أمين مازن
.. وهذه فقرةٌ أخرى من الفقرات التلفزيونية التي أجد ذاكرتي تنجذب إليها، وتدون ما استوقفني عندها، والإسهام بالمتيسر نحوها.
وهي تأتي ضمن ما بُثَّ تحت عنوان «أيامُنا». فنستشعر المزيد من الإكبار، والمزيد من الإحساس بواجب المشاركة عندما جاءت في الخامس عشر من يناير مُذكِّرةً بأحد الذين جمعوا بين العلم والعمل والمقدرة والتواضع والموقف والصمت، وهو الشيخ علي يحيى معمر (رحمة الله عليه)
الشيخ الذي كُتِبَ له أن يقضي نحبه في ذلك اليوم من العام الثمانين بعد التسعمائة وألف من القرن الماضي، بعد ولادة في العام التاسع عشر بمدينة نالوت، وتعليم تم بين الجبل الغربي وتونس والجزائر، وحياة عملية أكثرها بليبيا، وحضور ثقافي وثَّقَ له بما ترك من الكتب ونشر بالصحف.
وكوَّنَ من المريدين على أكثر من صعيد ومكان داخل البلاد وخارجها، وقبول غير عادي لدى كل من قُدِّرَ له أن يلتقيه ويدخل معه في الحديث، فيحار وهو يفترق معه، هل فقد بوداع مُحدِّثِه خيرَ من يُصغي، أو أقدرَ من يتحدث.
وقد امتلأتُ على الصعيد الشخصي بهذه المشاعر تجاه المرحوم علي يحيى معمر من أول رؤية له وهو يدخل وزارة الإعلام والثقافة في ستينيات القرن الماضي، وقد كان محاطا بعدد من عارفيه، أبرزهم في ما أذكر المرحوم نوري بازيليا، الذي أمده بما كان معه من مؤلفاته، يحضرني منها مجلدة «الإباضية في موكب التاريخ»، وعدد من المجموعات الصغيرة، منها في ما أذكر «سَمَر أسرة مسلمة».
ليتلو ذلك لقاء عرضي بوزارة التعليم أيضا وأنا أزور بعض الأصدقاء، إلى أن جاء العام الثالث والسبعون عندما جمع أكبر عدد من أصحاب الرأي الفكري، يمينا كان أم يسارا، من وحَّدَ بينهم ما كان يلوح من رفض لما كان يُتَخَذ من سياسات إدارية واقتصادية، وكان لا بد من تطويعهم دون التصريح.
فكان ما أطلِقَ عليه النقاط الخمس التي أطلِقَت في خطاب رسمي، اختيرت له مدينة زوارة واحتفالات المولد النبوي، تلك التي حملت تهما لا يمكن لأي ذي رأي أن يفلت منها، كما ذكرنا في الذكرى الخامسة والعشرين لسبتمبر
فالحزبية شبهة يمكن أن تقال على كل من يداوم على المساجد، وقل مثل ذلك على من يرتاد المقاهي، وقل ما شئت حول بقية النقاط، ويومئذ كان علي يحيى معمر وعدد من أقاربه بالجبل الأشم بين الذين حواهم ذلك السجن، ليتعرضوا لما لا قِبَلَ لهم به من التجاوز الذي يُطَبَّقُ عادة على كل من يحويه السجن العسكري.
فاكتُفِيَ بالنسبة لعلي يحيى معمر بحلق الرأس والذقن، وقد أقمنا بعض الأيام في غرفة أو أكثر، فكان مثالا للتحمل ورفض المعاملة الخاصة، حتى إنه كثيرا ما تحمّلَ الدخان وهو المصاب بالربو، دون أن يجاهر بامتعاضه ممن يتمكن من الحصول على سيجارة ليدخنها سريعا، وما ذلك إلا لما جُبِلَ عليه من التسامح ورفض التشدد، والاحتكام إلى المصلحة في إصدار الأحكام.
وما زلتُ أذكر كيف كان رده على سؤال وجهتُه له حول جرح بوجهه عندما فُرِضَ عليه أو احتاط من تلقاء نفسه بحلق ذقنه، فظهر شيء من الدم، فناولته إحدى الروائح المعتادة ملحقا إياها بسؤال حول الحساسية الفقهية، فتناول ما بيدي مؤكدا أنه ليس من المعروفين بتشددهم.
وقد أكد لي في تلك اللقاءات أنه كان بصدد الاشتراك مع رفاقه من علماء الجزائر لاستصدار فتوى حول التأمين الإجباري والاقتراض المتعلق بالسيارات وما في حكمها، وقد ألحق رده بالتحسُّرِ من السلطة التي تقابل أمثاله بالسجن.
والحديث عن هذا الرجل يطول، والذكريات لا تتوقف، وكم أودُّ أن يخصَّه بالتوثيق بعض عارفي الدراسات المتعلقة بعلمه وعمله، رحمه الله وطيب ثراه.
_____________
