د. الصديق بشير نصر

فَمَن هو علي الصادق حُسنين؟

وُلِد هذا الأستاذ الألمعيُّ في طرابلسَ الغرب في العشرين من شهر مارس عام 1925م، وهو ينحدر من أسرةٍ عربيةٍ أقامت من قديمٍ في طرابلس. وكان أبوه الصادق حسنين يعمل في التجارة. ذهب إلى نيجيريا وظلّ بها سنواتٍ طويلة وأدار دكاناً لبيع شتى السلع بمدينة (كانو).

وعن أبيه الصادق حُسنين كتب الأستاذ عليّ يقول في بحثٍ له بعنوان (شارع كوشة الصفّار بين ذاكرتين) يتعلّق بتاريخ المدينة القديمة وساكنيها:

كانت حركة الجهاد ضد المغتصبين الإيطاليين لا تزال في أوْجِها ودَفَعَت كثيراً من المواطنين إلى الهجرة في محاولةٍ لمزاولةِ مهنةٍ أو حِرْفةٍ يسترزقون منها.

إن والدي رحمه الله لم يعد يملك رأسَ مالٍ يمكّنه من أن يستقلّ بعمله التجاري، وقد سبق له أن زاول المحاسبةَ والمراسلةَ التجارية محلياً مع رجل أعمال نمساوي يدعى رودولفو غازنسكي، حيث اكتسب من ذلك مزيداً من الخبرة التجارية والتمرس في اللغتين الإيطالية والفرنسية، فضلاً عن حُسْنِ خـــطّه وإنشائه باللغة العربية واللغتين الأجنبيتين المذكورتين.

وفي فـترة لاحقة، عرض علـــيه صديقُه المرحوم الطيب الحضـيري العملَ معه في نيجيريا محاسباً وكاتباً، فدفعته ظروفٌ خاصةٌ إلى قَبول العَرْضِ، ولم يلبث أن احتفل بخِتاني وأنا في اليوم الأربعين من عمري وأعدّ العُدّةَ لمغادرة طرابلس بحراَ عن طريق تونس ومرسيليا وداكار عاصمة السنغال وكوتونو عاصمة داهومي، ثم واصل الرحلةَ بالقطارعبر لاجوس إلى كانو حيث تسلّم وظيفته وباشر عملَه.

وبعد فترة من الزمن استطاع أن يستقلّ بنفسه ويفتتحَ دكانَ بقالة لحسابه. وكان من جملة السلع التي كان يبيعها العطور ومواد الزينة والخردوات وحتى الإسمنت. وفي موسم جني الكاكاوية (الفول السوداني) كان ينتقل إلى المناطق الريفية لابتياع ما تيسر من المحصول لحساب أحد وكلاء الشركة البريطانية الكبيرة المحتكرة لهذا المنتج.

ولما زارنا للمرة الثانية في سنة 1931 لاحظ ازديادَ عددِ الأسرِ الايطاليةِ المقيمةِ في أرجاء البلاد ولا سيما في منطـــقة شارع ميزران الأمر الذي جعله ينقلنا قبل مغادرته إلى (حومة المسلمين) – على حد قوله داخل أسوار المدينة القديمة حيث استأجر لنا البيتَ رقم 5 بزنقة المُكّني المتفرعة عن شارع كوشة الصُفّار.

بعد غياب دام نحو 18 سنة زارنا سنة 1950 إبان الإدارة البريطانية التي حلت محلَّ الحكمِ الاستعماري الإيطالي. وفي إحدى الأمسيات وبينما كنّا جالسين معاً في صَحْنِ البيت حول (عالة الشاهي) لاحظ أنني وأخي كامل لم نكن من المدخنين، فأعرب لنا عن ارتياحه لعدم تحكم عادةِ التدخين فينا. فكان جوابي عليه بالقول المأثور (الإبن نسخةٌ من أبيه) حيث إننا لم نعهده يدخّن.

ولكنه أفشى لنا سرّاً بأنه كان في وقت من الأوقات يدخّن (وبالفعل وجدت بعد وفاته صورةً له ممسكاً بسيجارة بين أصبعيه)، وبأنه عقد العزمَ ذات يوم على الانقطاع عن هذه العادة شارحاً لنا الأسبابَ.

حين كان يعمل بدكانه في شارع كوشة الصفار اعتاد أحدُ الجيران لم يذكر لنا اسمه المجئَ إليه في ضُحى كلِّ يوم تقريباً طالباً برم سيجارة“. إن تَكْرار هذا الأمر قد أزعج والدي وتعقّد منه وأصبح هاجساً عنده. فذات ليلةٍ وهو في طريق عودته من الدكان إلى البيت عاوده هذا الهاجس فصمّم على التخلّص منه في اليوم التالي بالانقطاع عن التدخين كلياً.

وفي الغد فتح دكانه صباحاً كالمعتاد ووضع كعادته كوتى“- أي علبة الدخان بما فيه من تبغ وورق البافرةووضع عليه علبة الكبريت الوقيدعاقداً العزم لدى حضور جاره كالعادة على أن يجيبه بالآتي أدخل الدكان وخذ الكوتى والبافرة والوقيد ولا تعد تطلبها منى بعد اليوم لأنني تبتُ عن التدخين!”.

أثناء غياب والده تولى خالُه (محمود مصطفى الفيلالي) رعايتَه ورعايةَ أشقائه ، وكان خالُه هذا مشرفاً بمكتب الفنون والصنائع، وتولى خالُه الأصغر (يوسف مصطفى الفيلالي) اكتتابه بمدرسة الأمير بيامونتي الابتدائية الإيطالية أي مدرسة أحمد قنابة حالياً، وهي الكائنة بشارع (المأمون) أو شارع مانزوني قديماً، وقد كان خاله هذا مدرساً بالمدرسة ذاتها.

وتعلّم اللغةَ الفرنسيةَ بعد المرحلة الابتدائية، وتعلّم اللغة الإنجليزية بالمدرسة الإيطالية ليتشيو ، وهي مدرسة على حيدر الساعاتي حالياً.

ولا شكّ أنّ الأمّ الليبية أمٌّ يُضربُ بها المثلُ في التضحيةِ والبًذْلِ، وإن كانت محرومةً من الذكرِ، وذلك شيءٌ مَعيب. ولوالدة الأستاذ عليّ دورٌ كبيرٌ في تنشئته وأخوته في غياب أبيه لسنواتٍ طويلة، ودليلُ حسنِ تنشئتها وتربيتها هذا النموذج المتفرّد المتمثل في ابنها عليّ وأخيه الأستاذ كامل.

كم من أمهاتٍ كريماتٍ عانين من شظف العيش، وكم احتملن من معاناةٍ في سبيل أن يَسلُكَ أبناؤهن طريقَ النجاح. هنّ بحقّ شقائقُ الرجال. وكانت جدتي رحمها الله تقول عند ذكر بعضهنّ: “امرأة بمائة رجل“.

تعلّم الأستاذ عليّ حُسنين في المعهد العالي (غولييمو مركوني) بطرابلس سنة 1948م للتأهيل التقني التجاري. وفي مدرسة أمير بيامونتي تعلّم إلى جانب الإيطالية اللغةَ العربيةَ على يد الشيخ أحمد البكباك، جدّ صديقنا الدكتور سامي البكباك، وكان من أساتذته في تلك المدرسة نخبة من المعلمين من الطبقة العالية، ومن هؤلاء: الأستاذ علي فكري التركي، والأستاذ علي حيدر دريبيكة، والأستاذ أحمد راسم قدري. وهذا الأخير أديبٌ وشاعرٌ مطبوع يجيد الإيطالية والتركية، والأستاذ حسين الغنيمي. ومن الإيطاليين الأساتذة: لويجي كركو، وباسانتا لويجي.

سألته مرّةً: “أرى لغتَك العربية منضبطة نحواً وصرفاً وكذلك إملاءً، فكيف حذقتَ العربية وأوّلُ تعليمك كان في المدارس الإيطالية؟“. أجابني: “رأيتُ من العيب أن تكونَ معرفتي بالإيطالية عميقةً ومعرفتي بالعربية سطحية، فجلستُ أهذّبُ لغتي العربية في دروس الشيخ عمر الجنزوري رحمه الله، وهكذا كان الأمر“…

انصرمت الأيامُ وتوطّدت صلتي بالأستاذ علي حسنين، وزادت معرفتي به، ورأيتُ من الفضائل عنده ما لم أره عند غيره لاسيما التواضع والحِلْم، وكأنّ قيسَ بن زهير يعنيه بقوله:

أظنّ الحِلْمَ دلَّ عليّ قومي * * * وقد يُسْتَجهل الرّجُلُ الحليمُ

أو كأنه المرادُ من قول الشاعر:

تواضَع كالنجمِ استبان لِنَاظرٍ * * * على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ
ومَن دونَه يسمو إلى النجم صاعداً * * * سُمُوَ دخانِ النّارِ وهو وضيعُ

طلبتُ منه يوماً أن يترجمَ لي مقدمة كتاب ديفيد سانتللانا (18451931) عن الفقه المالكي . وسانتللانا هذا مستشرقٌ إيطاليٌّ وُلِد في تونس ودرس في روما، وعُهِد إليه بوضع القانون المدني والتجاري في تونس إبّان الاحتلال الفرنسي، كما عُيّن لتدريس الفلسفة في جامعة مصر القديمة (الأهلية) قبل أن تُسمى باسم جامعة فؤاد، ومن بعدُ جامعة القاهرة.

وهو مّن قام بترجمة مختصر خليل في الفقه المالكي بالتعاون مع المستشرق الإيطالي البروفيسور اغناتسيو غويدي. كما يُسجّل لسانتيللانا أنه من أوائل المستشرقين الذين أنصفوا الفقه الإسلامي.

وافق الأستاذ عليّ حُسنين، عن طيبِ خاطر، أن يترجمَ لي مقدمةَ كتابِ سانتللانا المشار إليه آنفاً، وضربنا لذلك توقيتاً بضعَ ساعاتٍ في أيام الجمعة بُعَيد صلاةِ العصر. وطلبتُ منه أن أُحضِره إلى بيتي بسيارتي فأبى، وقال لي إنه يأتي بالحافلة الشعبية التي يُطلق عليها اسم (إيفيكو)، فقلتُ في خاطري: “هذا الرجلُ الكبير سِنّاً ومقاماً يزاحم الناسَ في سيارة إيفيكو عامة، وناهيك بها من سيارة!!، يالهذا الزمن العجيب!”.

في تلك الجمعات كان يمرّ أولاً بصديقه الدكتور عبد الرحمن إندير صاحب المستشفى المشهور ليعوده في مرضه وقد أُجريت له عمليةٌ على القلب، وكان الدكتور إندير يسكن قريباً مني في حي الأندلس. وقد زرته مرّةً واحدةً في بيته بمعيّة الأستاذ عليّ، وكان رجلاً فاضلاً رأيتُ منه ظُرفاً ولُطفاً مع أنه لم يَبَلّ يومئذٍ من مرضه بعدُ. رحمه الله رحمةً واسعة.

كنا نجلس من بعد العصر إلى ما بعد صلاة المغرب، والأستاذ يقرأ من النص الإيطالي ويترجم لي رأساً إلى العربية وأنا أدوّن. وكنّا نتوقف من حين إلى حين لرد الشواهد التي يستشهدُ بها سانتللانا إلى مظانها في كتب التراث العربي، أو حينما يستشكل علينا مرادُ المؤلف.

وأذكر مرةً أنه ترجم لي عبارةً من مقدمة كتاب سانتللانا، هي في الأصل اقتباس من مقدمة تاريخ ابن خلدون، فتوقفَ الأستاذ عندها، وقال لي: “أشكّ أن تكون عبارةُ ابن خلدون هكذا“. فطلبتُ من الأستاذ أن يقرأ عليّ العبارةَ في ترجمتها العربية فقلتُ للأستاذ:” صدقتَ. غريبُ أن يقولَ ابنُ خلدون مثل هذا الكلام“.

طلبتُ من الأستاذ أن يدقّق في النصّ من جديد لعلّنا نتوهّم. قال لي: “هكذا هو مكتوبٌ أمامي“. نهضتُ فاستخرجتُ مقدمةَ ابن خلدون من مكتبتي وراجعنا النصَّ، فلم نجده كما ذكره سنتللانا ـ بل حرّفه حتى أفسد معناه.

كان الأستاذُ يمسك بكتاب سانتللانا في لغته الإيطالية القديمة التي قلّ من يفهمها الآن، ويترجمُ لي مباشرة ولم يرجع مرّة واحدة إلى القاموس، وكانت كثيرٌ من الألفاظ تعود في جذورها إلى اللغة اللاتينية، حتى إنني سألته مرّةً إن كان يعرف اللاتينية فأجابني بأن دراسة اللاتينية كانت جزءاً من المنهج الدراسي في المدارس الإيطالية في ذلك الزمان، باعتبارها اللغةَ الأم للإيطالية.

ونحن، اليوم، لا نجلس لترجمة نصٍّ من النصوص في الإنجليزية إلا وقد تكدّست بجانبنا قواميسُ مختلفةٌ: لغويةً، وتاريخيةً، وثقافيةً، من أجل الوقوف على المعنى الدقيق للمفردات، والتراكيب، والمرادفات.

يتبع

_______________

المصدر: أرشيف منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية

Related Articles