أحمد الخميسي

واجه المالية العامة في ليبيا ضغوطا متزايدة مع اتساع مطالب زيادة الأجور في قطاعات النفط والتعليم والصحة، في وقت بلغ فيه الإنفاق من الخزانة على الرواتب نحو 46.9 مليار دينار (7.34 مليارات دولار وفق سعر الصرف الرسمي) خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، فيما يقدر عدد العاملين في القطاع العام بنحو 2.3 مليون موظف.

وتطالب قطاعات واسعة بتحسين دخول العاملين لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، لكن الاستجابة لهذه المطالب تضع الحكومة أمام كلفة مالية متضخمة، في ظل اعتماد الموازنة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية وتحذيرات مصرف ليبيا المركزي من احتمال حصول عجز في مخصصات الرواتب في نهاية العام الحالي، في وقت لا يقتصر فيه النقاش على حجم الزيادة المطلوبة، بل يمتد إلى تعدد جداول المرتبات والبدلات والفروقات واتساع قاعدة العاملين في القطاع العام.

ويرى اقتصاديون أن زيادة الأجور قد تدعم القوة الشرائية للموظفين، لكنها لن تكون حلا مستداما إذا لم تترافق مع إصلاح منظومة المرتبات ومعالجة التضخم وضغوط سوق الصرف. ويقول الموظف في قطاع التعليم جمعة الاسطى لـ”العربي الجديد” إن المشكلة لا تتعلق فقط بالمطالبة بزيادة المرتبات، وإنما أيضا باتساع الفجوة بين مستويات الدخول، مشيرا إلى أن موظفا قد يحصل على نحو ألف دينار شهريا، بينما يحصل آخر على 20 ألف دينار أو أكثر، بحسب الوظيفة والبدلات والجهة التي يعمل بها.

ويرى أن إصلاح منظومة الأجور يجب أن يبدأ بتقليص هذه الفوارق وتحقيق قدر أكبر من العدالة، بدلا من اللجوء إلى زيادات عامة قد تزيد كلفة الموازنة دون معالجة أصل المشكلة. وانتقلت مطالب زيادة الأجور إلى قطاع التعليم، حيث أعلنت نقابات للمعلمين تحركات واعتصامات في عدد من المناطق، مطالبة بزيادة المرتبات بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وصرف الفروقات والمستحقات المالية، وتسوية الدرجات الوظيفية وتوفير التأمين الصحي.

ويقول نقيب المعلمين في منطقة عين زارة مصطفى البهيليل لـ”العربي الجديد” إن مطالب المعلمين “ليست محل مساومة”، داعيا إلى تحسين المرتبات وصرف المستحقات وتوفير التأمين الصحي. وتشمل المطالب أيضا تسوية الدرجات الوظيفية ومكافآت نهاية الخدمة وربط معاشات المعلمين بصندوق الضمان الاجتماعي.

وفي القطاع الصحي، يطالب اتحاد حراك القطاع الصحي وعدد من النقابات بزيادة المرتبات وإقرار علاوة خطر وتوفير التأمين الصحي، إلى جانب تسوية الأوضاع الوظيفية وصرف المستحقات وتحسين بيئة العمل. وتشمل المطالب معالجة أوضاع الملاك الوظيفي والترقيات والتسويات والمسارات المهنية، فضلا عن توفير الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية. ويقول موظف حكومي من طرابلس فضل عدم ذكر اسمه، إن زيادة المرتب أصبحت مطلبا ضروريا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، لكنه يخشى في الوقت نفسه أن تتحول أي زيادة إلى ارتفاع جديد في الأسعار.

وأضاف: “المشكلة ليست فقط في قيمة المرتب، وإنما في ما يستطيع هذا المرتب شراءه. كلما ارتفعت الأسعار تراجعت قيمة الدخل، ونجد أنفسنا نطالب بزيادة جديدة“.

وفي المقابل، يرى مواطن يعمل في القطاع الخاص أن معالجة الأجور يجب ألا تقتصر على موظفي الدولة، معتبرا أن شريحة واسعة من الليبيين لا تستفيد مباشرة من زيادة المرتبات الحكومية، ويقول إن “رفع المرتبات قد يساعد الموظفين لفترة، لكن إذا لم تترافق الزيادة مع ضبط الأسعار وسوق الصرف وتحسين الخدمات، فإن جزءا كبيرا منها سيعود إلى السوق في صورة ارتفاع للأسعار“.

وتظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي أن الإنفاق المسجل في الباب الأول، المخصص للمرتبات، بلغ نحو 46.9 مليار دينار خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى أغسطس/ آب 2026، من دون احتساب مرتبات أغسطس. وتقدر بيانات وزارة المالية بحكومة الوحدة الوطنية عدد العاملين في القطاع العام بنحو 2.3 مليون موظف، بينهم نحو 600 ألف في قطاع التعليم و350 ألفاً في القطاع الصحي.

ويرى المحلل المالي محمود سالم أن زيادة الأجور قد تكون ضرورية لبعض الفئات، خصوصا أصحاب الدخول المنخفضة والوظائف التي تنطوي على مخاطر، لكن تعميمها من دون إصلاح هيكل الأجور قد يرفع كلفة الإنفاق العام من دون معالجة أسباب تراجع الدخل الحقيقي.

ويقول لـ”العربي الجديد” إن “رفع الراتب الاسمي لا يعني بالضرورة رفع الدخل الحقيقي”، موضحا أن أثر الزيادة قد يتراجع إذا أدت زيادة الطلب إلى مزيد من الضغوط على الأسعار أو سوق الصرف. ويضيف أن اعتماد ليبيا على الواردات يجعل أي توسع كبير في الطلب المحلي أكثر ارتباطا بالعملات الأجنبية، في وقت لا يزال فيه الإنتاج المحلي محدودا مقارنة بحجم الاستهلاك. ويحذر المحلل الاقتصادي محمد الشيباني من أن تكرار زيادة المرتبات من دون معالجة التضخم قد يقود إلى حلقة تبدأ بزيادة الأجور، ثم ارتفاع الطلب والأسعار، قبل أن تتآكل الزيادة ويعود الضغط من أجل زيادة جديدة.

ويوضح لـ”العربي الجديد” أن معالجة الملف تتطلب إصلاح جداول المرتبات وتوحيد المعايير بين القطاعات، ومراجعة البدلات والعلاوات، والتحقق من أعداد العاملين فعليا، إلى جانب سياسات تخفف تكاليف المعيشة وتدعم الإنتاج المحلي. وتعتمد المالية العامة الليبية بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، بينما تمثل المرتبات التزاما شهريا ثابتا يصعب خفضه بسرعة عند تراجع الإيرادات. ويزيد ذلك حساسية أي زيادات دائمة في الأجور، خصوصا في ظل تقلب أسعار النفط والإنتاج والتوقفات التي قد تؤثر في الإيرادات.

كما أن ارتفاع الإنفاق الجاري على حساب الإنفاق التنموي يحد من قدرة الدولة على توجيه موارد أكبر إلى البنية التحتية والخدمات والاستثمار. وتكشف بيانات الإنفاق العام عن تصاعد مستمر في فاتورة الرواتب خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت مخصصات بند المرتبات من نحو 33.1 مليار دينار في عام 2021 إلى 47.1 مليار دينار في 2022، بزيادة بلغت نحو 14 مليار دينار، قبل أن تقفز إلى نحو 60 مليار دينار في 2023.

واستمر المسار التصاعدي خلال العامين التاليين، إذ بلغت فاتورة الرواتب نحو 67.6 مليار دينار في 2024، ثم ارتفعت إلى نحو 73.3 مليار دينار في 2025. وبذلك تكون فاتورة المرتبات قد زادت بنحو 40.2 مليار دينار خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025، أي بأكثر من الضعف مقارنة بمستواها في 2021، وهو ما يعكس اتساع الضغط الذي يفرضه بند الأجور على المالية العامة.

_________