسف والمحزن جدا أن جل موظفي الدولة في الكثير من المؤسسات يعاملون المواطن بشكل سيئ جدا، وهذا السلوك هو من تركة النظام الجماهيري، ولذلك من المهم البحث في إمكانية تفكيك هذا الأثر بكل صراحة وموضوعية.
تفكيك أثر “الجماهيرية” في سلوك بعض موظفي الدولة تجاه المواطن الليبي ليس مجرد إصلاح إداري، بل هو تحول ثقافي ومؤسسي عميق. لأن المشكلة ليست في القوانين فقط، بل في العقلية التي تشكّلت منذ 1969 وهي عقلية السلطة فوق المواطن، لا في خدمته.
فالنظام الجماهيري لم يخلق فقط بيروقراطية عاجزة، بل أسس لفلسفة سياسية كرست التهميش والخوف كأداتين للحكم. ولكي نعطي التفكيك حقه، علينا أن نتناول الموضوع من خلال :
تفكيك الجهاز الإداري: (من سلطة الشعب إلى تعسف الموظف)
نظرياً، قامت الجماهيرية على فكرة “سلطة الشعب” عبر المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والثورية. لكن عملياً، أدى هذا النظام إلى تضخم بيروقراطي خانق في غياب كامل للمساءلة. فبدلاً من أن يكون الموظف خادماً للقانون، أصبح خاضعاً لشبكة معقدة من السلطات المتضاربة (اللجان الثورية، الأمن، الإدارة). وهذا جعله غير مسؤول أمام المواطن، بل أمام “الثورة” وعناصرها، مما شجعه على التعسف أو الإهمال دون خوف من العقاب.
رغم الشعارات الثورية، كان القرار مركزيًا بالكامل بيد القذافي ودائرته الضيقة . وتحول الموظف إلى مجرد “منفذ” للأوامر، حيث فقد روح المبادرة أو الرحمة، وأصبح المواطن يواجه جدارًا من الإجراءات التي لا يمكن تجاوزها.
لقد حوّل النظام الموظف إلى جندي، وجعل إرث “الخوف” كآلية للعمل الإداري، ولذلك لم يعد سوء المعاملة مجرد أخلاق فردية، بل نتاج بيئة منظمة من الخوف والرقابة. ومن جهة أخرى، تم تحويل مرافق الدولة إلى ثكنات أمنية للجان الثورية وأجهزة الأمن، بل أن كثير من الموظفين، خاصة في المرافق الحيوية (كالجوازات، والسجل المدني) كانوا إما منخرطين في الأجهزة الأمنية أو تحت رقابتها المباشرة. وكانوا يتعاملون مع المواطن كـ“خصم” أو “متآمر محتمل” وليس كمستحق للخدمة.
لم يشتكي المواطن من سوء المعاملة لأن أي شكوى من معاملة الموظفين قد تُعتبر “طعناً في الثورة” ويعاقب عليها القانون رقم 71 الذي جرّم الحزبية ما جعل من السهل اتهام أي مواطن بأنه ضد سلطة الشعب. هذا أدى إلى خلق حالة من “الإفلات التام” للموظف الفاسد أو المتعسف، و“عجز تام” للمواطن.
سياسة الإهمال والتهميش للمواطن كانت قاهرة للمواطن، مما حول ضعف الخدمات إلى أداة قمع، وهكذا عاني المواطن الليبي عقود من الزمن من تهميش منهجي لم يقتصر على للحقوق، بل امتد للخدمات اليومية.
ركز النظام الجماهيري على عبادة الشخصية وإضفاء صفة “القداسة” على “قائد الثورة“، بينما أهمل بناء مؤسسات الدولة المدنية الحديثة، وهكذا أصبح تأليه القائد يعني بالضرورة ذل للمواطن. والنتيجة أن المواطن عندما يحتاج إلى خدمة (ترخيص، شهادة ميلاد، جواز سفر)، يجد نفسه يقف أمام موظف يشعر بالعجز لأنه لا يمتلك الصلاحيات، أو يشعر بالقوة لأنه يعرف أن المواطن لا يملك وسيلة ضده. هذا التناوب بين “عجز الموظف” و“تعسف الموظف” هو جوهر المعاناة المراد تفكيكها.
لتفكيك هذا الأثر داخل الجهاز الإداري، على الموظف الاعتراف بحقيقة تعرض المواطن الليبي للاضطهاد الإداري والأمني. ولذلك لابد من إعادة بناء مفهوم المواطنة، فبدلا من اعتبار المواطن عبارة عن “تابع“، يجب ترسيخ فكرة المواطن “صاحب حق“. وهذا يتطلب قوانين تضمن حق المواطن في الخدمة الجيدة ومحاسبة المُقصّر، وهو السبيل الوحيد لجعل الموظف قريباً من المواطن وخاضعاً لرقابته.
أثر الجماهيرية لم يكن مجرد “فوضى إدارية“، بل كان “نموذجاً للحكم عبر الإذلال“ ، حيث استُخدم سوء تعامل الموظف مع المواطن كأداة لإظهار أن لا قيمة للفرد خارج طاعة “القائد“. وتفكيك هذا الأثر يعني تفكيك ثقافة الخوف والمركزية من أجل بناء دولة القانون بدلاً من دولة “البيان والقرار الفردي“.
لا شك أن العقلية الإدارية القديمة في حاجة إلى تفكيك ، والحل يكمن في إعادة تعريف الوظيفة العامة (من سلطة إلى خدمة)، وإدخال مفهوم المواطن هو صاحب حق، والموظف هو مقدم خدمة ، تبنيّ برامج تدريب إلزامية على أخلاقيات الوظيفة العامة، والتواصل الإنساني واحترام الكرامة، وإدارة الغضب والتعامل مع الضغط الوظيفي.
لا يمكن تغيير سلوك الموظف إذا بقي يعمل في بيئة فوضوية أو فاسدة. فالمطلوب تبسيط االإجراءات (لأن التعقيد يولد الإهانة)، ورقمنة الخدمات لتقليل الاحتكاك المباشر، وتحديد واضح للمهام والمسؤوليات، وإنهاء ثقافة “تعال غدوة” و “المنظومة واقفة“.
في الجماهيرية لم يكن هناك رادع حقيقي لسوء معاملة المواطن. لذلك ينبغي وضع مدونات سلوك ملزمة لكل مؤسسة، وإنشاء قنوات شكاوى فعالة وسريعة، ومعاقبة الإهانة والتعطيل المتعمد واستغلال السلطة، وفي المقابل مكافأة الموظف الذي يحسن التعامل مع المواطن.
المواطن الذي تعرض للإهانة لعقود قد يقبلها كأمر طبيعي، والتفكيك يتطلب نشر الوعي بالحقوق (حملات إعلامية)، تبسيط آليات الشكوى، وحماية المشتكي من الانتقام الإداري. كما أن الدولة يجب أن تغيّر رسالتها بالكامل من “الدولة تسيطر” إلى “الدولة تخدم”، ويكون ذلك عبر الإعلام الرسمي، والمناهج التعليمية، وخطاب المسؤولين.
المشكلة ليست على مستوى الموظف، بل هي تبدأ وتمدد من المسؤولين والمدراء والوكلاء، وأي إصلاح سيفشل إذا بقيت القيادات بنفس العقلية القديمة، لذلك ينبغي تقييم القيادات بناءً على احترامهم للمواطن، وقدرتهم على بناء فرق عمل محترمة، واستبعاد القيادات التي تعيد إنتاج الإهانة. وحيث أن الإذلال كان وسيلة لإثبات السيطرة، فلابد من جعل “الاحترام” معيار القوة المؤسسية، والكفاءة والخدمة الجيدة معايير لهيبة الدولة.
إذا المعنى الحقيقي لتفكيك أثر الجماهيرية هو الانتقال من “دولة تُخيف المواطن” إلى “دولة تخدم المواطن” وهذا لا يحدث بقرار، بل عبر تدريب، وقوانين، ومحاسبة، ووعي مجتمعي، وقيادة جديدة . بمعنى أن المواطن الليبي لا ينبغي أن يكون خائف داخل دولته، التي من المفترض أنها وُجدت لخدمته.
في الوضع الراهن، لا يمكن تحميل المواطن كل المسؤولية، ولا ينبغي له يبقى سلبياً بالكامل. فالمواطن الذي تعرّض للإهانة لعقود لن يتحول فجأة إلى شخص جريء. والمطلوب هو تحول تدريجي ذكي في السلوك، لذلك الحل ليس في المواجهة بل في اتخاذ خطوات محسوبة، منها:
ــ كسر الخوف… بشكل تدريجي. فالخوف مفهوم، لكنه إذا استمر يتحول إلى قبول بالإهانة، ولا يمكن أن تقبل الإهانة بصمت كامل بل لابد من الإفصاح عن شعور المواطن الرافض للإهانة، ولكن بالكلمة الهادئة، مثل “هذا حقي حسب القانون” “لو تكرمت وضح لي الإجراء”. .
ــ فهم “اللعبة الإدارية .. عبارة “المنظومة واقفة” في كثير من الأحيان يكون جزء منها حقيقي (فوضى وضعف مؤسسات) وجزء منها تهرب، أو كسل، أو ابتزاز غير مباشر. فالمطلوب هو طرح أسئلة واضحة أمام الموظف، عن اسم المدير، وعن الزمن المتوقع لتقديم الخدمة، لأن الموظف قد يغير سلوكه عندما يشعر أن المواطن واع بحقوقه.
ــ توثيق المعاملة (بذكاء) وبدون تصعيد مباشر، فمثلا يمكن تسجيل التواريخ وأسماء الموظفين ونوع المعاملة بدقة، وإذا أمكن تقديم شكوى رسمية (حتى لو لم تُحل فوراً)، فالتوثيق هو بداية كسر “الإفلات من المحاسبة”.
ــ رفض التطبيع مع الإهانة، لأن أخطر شيء هو أن المواطن يقبل الإهانة كأنها أمر طبيعي، فالمطلوب تغيير هذا الشعور السلبي داخلياً أولاً، وحتى لو لم يستطع تغييره فوراً، فعدم قبوله نفسياً هو بداية التغيير.
ــ استخدام أدوات العصر، إذا توفرت وسائل التواصل، فمن الممكن نشر التجربة ووضع الشكاوى الإلكترونية بمصداقية وبلا مبالغة وبحذر فالضوء يقلل من سوء السلوك.
ــ الواقعية مهمة، فلا يمكن إنكار أن الدولة ما زالت هشّة، وبعض المسؤولين محميون، والمواجهة المباشرة قد تكون مكلفة. لذلك المطلوب ليس “التصادم”، بل تراكم سلوك جديد. والمواطن في هذه الحالة أمام معادلة صعبة، إذا خاف تماماً قد تستمر الإهانة وإذا صادم بعشوائية قد يتضرر .الحل الذكي يكمن في الوعي، والهدوء والتوثيق، والإصرار
_________