عمر الكدي 

ليس صحيحا أن العسكريين العرب وصلوا إلى السلطة بعد انقلاب حسني الزعيم في سورية 1949، وعبد الناصر في مصر 1952، وعبد الكريم قاسم في العراق 1958، فقد وصل العسكريون إلى السلطة قبل ذلك بزمن طويل.

وقبلهم وصل الفقهاء إلى السلطة على عكس ما يدعيه التيار الإسلامي المعاصر، فقد كانوا الأسبق في الوصول إلى السلطة منذ الخلفاء الراشدين، حتى يمكننا أن نقسم تاريخ السلطة بعد الإسلام بين الفقهاء والعسكر.

بعد هجرته إلى يثرب لم ينتظر الرسول الوحي؛ وإنما بادر كأي حاكم مدني وأصدر وثيقة المدينة لتنظيم علاقة المواطنة بين جميع سكان المدينة، من مهاجرين وأنصار ويهود، وجاء فيها «أنهم أمة واحدة من دون الناس». وأيضا «وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم».

انتقال السلطة بعد وفاة الرسول كان أمرا طبيعيا، على الرغم من الاختلاف الذي شهدته سقيفة بني ساعدة، فأبوبكر هو أول من آمن بالرسول من الرجال، أي أن موقعه في قيادة الحركة هو الذي حسم اختياره لخلافة النبي، ثم انتقلت السلطة إلى بقية الخلفاء الراشدين بشكل طبيعي، بسبب أسبقيتهم إلى الإسلام، وباعتبارهم أكبر المراجع الفقهية للدين الجديد، فقد حارب أبوبكر دون هوادة من اعتبرهم مرتدين.

وعلّق عمر حد السرقة في عام الرمادة، وألغى سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات دون الرجوع لأحد، وأشرف عثمان على جمع القرآن في مصحف واحد، وأحرق بقية النسخ وحتى اليوم يعرف المصحف بالمصحف العثماني.

ثم تولى الخلافة علي بن أبي طالب بما له من سبق في تاريخ الدعوة، وقرابته من الرسول، ثم آلت السلطة إلى بني أمية بفضل العصبية القريشية، واحتكر خلفاؤهم لقب أمير المؤمنين حتى انهيار دولتهم وظهور الدولة العباسية وانهيارها العام 1258م.

أي أنه طوال أكثر من خمسة قرون ونصف قرن لم تخرج السلطة من قريش، وإذا صنفنا كل من تولى السلطة في هذه الفترة، فمن الصعب تصنيفهم كعسكريين على الرغم من أن الكثير منهم شارك شخصيا في الحروب، إلا أن لقب أمير المؤمنين يجعلهم في صف الفقهاء أكثر من العسكريين.

أول تسلل للعسكريين حدث في زمن المعتصم بالله العباسي، الذي نقل العاصمة من بغداد إلى سامراء، واعتمد على حراسه من العسكريين الأتراك، الذين تعاظم نفوذهم بعد المعتصم ليجعلوا من الخلفاء العباسيين مجرد دمي بين أيديهم، ثم صعد العسكر الأتراك والفرس إلى السلطة.

الدولة البويهية والدولة الغزناوية ودولة السلاجقة والدولة الطولانية ودولة الأخشيد والدولة الحمدانية والأيوبية ودولة المماليك. جميع هذه الدول أسسها عسكريون من السُّنّة والشِّيعة، وفي المغرب الكبير استمر تأسيس الدول وفقا للقانون الخلدوني.

دعوة دينية وعصبية قبلية، هكذا تأسست دولة الأدارسة ودولة الفاطميين ودولة المرابطين ودولة الموحدين، ثم بدأت تنشأ دولة أصغر مثل دولة المرينيين والرستميين والحفصيين والأغالبة، أي سنة وشيعة وإباضية.

في العام 1299 تمكنت موجة بدوية جديدة قادمة هذه المرة من صحراء وسط آسيا، من تأسيس دولة استمرت حتى عام 1924م وهي الدولة العثمانية، التي أسّسها محاربون مثل المؤسس عثمان بن أرطغرل الذي تمكن من تحويل نظام قبلي إلى إمارة لم تتوقف عن التوسع، حتى التهمت كل المنطقة.

ولكن حدث تغيير مهم فلم يعد مهما أن يكون أمير المؤمنين من قريش، ولكن من أبناء وأحفاد عثمان بن أرطغرل، وبسبب اتساع الدولة ظهرت دول حازت على قدر من الاستقلال في ظل الدولة العثمانية.

هكذا ظهرت دولة دايات الجزائر العام 1671، ودولة الحسينيين في تونس عام 1705، ثم دولة القرهمانليين في ليبيا عام 1711، وقبل ذلك تأسست الدولة العلوية في المغرب العام 1666 وحتى الآن، وهي الوحيدة التي تأسست وفقا للقانون الخلدوني، بينما جميع الدول الأخرى أسسها عسكريون أتراك، بما في ذلك دولة محمد علي في مصر العام 1804م.

وآخر الدول التي تأسست هي الدولة المهدية في السودان، ثم الدولة السعودية العام 1932م والتي جمعت بين الدعوة الدينية والعصبية القبلية.

جميع هذه الدول سقطت تحت الاحتلال الأوروبي، أحيانا تحت الاحتلال العسكري المباشر، مثل الاحتلال الفرنسي للجزائر العام 1830، والاحتلال الإيطالي لليبيا العام 1911، أو بسبب عدم القدرة على دفع الديون.

مصر بعد إقالة الخديوي إسماعيل، وتونس بعد توقيع اتفاقية الحماية ومعاهدة باردو، وقبلها السودان بعد احتلال بريطانيا للخرطوم في عهد خليفة المهدي عبد الله التعايشي، واحتلال جنوب اليمن والعراق وسوريا عام 1921، وظهور دول جديدة لم تكن موجودة من قبل، مثل لبنان والأردن والكويت وقطر والإمارات وموريتانيا.

على الرغم من أن جميع هذه الدول القديمة والحديثة نالت استقلالها في ظل أنظمة ملكية، إلا أن العسكر سرعان ما عادوا إلى السلطة بعد الانقلابات العسكرية منذ منتصف القرن العشرين، ولم تنج من هذه الانقلابات إلا الدول العريقة في أنظمتها الملكية، أو مشايخ الخليج التي كانت تحت حماية بريطانيا، أو التي أسستها بريطانيا إرضاء لأبناء الشريف حسين مثل الأردن الذين فقدوا مملكتهم في الحجاز، ثم ضاعت منهم سورية وانتقلوا إلى العراق، قبل أن يذبحوا جميعا في انقلاب عبد الكريم قاسم.

تجربة ليبرالية

مرت المنطقة بتجربة ليبرالية قصيرة. في مصر بعد ثورة 1919، وظهور حزب الوفد بقيادة سعد زغلول، وكل القوة الناعمة التي امتلكتها مصر تكونت في هذه الحقبة، كما شهدت العراق وسورية في العهد الملكي نفس التجربة ونفس الازدهار، ولكن كانت المكاسب محدودة والاستفادة نخبوية وليست شعبية، ولهذا رحبت الشعوب بالانقلابات العسكرية.

كانت ليبرالية مخادعة باستثناء تجربة الحبيب بورقيبة في تونس، وتجربة بشارة الخوري في لبنان، فالاثنان محاميان الأول ساهم في تأسيس الحزب الدستوري، والثاني أسس الكتلة الدستورية والحزب الدستوري، ولكن الأخير سلم السلطة لقائد الجيش فؤاد شهاب، والثاني مهد دون أن يدري لانقلاب الجنرال زين العابدين بن علي.

لا يمكن أن تتوقع من هذه الشعوب التي عاشت أكثر من 1400 سنة، وهي تتقلب بين أمير المؤمنين والعسكر لتكون ديمقراطية بعد أول انتفاضة، وهذا بالضبط ما حدث بعد انتفاضات الربيع العربي، فإذا لجأت إلى صناديق الانتخابات يفوز أمير المؤمنين، مثلما فاز التيار الإسلامي في الجزائر في مطلع الثمانينيات، وفي تونس بعد 2011 وفي مصر أيضا، وهو ما يعجل بتدخل العسكر بعد خروج مظاهرات تطالب بذلك، مع العلم هم نفس الجمهور الذي صوت للإسلاميين.

____________

مقالات