غدير العباس
انتخابات 2025 … ماذا حققت النساء؟
منذ سنوات، ظلّت قضية مشاركة المرأة الليبية في الحياة السياسية محط جدل واسع، خاصة بعد إدراج نظام الكوتا ضمن قانون “نظام الاقتراع” في البرلمان الليبي. القانون نصّ على تخصيص 31 مقعداً للنساء من أصل 200 مقعد، أي بنسبة لا تتجاوز 16%.
هذا التراجع من النسبة السابقة (30%) مثّل إجحافاً واضحاً بحق المرأة الليبية، التي كانت تطمح إلى حضور أكبر في صناعة القرار.
فعندما طُرح نظام الكوتا لأول مرة، كان الهدف المعلن هو ضمان مشاركة النساء في البرلمان، لكن تقليص النسبة كشف عن مقاومة داخلية لفكرة تمكين المرأة، وعن رغبة في إبقاء حضورها محدوداً ورمزياً أكثر منه فعلياً.
كثير من الناشطات وصفن هذا النظام بأنه انتهاك في حق المرأة، لأنه لم يمنحها فرصة عادلة لتكون شريكًا كاملًا في العملية السياسية.
في الانتخابات التي أجريت عام 2025، حصلت النساء على نسبة مقاعد قريبة من الحد الأدنى الذي فرضته الكوتا، أي حوالي 16% من المقاعد البرلمانية. هذا يعني أن الكوتا كانت العامل الحاسم في ضمان وجود النساء داخل البرلمان، لكنها في الوقت نفسه قيّدت سقف الطموح، إذ لم تسمح بتجاوز هذه النسبة بشكل ملحوظ، وهذا جعل حضور المرأة في البرلمان شكلياً.
وفقًا لتقرير الاتحاد البرلماني الدولي لعام 2025، جاءت ليبيا في المرتبة 139 عالمياً من حيث نسبة النساء في البرلمان، وهي نسبة منخفضة جداً. هذا الترتيب لا يعكس مجرد قصور في المشاركة، بل يفضح إخفاق الدولة المتعمد لإبعاد المرأة سياسياً، وإبقاء حضورها في مواقع القرار شكلياً ومحدوداً بعيداً عن أي تأثير فعلي.
انتخابات 2025 أكدت أن نظام الكوتا في ليبيا، بصيغته الحالية، يمثل نصف خطوة نحو تمكين المرأة، لكنه في الوقت نفسه يكرّس التمييز ويُبقي النساء في موقع أقل من استحقاقاتهن.
ما تحتاجه ليبيا ليس مجرد مقاعد محجوزة، بل إرادة سياسية حقيقية تفتح المجال أمام النساء ليكنّ جزءاً أساسياً من صناعة القرار، بما يتناسب مع دورهن في المجتمع وتضحياتهن في مراحل الصراع والتحول.
سلطة السلاح تتقدم على القانون
في مطلع عام 2023، فوجئت نساء كثيرات في ليبيا بإجراءات جديدة عند بوابات المطارات. لم يكن الأمر مجرد تفتيش روتيني أو تدقيق في جوازات السفر، بل نموذج خاص يُطلب من كل امرأة تسافر دون “محرم” أن تملأه، موضحة فيه أسباب سفرها منفردة، وعدد المرات التي غادرت فيها البلاد سابقًا.
بدا وكأن حرية التنقل التي كفلها الإعلان الدستوري الليبي قد أصبحت مشروطة، ومقيدة بسلسلة من الأسئلة التي لا تُطرح على الرجال.
في مطار معيتيقة بطرابلس، حيث بدأ تطبيق هذه الإجراءات، كانت المشاهد متكررة: ناشطات حقوقيات، صحفيات، وطالبات جامعيات يقفن في صفوف طويلة، يحملن أوراقاً رسمية ويواجهن موظفين يطلبون تفاصيل شخصية لا علاقة لها بالسفر.
بعضهن مُنعن من المغادرة، وأخريات اضطررن لتأجيل رحلاتهن أو البحث عن طرق بديلة. ومع اتساع نطاق التطبيق ليشمل مطارات أخرى في الغرب الليبي، تحولت هذه القيود إلى قضية عامة أثارت جدلاً واسعاً في الإعلام المحلي وعلى منصات التواصل الافتراضي.
الناشطات، اللواتي يعتمدن على السفر لحضور مؤتمرات دولية أو المشاركة في برامج تدريبية، وجدن أنفسهن أمام عائق جديد يهدد عملهن المدني. لم يعد الأمر مجرد صعوبة لوجستية، بل أصبح رسالة واضحة بأن وجود المرأة في المجال العام، حتى خارج حدود الوطن، يخضع لرقابة مشددة.
العديد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية وصفت الإجراءات بأنها تمييزية وقمعية، مؤكدة أنها تتعارض مع نصوص الدستور الليبي والالتزامات الدولية التي تضمن حرية التنقل وعدم التمييز. في المقابل، حاولت بعض الجهات الرسمية تبريرها باعتبارها “إجراءات تنظيمية“، لكن هذا التبرير لم يقنع الرأي العام، بل زاد من حدة الغضب الشعبي.
ففي ليبيا، لم تعد حرية التنقل والسفر حقاً مكفولاً بالقانون وحده، بل أصبحت مرهونة بسلطة السلاح والقرارات الأمنية التي تفرضها الأجهزة المسيطرة على الأرض. هذا الواقع يجبر المواطنين، وخصوصاً النساء، أمام ممارسات يومية تقيد حرياتهم وتقمع حقوقهم.
استهداف الناشطات… العنف يمتد إلى الفضاء العام
منذ عام 2014، أخذت الهجمات ضد النساء الناشطات في ليبيا منحى أكثر اتساعاً. لم يعد الأمر مجرد تضييق إداري أو اجتماعي، بل تحوّل إلى سلسلة من الانتهاكات الممنهجة التي شملت القتل والاختطاف والتعذيب والتهديد الإلكتروني.
هذه الممارسات لم تستهدف النساء العاديات فحسب، بل طالت صحفيات وسياسيات ومدافعات بارزات عن حقوق الإنسان، ما جعل الفضاء العام في ليبيا أكثر خطورة بالنسبة لهن.
القصص كثيرة. ملفات نساء بارزات لا تزال يحيط بها الغموض، مثل قضية النائبة في البرلمان الليبي سهام سرقيوة التي اختفت منذ عام 2019 من منزلها في مدينة بنغازي ولم يُكشف مصيرها حتى اليوم. ورغم مرور ست سنوات، لم تتخذ السلطات في شرق ليبيا أي إجراءات فعالة للكشف عن مصيرها أو محاسبة المسؤولين عن اختفائها، في ظل استمرار الإفلات من العقاب وتعطّل آليات التقاضي الوطنية.
وفي حالات أخرى، قتلت ناشطات وسياسيات في وضح النهار، مثل سلوى بوقعيقيص التي اغتيلت بسبب مواقفها الجريئة، لتصبح رمزاً للتضحية. كما قُتلت في الـ 21 تشرين الثاني/نوفمبر صانعة المحتوى الليبية خنساء مجاهد، إثر تعرضها لإطلاق نار من قبل مسلحين مجهولين أثناء تواجدها داخل سيارتها في منطقة السراج غرب العاصمة طرابلس.
لكن التحقيقات الجدية لم تُفتح، وكأن دماء النساء لا تستحق العدالة. هذا الصمت الرسمي، أو التراخي في ملاحقة الجناة، وجه رسالة مفادها أن استهداف النساء في المجال العام يمكن أن يمر بلا عقاب.
ولم يقتصر العنف على الفضاء العام، بل امتد إلى المجال الرقمي. فقد تلقت العديد من الناشطات رسائل تهديد عبر الإنترنت، وتعرضن لحملات تشهير منظمة، أو لاختراق حساباتهن. وهكذا تحولت المنصات الرقمية، التي كانت في السابق مساحة للتعبير، إلى ساحة جديدة للعنف تُستخدم لإسكات النساء وترهيبهن.
أمام هذا الواقع، وجدت كثير من النساء أنفسهن أمام خيارين قاسيين: الانسحاب من المجال العام حفاظاً على حياتهن وسلامة أسرهن، أو الاستمرار في المقاومة رغم المخاطر، وحتى اللجوء إلى المنفى لمواصلة النضال.
ونتيجة لهذه السياسات المتعمدة، خلت الساحة السياسية والحقوقية إلى حد كبير من الأصوات النسائية المؤثرة، مما أضعف الديمقراطية وحقوق الإنسان في ليبيا بشكل خطير.
كل حادثة اختفاء أو اغتيال أو تهديد هي ضربة جديدة لحق المرأة في المشاركة، ورسالة بأن الفضاء العام في ليبيا ما زال محفوفاً بالمخاطر. ومع ذلك، فإن إصرار الناشطات على مواصلة النضال، رغم التهديدات، يظل شاهداً على قوة الإرادة النسائية في مواجهة العنف والتمييز.
حضور قوي في القطاعات الحيوية
برزت النساء كقوة عاملة أساسية في بعض القطاعات الحيوية، لتثبتن أن حضورهن ليس هامشياً بل جوهرياً في بناء المجتمع. أرقام عام 2025 تكشف عن واقع لافت: 43% من العاملين في قطاع التعليم نساء، بينما تجاوزت نسبة النساء في قطاع الصحة 70%، متقدمة بذلك على الرجال في هذا المجال.
هذه النسب لا تعكس مجرد مشاركة، بل تؤكد أن النساء أصبحن العمود الفقري في قطاعات ترتبط مباشرة بحياة الناس اليومية.
في المدارس والجامعات، تشكل النساء حضوراً واسعاً، ليس فقط كمعلمات، بل أيضاً كإداريات وباحثات. هذا الدور يعكس ثقة المجتمع في قدرتهن على قيادة العملية التعليمية، ويبرز مساهمتهن في صياغة مستقبل الأجيال القادمة. ومع ذلك، فإن هذا الحضور لا يقابله دائماً تمكين سياسي أو إداري، إذ تبقى المناصب العليا في التعليم غالباً بيد الرجال.
إن نسب مشاركة النساء الليبيات في التعليم والصحة تعكس قوة كامنة وإرادة صلبة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن فجوة واضحة بين الحضور الاجتماعي والتمكين السياسي. المرأة الليبية أثبتت أنها قادرة على قيادة القطاعات الحيوية، ويبقى التحدي الأكبر هو ترجمة هذا الحضور إلى تمثيل سياسي وإداري عادل يوازي حجم مساهمتها في المجتمع.
محور حرية المرأة… الشرق الأوسط الديمقراطي في مواجهة الدولة الذكورية
تُعد النساء الليبيات من أكثر الفئات تضرراً من القيود القانونية المفروضة تحت ذرائع “الحماية” أو “الرقابة الاجتماعية“. وتصف منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية هذه الممارسات بأنها اعتداء مباشر على الحقوق الأساسية، وأداة لإعادة إنتاج الهيمنة الذكورية عبر الأجهزة الأمنية.
حتى المجتمع الدولي لم يسهم في الحد من نفوذ السلاح؛ بل على العكس، خفّف مجلس الأمن مؤخراً بعض القيود على دخول الأسلحة إلى ليبيا، ما أثار مخاوف من تصاعد تسليح الجماعات المتصارعة. هذا القرار يكشف بوضوح أن النهج السائد في ليبيا لا يزال قائمًا على التوازنات الأمنية والعسكرية، بعيداً عن الإصلاحات القانونية أو الاعتبارات الحقوقية.
تشير التجربة الليبية إلى تشابه كبير مع أوضاع النساء في أفغانستان. فإذا كانت المرأة في ليبيا قد تُوقف عند نقطة تفتيش لمجرد مرورها دون رجل، فإن الفتاة في كابول تُجبر على ارتداء البرقع “النقاب” لدخول السوق. ورغم اختلاف المشهدين، إلا أن الرسالة واحدة: جسد المرأة ووجودها تحوّلا إلى ساحة معركة للدولة الذكورية.
هذا التشابه يفضي إلى استنتاج يتجاوز الحدود الوطنية: كراهية النساء ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي أساس الأزمات التي تعصف بالأنظمة. فالدول وهياكل السلطة تحافظ على وجودها عبر تغذية المشاعر المعادية للمرأة في المجتمع.
ومن هنا، يصبح من الضروري التأكيد على أن الدولة نفسها هي محور العنف ضد المرأة.
بحلول عام 2025، يتبلور خط نضال المرأة في مواجهة العقلية التي أنتجتها “الدولة الذكورية“. ولا يمكن الوصول إلى حل حقيقي إلا عبر بناء مجتمع ديمقراطي، قائم على التعايش الحر والتمثيل المتساوي، يعترف بهوية المرأة ويضمن مشاركتها الفاعلة.
إن نظاماً ديمقراطياً يقوده النساء ويقوم على شراكة حقيقية، قادر على تحويل الشرق الأوسط إلى فضاء جديد يُبشر بعهد من حرية المرأة وكرامتها.
______________