بقلم الشّايب
إذا أردنا أن نبني في ليبيا رأياً عاماً مدنياً واعياً، علينا أن نبدأ ببناء قوة مدنية، فكيف تُبنى القوة المدنية في بيئة يغلب عليها منطق القوة المسلحة؟ وما هي القواعد التي يجب أن يقوم عليها هذا الرأي؟
القوة المدنية لا تنشأ لأنها تمتلك السلاح، وإنما لأنها تمتلك الشرعية الاجتماعية، والرؤية الفكرية، والقدرة على التنظيم، وإرادة الاستمرار.
السلاح لوحده قد يفرض واقعاً مؤقتاً، لكنه لا يبني مجتمعاً مستقراً
لذلك يمكن أن نبني تصوراً يقوم على ثلاثة أعمدة متكاملة:
أولاً: القواعد الفكرية للرأي العام المدني
الرأي العام لا يتكون من الشعارات، وإنما من منظومة أفكار تتكرر حتى تصبح بديهيات. ومن أهم هذه القواعد في الحالة الليبية:
-
الدولة أعلى من الأشخاص
-
والقانون أعلى من السلاح
-
والمواطنة أعلى من القبيلة والمدينة والجهة
-
والحكومة تخدم المجتمع ولا تقوده
-
والجيش مؤسسة وطنية وليس طرفاً سياسياً
-
والأمن خدمة عامة وليس وسيلة للهيمنة
-
والثروة النفطية ملك لجميع الليبيين
-
والاختلاف السياسي لا يبرر العنف
-
وتداول السلطة ليس خطراً بل ضمان للاستقرار
-
والدولة القوية لا تعني السلطة المطلقة بل تعني المؤسسات القوية
هذه المبادئ ينبغي أن تتحول مع الوقت إلى ما يشبه “الثقافة العامة” التي لا تحتاج إلى نقاش في كل مرة.
ثانياً: القواعد التنظيمية
هناك خطأ وقعت فيه العديد من النخب الليبية عندما اعتقدت أن التنظيم يعني إنشاء حزب أو جمعية، وبينما التنظيم الحقيقي يبدأ من بناء شبكة اجتماعية واسعة، يمكن تصورها على شكل دوائر:
-
دائرة الباحثين والخبراء
-
ودائرة الإعلاميين
-
ودائرة المعلمين والأساتذة
-
ودائرة رجال الأعمال
-
ودائرة الشباب
-
ودائرة النساء
-
ودائرة النقابات
-
ودائرة الشخصيات الاجتماعية
-
ودائرة الليبيين في الخارج
كل دائرة تنتج خطابها المناسب ولكنها تتحرك وفق رؤية واحدة. أي أننا لا نبني هرماً تنظيمياً مغلقاً، بل نبني شبكة وطنية مرنة.
ثالثاً: القواعد التواصلية
بعد 2011 أصبح الرأي العام الليبي يُصنع إلى حد كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تعد المنابر التقليدية قادرة وحدها على تشكيله. لكن المشكلة أن معظم المحتوى المدني كان رد فعل، بينما المحتوى الشعبوي أو التحريضي كان يصنع المبادرة، ولكنه في الغالب يكون سلبيا وإقصائيا لأن مصدره مشبوه.
ولذلك ينبغي الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، ومن الدفاع عن رأي إلى صناعة السردية، ومن التعليق على الأحداث إلى تفسيرها، ومن الخطاب النخبوي إلى اللغة اليومية.
علينا أن نسأل: ما الفكرة التي نريد أن تترسخ في ذهن المواطن بعد أسبوع؟ وليس كيف نرد على خصومنا اليوم؟
لكن يبقى السؤال الأصعب: كيف نبني قوة مدنية في بيئة يغلب عليها السلاح؟ هنا وقع معظم الفاعلين المدنيين في سوء تقدير، خاصة الذين حاولوا منافسة القوة المسلحة في ميدانها، وهذا مستحيل.
القوة المدنية يجب أن تبني عناصر قوة مختلفة تماماً، وهناك في الواقع 6 أنواع من القوة:
ــ القوة الأخلاقية: أن يثق الناس بأن هذا التيار المدني لا يسعى إلى الغنيمة
ــ القوة المعرفية: أن يكون لدينا أفضل الدراسات، وأفضل التحليلات، وأفضل الحلول، فنصبح مرجعاً عندما يبحث الناس عن تفسير أو عن بديل.
ــ القوة التنظيمية: أن نتمكن من جمع مئات الأشخاص خلال فترة قصيرة، وأن ننجز عملاً جماعياً بكفاءة.
ــ القوة الإعلامية: أن نمتلك القدرة على تفسير الأحداث قبل أن يفسرها الآخرون. فالذي يفسر الواقع غالباً هو الذي يقود الرأي العام.
ــ القوة المجتمعية: أن تكون لنا جذور داخل البلديات، والجامعات، والنقابات، والأحياء، والمؤسسات المهنية، ولا نبقى حصريا في دائرة النخب.
ــ القوة التفاوضية: أن نصبح رقماً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية، لا لأننا نملك السلاح، بل لأننا نمثل شريحة معتبرة من المجتمع ونملك رؤية واضحة ولنا شبكات فاعلة.
ما الذي يعنيه هذا عملياً في ليبيا؟
إذا نظرنا إلى تجارب السنوات الماضية، نجد أن معظم القوى المسلحة نجحت في فرض وقائع أمنية، لكنها أخفقت في إنتاج قبول وطني واسع. وفي المقابل، لم تستطع القوى المدنية، رغم امتلاكها كثيراً من الكفاءات، أن تتحول إلى قوة اجتماعية منظمة ذات حضور دائم.
ومن هنا قد يكون الهدف الواقعي في المرحلة القادمة ليس منافسة التشكيلات المسلحة في ميزان القوة المباشر، وإنما تغيير ميزان الشرعية.
فعندما يقتنع قطاع متزايد من المواطنين بأن الاستقرار والازدهار مرتبطان بالمؤسسات والقانون، تصبح قدرة أي طرف على فرض إرادته بالقوة وحدها أكثر محدودية، لأن البيئة الاجتماعية نفسها تبدأ في مقاومة منطق السلاح.
الرأي العام ليس نتيجة للقوة، بل هو نفسه أحد مصادر القوة
فعندما يتحول الرأي العام إلى قوة منظمة، يصبح قادراً على التأثير في السياسيين، والتنفيذيين، ووسائل الإعلام، بل وحتى في حسابات الفاعلين في الداخل والخارج، لأن الجميع يبدأ في أخذ المزاج المجتمعي في الاعتبار.
ولذلك علينا أن ننتقل من أفراد أو مجموعات تؤمن بالدولة المدنية إلى “حركة رأي عام” تمتلك التأثير والاستمرارية، دون أن تتحول إلى حزب سياسي أو تدخل في صدام مع القوى المسلحة. هذا الأمر قد يكون نقطة التحول من مرحلة التفكير النظري إلى مرحلة التصميم الاستراتيجي .
وهذا تطور طبيعي؛ لأن كل مشروع إصلاحي ينبغي أن يمر بثلاث مراحل:
الأولى: مرحلة فهم المشكلة
والثانية: مرحلة تصور البديل
والثالثة: مرحلة بناء القوة القادرة على تحقيق البديل
والمرحلة الأخيرة هي الأصعب، لأنها لم تعد تناقش الأفكار فقط، بل تناقش من سينفذها وكيف.
أي أننا أمام تحديات كبيرة وعناوينها هي:
-
تفكيك البنية الفكرية والاجتماعية التي تعيق بناء الدولة.
-
تحديد ملامح “الدولة الممكنة” بدل الاكتفاء بالنموذج المثالي.
-
بناء رأي عام مدني واعٍ.
-
بناء القوة المدنية بعيدًا عن منطق السلاح.
-
الاعتماد على التراكم وسلسلة الإنجازات الصغيرة بدل انتظار التحولات الكبرى.
-
الانتقال من ردود الأفعال إلى المبادرة وصناعة السردية.
ولتحقيق تلك الأهداف ينبغي أن يكون تسلسل العمل على النحو الآتي:
أولا: الفلسفة المؤسِّسَة للمشروع
لماذا نحتاج إلى دولة مدنية؟ وما معنى “الدولة الممكنة“؟ وما الفرق بينها وبين الدولة المثالية؟
ثانيا: نظرية القوة المدنية
ما مصادر القوة؟ وكيف تُبنى؟ وكيف تقاس؟ وما الفرق بين النفوذ والسلطة والقوة والشرعية؟
ثالثا: نظرية الرأي العام
كيف تتشكل القناعات؟ وكيف تنتقل الأفكار من النخبة إلى المجتمع؟ وكيف تُبنى السرديات القادرة على الصمود أمام الدعاية والاستقطاب؟
رابعا: نظرية التنظيم المدني
كيف تتحول مجموعة من الأفراد إلى شبكة وطنية مؤثرة؟ وما هي مراحل النمو؟ وكيف تُدار الكفاءات والاختلافات؟
خامسا: نظرية الإنجاز التراكمي
وهذه الفكرة يمكن أن تصبح إحدى السمات المميزة للمشروع. فبدل انتظار “الحدث الكبير“، نبني سلسلة من الإنجازات الصغيرة التي تضيف في كل مرة أصلًا جديدًا للمشروع.
سادسا: الانتقال إلى التطبيق في المشهد الليبي
عندها فقط نسأل: كيف تُترجم هذه المبادئ إلى برامج، وحملات، ومبادرات، وتحالفات، ومؤسسات تناسب المشهد الليبي؟
إذا التزمنا بهذا التدرج، فأعتقد أننا لن ننتج مجرد أوراق أو بيانات، بل نبني منهجًا يمكن الرجوع إليه وتطويره. وبالتالي تكون جهودنا ليس مجرد التأثير في حدث سياسي عابر، بل مساهمة في بناء ثقافة سياسية مدنية تستطيع أن تستمر وتنتقل بين الأجيال، وتكون جزءًا من إعادة بناء الدولة الليبية على أسس أكثر رسوخًا.
وأخيرا: قد نجد أن مصادر القوة تختلف عن وسائل استخدامها. وقد نكتشف أن هناك مصادر للقوة لم تُستثمر في ليبيا بما يكفي، مثل المعرفة، والثقة العامة، والقدرة على التنظيم، والسُّمعة، ورأس المال الاجتماعي، والقدرة على إنتاج السرديات، وبناء الكفاءات.
___________