بقلم الشّايب
المقدمة
إن الأمم والمجتمعات لا تتقدم بمجرد تجاوز أزماتها، وإنما بتوثيق تجاربها ومراجعتها واستخلاص الدروس منها. وما لم نمتلك الشجاعة لمراجعة تجربتنا منذ فبراير 2011، فمن الصعب أن نضمن ألا تعيد المرحلة القادمة إنتاج الأخطاء نفسها بأشكال جديدة.
حتى الآن، لم تُقدِم النخبة الوطنية على دراسة مرحلة فبراير وتوثيقها ومراجعتها بصورة منهجية، ولم تَستخلِص منها دروس موثقة ومكتوبة يمكن الاستفادة منها في المرحلة القادمة.
فبعد أكثر من عقد على فبراير 2011، أصبح من الضروري إجراء مراجعة شاملة وموضوعية لهذه التجربة، لا بهدف محاكمة الأشخاص أو إعادة إنتاج الخلافات، وإنما لفهم ما حدث، وتحديد مكامن النجاح والإخفاق، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد في تجنب تكرار الأخطاء.
الهدف النهائي هو الوصول إلى دروس عملية وضوابط حاكمة للمرحلة القادمة، تساعد على إدارة الاختلاف، وبناء المؤسسات، ومنع تكرار أسباب التعثر والانقسام، ووضع أسس أكثر نضجًا واستقرارًا للمسار الوطني.
هذا الموضوع يستحق أن يُعامل كمشروع وطني جاد. والأهم أن ننتقل من سرد ما حدث إلى فهم لماذا حدث، وما الذي يجب ألا يتكرر. ويمكن أن نبني العمل على أربعة مستويات:
ــ توثيق التجربة منذ فبراير 2011: المحطات المفصلية، القرارات، التحولات، وأدوار الفاعلين.
ــ مراجعة نقدية محايدة: ما الذي نجح؟ أين أخفقنا؟ وما العوامل التي قادت إلى الانقسام والتعثر؟
ــ استخلاص الدروس: تحويل التجربة إلى استنتاجات واضحة قابلة للتوثيق، لا مجرد آراء سياسية.
ــ صياغة ضوابط للمرحلة القادمة: مبادئ وقواعد عملية تحكم الانتقال السياسي والمؤسسي وتمنع إعادة إنتاج الأخطاء.
النتيجة التي نطمح إليها هي وثيقة تبين ما حدث، وما هي أخطاؤنا، والدروس التي استخلصناها، والقواعد التي ينبغي ألا نتجاوزها مرة أخرى.
في البداية ينبغي وضع منهجية كاملة لهذه المراجعة، ثم نعمل على مضمونها فصلًا فصلًا، مع الاستناد إلى الوثائق والشهادات والمصادر المتاحة، وليس إلى الانطباعات فقط.
السؤال المركزي لهذه المراجعة: ماذا حدث في ليبيا منذ فبراير 2011؟ ولماذا انتهت البلاد إلى ما انتهت إليه؟ وما الدروس والقواعد التي ينبغي أن تحكم المرحلة الوطنية القادمة؟
في كل مرحلة نسأل الأسئلة نفسها: ماذا حدث؟ ما القرارات المفصلية؟ من اتخذها؟ ما البدائل التي كانت متاحة؟ لماذا اختير هذا المسار؟ ما النتائج المباشرة وغير المباشرة؟ ما الذي كان يمكن فعله بصورة مختلفة؟ ما الدرس الذي ينبغي استخلاصه؟. والمراحل هي:
-
فبراير 2011 – سقوط النظام السابق.
-
2012–2011: المرحلة الانتقالية الأولى وبناء المؤسسات.
-
2014–2012: مرحلة الانتخابات، المؤتمر الوطني، وتصاعد الاستقطاب.
-
2015–2014: مرحلة الانقسام والحرب وبداية الانقسام المؤسسي.
-
2019–2015:مرحلة اتفاق الصخيرات ومحاولات بناء السلطة التنفيذية.
-
2020–2019:مرحلة الحرب على طرابلس والمسار العسكري.
-
2021–2020:مرحلة ملتقى الحوار السياسي وحكومة الوحدة.
-
2024–2021:مرحلة تعثر الانتخابات واستمرار الانقسام.
-
2026–20246:مرحلة الوضع الراهن ومحاولات إعادة تشكيل المسار السياسي.
وينبغي أن لا نكتفي بإلقاء المسؤولية على شخص أو تيار أو مدينة أو مؤسسة، بل نبحث عن آليات الفشل نفسها. ولن تكون المراجعة سياسية فقط، بل تشمل:
ــ المؤسسات والدولة: لماذا فشلنا في بناء مؤسسات موحدة وذات شرعية مستقرة؟
ــ الانتخابات والشرعية: لماذا لم تتحول الانتخابات إلى آلية مستقرة لتداول السلطة؟
ــ السلاح والأمن: كيف انتقل السلاح من أداة مرتبطة بالثورة إلى عامل مؤثر في السياسة؟
ــ الاقتصاد والمال العام: كيف أثرت إدارة الموارد والثروة العامة في الصراع السياسي؟
ــ التدخل الخارجي: متى أصبح العامل الخارجي مؤثرًا؟ وكيف تفاعل مع الانقسامات الداخلية؟
ــ النخب السياسية: ما الأخطاء التي ارتكبتها النخب، وما الحوافز التي دفعتها إليها؟
ــ المجتمع المدني والإعلام: هل ساعدا في بناء التوافق أم ساهما أحيانًا في تعميق الاستقطاب؟
ــ الثقافة السياسية: ماذا تعلمنا عن علاقتنا بالسلطة، والاختلاف، والخصومة السياسية، والقبول بالآخر؟
***
المرحلة الأولى: فبراير 2011 – سقوط النظام السابق
من المهم في هذه المراجعة، العودة إلى 2011 قبل الدخول في المراحل التالية كضرورة منهجية؛ لأن كثيراً من الأخطاء التي ظهرت، تأسست في طريقة إدارة المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي للمرحلة الأولى. وبذلك للكي تكون المراجعة أكثر إنصافاً، لا نبحث فقط في أخطاء المراحل المتعاقبة، بل في كيف تشكلت قواعد اللعبة التي ورثتها تلك المراحل أصلاً. ولذلك لابد من نبدأ بملف توثيقي عن المجلس الانتقالي والمكتب التنفيذي 2011.
القرارات المؤسسة لمسار الدولة الليبية بعد الثورة
هذا الملف أعمق من مجرد سرد للأحداث، لأننا نريد أن نعرف: كيف تحولت انتفاضة شعبية إلى سلطة انتقالية؟ ومن اتخذ القرارات؟ وعلى أي أساس؟ وما الذي تركته تلك القرارات من آثار على ليبيا بعد 2011؟ ولنبدأ بالمحطات التالية:
أولاً: نقطة البداية — المشكلة لم تكن في إسقاط النظام
ينبغي أن نسجل منذ البداية أن المجلس الوطني الانتقالي واجه ظرفاً استثنائياً. في فبراير 2011 لم تكن هناك: دولة انتقالية جاهزة؛ وجيش وطني موحد؛ وشرطة تعمل على المستوى الوطني؛ وأحزاب سياسية ناضجة؛ ودستور مؤقت متوافق عليه؛ أو جهاز إداري انتقالي معد سلفاً.
وفي الوقت نفسه، تحولت الانتفاضة سريعاً من احتجاجات ضد النظام إلى نزاع مسلح واسع، ثم تدخل دولي بموجب قراري مجلس الأمن 1970 و1973. لذلك لا يجوز تقييم المجلس وكأنه كان يعمل في ظروف دولة مستقرة.
لكن هذا لا يعفيه من السؤال الأهم: هل تمكنت القيادة الانتقالية من تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع تأسيس دولة؟ وهنا تبدأ مراجعتنا.
ثانياً: تشكيلة المجلس الوطني الانتقالي
هذه ستكون أول محطة نبحثها بالتفصيل. المجلس أعلن في مارس 2011، وضم في بدايته ممثلين عن عدد من المدن والمناطق، ثم توسع لاحقاً. وكانت المشكلة الأساسية أن المجلس لم يكن برلماناً منتخباً، بل جسماً انتقالياً نشأ في ظروف الثورة والحرب. وهنا ظهرت منذ البداية مشكلة الشرعية مقابل التمثيل الجغرافي والاجتماعي ومقابل الكفاءة السياسية والمؤسسية. وهذه الثلاثة لم تكن متطابقة.
وهنا يمكن أن نطرح سؤالاً مهماً: هل كانت تشكيلة المجلس مصممة لإدارة الثورة، أم لبناء الدولة التي ستأتي بعد الثورة؟ والفرق بين الاثنين جوهري.
ثالثاً: هوية المجلس، حيث لم يكن مجرد جسم سياسي
الخطأ المفاهيمي الذي يجب أن نفحصه هو أن المجلس وجد نفسه يؤدي وظائف متناقضة: فكان مجلس لقيادة الثورة و السلطة السياسية و السلطة التشريعية و الممثل الخارجي للدولة الليبية و المشرف على الحرب في نفس الوقت. وهذا خلق مشكلة مؤسسية ضخمة. فلا توجد حدود واضحة بين القرار الثوري؛ والقرار السياسي؛ والقرار التنفيذي؛ والقرار العسكري. ومن هنا يمكن أن تكون إحدى فرضياتنا:
غياب الفصل المبكر بين قيادة الثورة وإدارة الدولة أدى إلى استمرار منطق الثورة داخل مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام. وهذه الفكرة ستفسر لنا لاحقاً الكثير من الظواهر في مسار المؤتمر ومجلس النواب.
رابعاً: إنشاء المكتب التنفيذي
المجلس الوطني الانتقالي أنشأ المكتب التنفيذي ليكون بمثابة الجهاز التنفيذي للمرحلة. لكن العلاقة بين المجلس و المكتب التنفيذي لم تكن دائماً واضحة. ومن هنا نشأت مشكلة متكررة في ليبيا: من يتخذ القرار؟ هل القرار سياسي؟ أم تنفيذي؟ أم ثوري؟ أم عسكري؟ ومن المسؤول عنه؟
خامساً: سقوط بنغازي وتحرير برقة
عندما انهارت سيطرة النظام على معظم شرق ليبيا في الأيام الأولى، وجد المجلس نفسه أمام فرصة تاريخية لبناء نموذج حكم محلي مختلف عن نموذج القذافي. وكان يمكن استثمار بنغازي والشرق كـ«مختبر» لبناء إدارة مدنية؛ وشرطة محلية؛ وقضاء مستقل؛ ومجالس بلدية؛ وإدارة مالية؛ وجهاز رقابي؛ وإدارة للموارد؛ وعلاقة واضحة بين السلطة المركزية والمحليات. لكن الحرب جعلت الأولوية كيف ننتصر؟ ولم تصبح الأولوية كيف نبني الدولة بعد الانتصار؟
سادساً: بداية المشكلة الأمنية
الثورة لم تنتصر بواسطة جيش وطني. بل بواسطة: كتائب وثوار محليين. وهذا كان مفهوماً أثناء الحرب. لكن السؤال الذي لم يُحسم مبكراً هو: ماذا يحدث لهذه التشكيلات بعد انتهاء الحرب؟ هل تدخل الجيش؟ أو تدخل الشرطة؟ أو تتحول إلى حرس وطني؟ أو تُسرّح وتُدمج؟ أو تحصل على تعويضات مقابل التسليم؟ أو تبقى قوة سياسية وأمنية محلية؟ عدم حسم هذا السؤال في 2011 ستكون له آثار ضخمة لاحقاً.
سابعاً: حادثة اغتيال عبد الفتاح يونس
وهنا ندخل إلى واحدة من أكثر الحلقات حساسية وهي عملية اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس في يوليو 2011 ولم يكن ذلك ليس مجرد حادث أمني بل كان اختبار مبكر يطرح السؤال: هل توجد سلطة انتقالية قادرة على فرض القانون على القوى المسلحة التي صنعت الثورة؟
كان اللواء عبد الفتاح يونس قد انشق عن النظام وانضم إلى الثورة، وأصبح قائداً عسكرياً لقوات المجلس. ثم استُدعي للتحقيق في ملابسات تتعلق بأدائه العسكري، وبعد ذلك قُتل. والسؤال الذي يجب ألا نحوله إلى اتهام غير موثق هو: من المسؤول؟ بل نبدأ بالسؤال المؤسسي: لماذا لم تستطع السلطة الانتقالية حماية قائدها العسكري، ولماذا لم تتمكن من تقديم تفسير قضائي نهائي مقنع للرأي العام؟ وهذا وحده يكشف ضعف الدولة في تلك المرحلة.
ثامناً: دخول العقيد (آنذاك) خليفة حفتر للمشهد
وهنا يجب أن نكون دقيقين جداً. فوجود حفتر في المشهد لم يبدأ بعد سقوط النظام. بل ظهر خلال الحرب باعتباره شخصية عسكرية عادت إلى ليبيا، وأصبح اسمه مرتبطاً بالقيادة العسكرية للثوار، في حين بقيت العلاقة بينه وبين قيادة المجلس معقدة. هذه المرحلة تحتاج إلى وثائق لا إلى روايات لاحقة.
والسؤال الذي ينبغي طرحه: لماذا لم تُحسم منذ 2011 العلاقة بين القيادة العسكرية الثورية وبين بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة؟ لأن ترك المسألة مفتوحة سمح لاحقاً بظهور مراكز عسكرية متنافسة.
تاسعاً: سقوط العاصمة
مع دخول قوات الثورة إلى طرابلس في أغسطس 2011، انتقلت المشكلة من: كيف نهزم النظام؟ إلى: كيف ندير العاصمة والدولة؟ وهنا ربما كان أكبر اختبار للمجلس الانتقالي. فالنصر العسكري خلق فراغاً هائلاً. وكانت الدولة القديمة قد انهارت جزئياً، لكن الدولة الجديدة لم تكن قد تأسست. وهذا هو تعريف: فراغ السلطة الانتقالية.
عاشراً: مقتل القذافي في سرت
مقتل القذافي في أكتوبر 2011 يمثل محطة أخرى يجب دراستها بعناية. فالمشكلة ليست في سقوط النظام. بل في: كيفية تعامل السلطة الجديدة مع نهاية رأس النظام. ثم السؤال الأوسع: هل كان موت القذافي فرصة لإغلاق الحرب والبدء فوراً في مسار مصالحة وعدالة انتقالية؟ أم أن انتصار الثورة أدى إلى: منطق المنتصر والمهزوم؟
وهذا يرتبط مباشرة بما سيأتي لاحقاً في: العزل السياسي؛ والانتقام المحلي؛ وملف النازحين؛ ومشكلة تاورغاء؛ وملف السجناء؛ وإدارة إرث النظام. أي أن جذور قانون العزل السياسي الذي أصدره المؤتمر الوطني العام يمكن أن نبدأ البحث عنها قبل صدور القانون بوقت طويل.
…
يتبع
__________