بقلم الشّايب

يعرض تيم إيتون في هذا المقال نقدًا متماسكًا للمسار الذي تدفع إليه الإدارة الأمريكية بقيادة مبعوثها الرئاسي للشؤون العربية والأفريقية، مستندًا إلى تقارير رقابية ليبية حديثة حول الفساد.

وتكمن أهمية المقال في أنه لا يهاجم فكرة توحيد الحكومة من حيث المبدأ، وإنما يجادل بأن توحيد السلطة دون إصلاح منظومة الحكم لن يؤدي إلا إلى توحيد منظومة الفساد.

وفيما يلي قراءة تحليلية للمقال، مع ربطه بالسياق الليبي الأوسع، وبالمشروع الفكري الذي نناقشه منذ فترة حول تفكيك آثار الجماهيرية وبناء الدولة الممكنة.

أولاً: الفكرة المركزية للمقال

يمكن تلخيص أطروحة إيتون في جملة واحدة: المشكلة في ليبيا ليست وجود حكومتين، وإنما طريقة إدارة الدولة. وبالتالي فإن: توحيد حكومة طرابلس وبنغازي دون إصلاح المؤسسات ودون قواعد للشفافية والمحاسبة لن ينتج دولة موحدة، بل سينتج شبكة فساد أكبر حجماً وأكثر استقراراً. وهذه نقطة شديدة الأهمية.

ثانياً: ماذا يضيف المقال إلى النقاش الليبي؟

يركز أغلب النقاش السياسي في ليبيا على سؤال: من يحكم؟ أما إيتون فيطرح سؤالاً مختلفاً: كيف تُدار الدولة؟ وهذا انتقال مهم جداً. فهو يرى أن: ليبيا لديها بالفعل نوع من التفاهم غير المعلن بين القوى الكبرى.

ورغم الانقسام السياسي فإن: النفط يستمر المصرف المركزي يعمل الإنفاق مستمر الاستيراد مستمر أي أن النظام يعمللكن لصالح النخب وليس المواطنين.

ثالثاً: تقارير مكافحة الفساد أهم من المقال نفسه

الحقيقة أن أهم ما في المقال ليس رأي الكاتب. بل التقارير التي استند إليها. لأنها لأول مرة تقدم أدلة تفصيلية على كيفية إدارة الاقتصاد الريعي. ومنها مثلاً: الوقود تضاعفت الواردات أكثر من الضعف منذ 2021. فاتورة تجاوزت 9 مليارات دولار. استهلاك بعض الجهات المسلحة ارتفع أكثر من 1500%. وهذا لا يمكن تفسيره اقتصادياً. بل يفسر فقط بوجود: تهريب إعادة بيع فساد منظم

أما في قطاع الدواء فتظهر المشكلة نفسها: تقدير الاحتياجات بلا منهج علمي. شركات قليلة تستحوذ على السوق. ارتباط أصحاب الشركات بمسؤولين حكوميين. تضارب مصالح واضح. أي أن الاقتصاد الليبي أصبح قائماً على شبكات توزيع الريع وليس على تقديم الخدمة.

رابعاً: ما الذي يغفله المشروع الأمريكي؟

يرى إيتون أن المشروع الأمريكي يقوم على فرضية بسيطة: إذا توحدت الحكومة ستأتي الاستثمارات. لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالشركات الأجنبية لا تبحث فقط عن: حكومة واحدة بل تبحث أيضاً عن: قضاء مستقل تنفيذ العقود شفافية استقرار تشريعي مؤسسات يمكن الوثوق بها وهذه كلها غير موجودة. إذن المشكلة ليست في شكل الحكومة. بل في طبيعة الدولة.

خامساً: نقطة ضعف المقال

رغم قوة المقال، إلا أنه يتوقف عند منتصف الطريق. فهو يقترح: الشفافية الرقابة شروطاً على الحكومة الجديدة لكن السؤال الأكبر هو: من الذي سيجبر النخب على قبول هذه الشروط؟ هنا لا يقدم المقال إجابة. وكأن النخب ستقبل طواعية بتقليص مصادر ثروتها. وهذا افتراض يصعب الدفاع عنه.

سادساً: أين يتقاطع المقال مع مشروع تفكيك الجماهيرية؟

في رأيي، هنا يصبح المقال أكثر أهمية. لأن ما يسميه إيتون سوء الحوكمةهو في جزء كبير منه امتداد للبنية السياسية والإدارية التي كرستها الجماهيرية. فالعديد من الظواهر التي يرصدها ليست مجرد فساد عابر، وإنما تعكس إرثًا مؤسسياً أعمق، مثل: غياب المؤسسة. شخصنة السلطة. تسييس الإدارة. الاقتصاد الريعي. غياب المساءلة. ضعف الفصل بين الدولة والحاكم. الاعتماد على الولاءات بدلاً من القواعد.

ومن ثم، فإن ما يصفه المقال بكونه أزمة حوكمة يمكن قراءته أيضاً بوصفه استمراراً لآثار تلك البنية. ولهذا فإن الاكتفاء بتوحيد الحكومتين لا يعالج أصل المشكلة إذا بقيت قواعد إدارة الدولة كما هي.

سابعاً: العلاقة مع مفهوم الدولة الممكنة

هذا المقال يدعم بصورة غير مباشرة فكرة الدولة الممكنة. لأن الدولة الممكنة لا تبدأ بالسؤال: من يحكم؟ بل تبدأ بالسؤال: كيف تمنع أي حاكم من إساءة استخدام السلطة؟ وهذا فرق جوهري.

ثامناً: المقال ينظر إلى الدولة باعتبارها مؤسسات تحتاج إلى إصلاح

لكن التجربة الليبية تشير إلى أن المشكلة لا تقتصر على المؤسسات، بل تمتد إلى الثقافة السياسية التي تشكلت عبر عقود. فشبكات المحسوبية، والاعتماد على الريع، وتغليب الولاءات الشخصية أو المناطقية على القواعد المؤسسية، كلها عوامل تجعل الإصلاح المؤسسي وحده غير كافٍ إذا لم يصاحبه تغيير تدريجي في الثقافة العامة والسلوك السياسي. ولهذا فإن مشروع الإصلاح يحتاج إلى مسارين متوازيين:

  1. إصلاح مؤسسات الدولة وقواعد إدارتها.

  2. بناء ثقافة مدنية وسياسية داعمة لهذه القواعد.

تاسعاً: ماذا كان ينبغي أن تقترحه الولايات المتحدة؟

إذا كان الهدف هو نجاح أي تسوية، فمن الممكن أن تكون مصحوبة بحزمة إصلاحات مؤسسية واضحة، مثل:

  • ربط أي حكومة موحدة بخطة تنفيذية معلنة ذات جدول زمني،
  • واعتماد موازنة موحدة شفافة قابلة للتدقيق والنشر،
  • وإخضاع دعم الوقود والدواء لتدقيق ورقابة مستقلة،
  • وتعزيز استقلال الأجهزة الرقابية والقضائية وحماية تقاريرها،
  • ووضع مؤشرات أداء للخدمات العامة يمكن قياسها ومتابعتها،
  • وربط أي استثمارات دولية بتحقيق تقدم ملموس في الحوكمة والشفافية.

بهذه الصورة تصبح التسوية السياسية وسيلة لإصلاح الدولة، لا مجرد إعادة توزيع النفوذ بين النخب.

الخلاصة: يُعد هذا المقال من أقوى الانتقادات المنشورة للمبادرة الأمريكية لأنه ينقل النقاش من تقاسم السلطة إلى جودة الحكم. غير أن قيمته الأكبر، في تقديري، أنه يقدم أدلة عملية على أن معالجة الانقسام السياسي وحدها لا تكفي إذا بقيت آليات إدارة الدولة وإنتاج الريع والفساد على حالها.

ومن زاوية مشروع الدولة الممكنة، يمكن الاستفادة من هذا المقال باعتباره دليلاً إضافياً على أن إعادة بناء ليبيا لا تبدأ بتشكيل حكومة جديدة فحسب، بل بإعادة تصميم قواعد الحكم نفسها: مؤسسات خاضعة للمساءلة، وإدارة عامة قائمة على القانون، وثقافة سياسية مدنية تقلل من شخصنة السلطة وتحد من إعادة إنتاج أنماط الحكم السابقة.

وهذا ينسجم مع الرؤية التي تقول بأن تفكيك آثار الجماهيرية ليس هدفاً بحد ذاته، بل شرط تأسيسي لبناء دولة ليبية ممكنة وقابلة للاستمرار.

____________