جمعة بوكليب
السؤالُ في العنوان أعلاه ظهر في مطلع أغنية ليبية معروفة، غنّاها المطرب المرحوم محمد السيليني في عهد العسكر السابق.
السؤال المطروح فيها آنذاك ما يزال ساري المفعول في واقعنا الحياتي الحالي.
جوابه ربما كان، في ذات الوقت، معلومًا للبعض ومجهولًا للبعض الآخر، ويتوقف على الضفة التي يقف عليها المرء ويرصد منها ما يحدث في البلاد من نهب وسلب وخطف وقتل وحرق.
المركب المذكورة في مطلع الأغنية مجاز متعدد المستويات للتعبير عن هواجس الخوف من مصير، أو مصائر عدّة، عامة أو خاصة، أو الاثنين معًا.
المراكبُ أنواع وأحجام عديدة؛ حديثة وقديمة، سريعة وبطيئة، محظوظة وغير محظوظة. يُستثنى منها المركب المذكورة في مطلع أغنية الفنان المرحوم محمد السيليني، كونها مجهولة المواصفات، وخط سيرها غير معروف، وكأن الغموض قدرها منذ البداية.
كان الليبيون تحت حكم العسكر يكتفون بدندنة مطلع الأغنية تلميحًا إلى سوء الأحوال، وتذكيرًا بعجزهم عن تغييرها، وكذلك للتعبير عن هاجس الخوف من الهاوية التي كانوا يرون بلادهم، ومعها حيواتهم، تسير نحوها بسرعة جنونية.
للمركب المذكورة في الأغنية قصة حزينة؛ إذ تروي الحكايات أن ظروفًا طبيعية وبشرية سيئة تكالبت عليها منذ البداية: البحر القوي الذي لا يُؤتمن مطلقًا تضافر مع أجهزة الأمن، السرّية والعلنية، على وضع العراقيل أمامها. فبمجرد انطلاقها ذات يوم عادي على أمواج الأثير، انتشرت الأغنية بين الناس، فاعتُقلت سريعًا ووُضعت في الحبس.
الحبوسُ أنواع عديدة.
عرفنا حبوسًا عتيقة بناها الفاشيون الإيطاليون في فترة الاستعمار، وبقيت بعد ذهابهم تركةً ورثها عنهم العسكر الليبيون، وأدخلوا عليها تغييرات تتسق ومتطلبات المرحلة الوطنية، أبرزها أنهم ضيّقوا النوافذ التي تُدخل الهواء إلى الزنازين، وقسّموا الحبس الإيطالي الكبير إلى قسمين:
قسم عسكري وآخر مدني. ففي القسم العسكري حبسوا عسكريين ومدنيين بتهم الحزبية والخيانة، وابتدعوا قسمًا عُرف بين المساجين باسم «قسم المحكومين بالبراءة»، مخصصًا لحبس من تحكم المحاكم ببراءتهم، أو من تنتهي مدة أحكامهم!
قبل أن يذهبوا بلا رجعة، بنوا حبسًا آخر أكبر من الحبس الإيطالي، وزادوا عليه أحباسًا أخرى سرّية، وكلها بقيت بعدهم تركةً ورثها الذين خلفوهم، وبدورهم زادوا عليها، حتى صارت البلاد طافحة بكافة أنواع الحبوس، كما يطفح الجلد المريض بالدمامل.
تلك الحبوس شهدت مذابح تجعل الدم يتجمد في العروق، ودخلت التاريخ من أوسخ أبوابه قذارة.
حين ظهرت الحبوس في العالم وانتشرت، لم يكن الهدف منها حبس المراكب المبحرة على أمواج الأثير. والمركب المذكورة في أغنية المرحوم محمد السيليني، حسب علمي، ربما كانت أول مركب تدخل الحبس بتهمة إثارة الرأي العام، كما تعرّض مغنّيها هو الآخر إلى المصير نفسه، لكن بتهمة أكبر.
تحديد زمن الواقعتين ليس ممكنًا؛ إذ يُقال إن سجلات الحبوس في ليبيا بعد سقوط النظام بيعت مع ما بيع من ملفات الأجهزة المخابراتية إلى دولة أو دول أجنبية. ولا دليل بين يديّ يبرهن على ذلك، وواقعيًا: «ما فيش دخان من غير نار».
النيران أنواع؛ والليبيون خلال أكثر من نصف قرن جرّبوا واحترقوا بكل أنواعها. تلك النيران ما تزال مشتعلة، تلتهم في طريقها ما تجده من بشر وحيوان، وأخضر ويابس، ومؤخرًا، لم تسلم منها حتى خزانات النفط ومحطات الكهرباء.
اليوم، والمرافئ بأنواعها على طول الشاطئ الليبي تكتظ برايات سُود وعمائم سُود لا تشبه ألوان مياه بحرنا المعروفة بزرقتها، ما يزال بعض الحالمين منّا يصرون على مغادرة بيوتهم والذهاب إلى تلك الشواطئ.
إن مررت بهم مصادفة، فمن السهل عليك رؤيتهم واقفين متناثرين في أماكن عدة، فرادى وجماعات، أكفهم فوق عيونهم اتقاءً للشمس، يرقبون الأفق علّهم يلمحون طيف أمل قادمًا نحوهم، أو لعل ريحًا عابرة تأتيهم محمّلة بجواب عن سؤال قديم ظهر في مطلع أغنية، عن مركب فقدت خط سيرها بين أمواج بحر، ويلخّص بوضوح محزن، آنذاك والآن، طبيعة ونوع الهاوية التي دُفعت نحوها ليبيا.
_______________
