سالم الكبتي 

(وقبل الرحيل الأخير .. يفتح قوساً .. ويرفع شمساً .. تبارك جذوته الآفلة) … سميح القاسم

الأيام والليالي.. صهد وبرد. وزمن يمر.

التكبالي تخرج في الصيف من الكلية العسكرية. ثم رحل في الصيف أيضاً بعد عام من التخرج. ما بين أغسطس 1965 ويونيو 1966 خيوط وخطوط ومسافات.

ثمة تطلع منه للزمن القادم.. للأعوام المقبلة من البعيد. لكن الموت كان أقوى تمرداً وقوة.

الضابط الجديد في صفوف الجيش الليبي عُيِّن في معسكر الزاوية في غرب البلاد. هناك بعد مدينته الأثيرة.. طرابلس. سيمر بها ويتركها ويظل في الزاوية ملازماً في سلاح المدفعية. ومعه عيِّن من رفاق الدفعة محمد نجم و إبراهيم بلقاسم و محمد جاد الله. والباقي من تلك الدفعة تفرقوا في معسكرات الجيش الأخرى على امتداد الوطن.

مرحلة ومهام جديدة تختلف عن السابقة. كان طالباً. ومتمرداً. ذكريات الكلية. أيام القصة. أعوام ألمانيا والآن أصبح ضابطاً يحمل مسؤولية تختلف. يأمر. يكلف الجنود. يجمعهم. يقف أمامهم. يتعامل معهم ضبطاً وربطاً. شخصية غير الشخصية الأولى.

الرفاق الأربعة ذهبوا سوياً وكلهم تفاؤل وحلم بما سيأتي ويتحقق. هل ثمة فعل وحراك سيتحقق. هل ثمة ما يزيل الكمد في الصدور ويجعل من المويجات الولهى.. أمواجاً تهدر عند أقدام الشواطئ الطويلة!.

وصل الأربعة إلى طرابلس ليلا في صيف 1965. بحثوا عن حجرة للإقامة في فندق العناية. لم يحصلوا على ذلك. التكبالي كان يقيم مع أهله في شقة ضيقة في شارع عمر المختار وسط المدينة لا تسعهم جميعاً.

قضوا ليلتهم في سهرة وحكايات لا تنقطع حتى الصباح في مقهى الخضراء. وظلوا على مقاعده متعبين. تهالكوا عليها جميعاً. ثم اتجهوا إلى الزاوية. دخلوا الحامية.

كان آمرها بشير اليفرني خريج الدفعة الثانية من مدرسة الزاوية العسكرية العام 1954. كانت في نفس المعسكر ثم توقفت. مضت الأيام. وخاطر التكبالي يغوص نحو شيء بعيد.. بعيد كعادته. العمل في الصباح. الأوامر والروتين المعتاد. وفي العشية تردد على مقهى الميدان القريب أو مشاهدة الأفلام في قاعة السينما.

كانت أيام التكبالي ضابطاً لم تتجاوز التسعة أشهر من أغسطس 1965 الى يونيو 1966. صيف إلى صيف. لهب ولهيب. وكان رغم كل شيء منطلقاً ومقبلاً على الحياة معانداً الحزن والرياح وليس ثمة قصص تذكر. القصة هي الحياة العسكرية الجديدة.

هنا القذافي.. الرفيق اللدود أُُرسل أيامها إلى بريطانيا في دورة تخصصية في المخابرة اعتباراً من مارس 1966. سيعود في سبتمبر من نفس العام. وسبتمبر دائماً له قصة معه. وهنا أيضاً لا تواصل مع الضابطين الجديدين. الزاوية وفي البعد معسكر التدريب في ريف لندن. لا أخبار ولا شيء يذكر.

المرض الفجائي يعتري التكبالي صاحب الجسم الغريب والعملاق. يدخل المستشفى العسكري في طرابلس. كان طاقم الأطباء خلاله من الصين الوطنية. ثمة علاقة بينها وبين ليبيا. وكان ثمة خبراء منها إضافة إلى مجموعة من الأميركيين يحتويهم معسكر قاريونس. القذافي كان هناك ملازماً في سلاح المخابرة.

ومن أطياف التاريخ يطل صديقي محمد نجم ويروي: (قمت بزيارة التكبالي يوم الأربعاء الثامن من يونيو 1966. اليوم الذي سبق وفاته بالتحديد. حين أتيت إلى الغرفة المخصصة له وجدت سريره خالياً. لم يكن التكبالي موجوداً. بالسؤال عنه علمت بأنه يقوم بزيارة للنقيب عمر قويدر.كان يعالج في المستشفى خلال الفترة نفسها من إصابة شديدة في رجليه).

ويواصل..(التقيته. جلسنا سوياً في غرفته لم يكن يشكو شيئاً ظاهراً. يبدو أن الطاقم الطبي أخطأ في تشخيص حالته بكل دقة قبل إجراء العملية الجراحية لعدم معرفة ذلك الطاقم بأمور التكبالي الجسدية وأعضائه العملاقة. أبديت له استعدادي لأداء أية خدمة أو مساعدة. سلمني رسالة كتبها لصديقته في ألمانيا والدة ابنه لوضعها في البريد. قمت بذلك. عدت للزاوية في منتهى الاطمئنان عليه).

وأنا أشير هنا إلى أن العلاقة بين التكبالي وقويدر لم تكن مصادفة في إطارها كما مر بنا. جمعهما المرض والتقيا في المستشفى.

قويدر ضابط أقدم وأعلى رتبة من التكبالي. خريج الدفعة الثانية عام 1960. عيِّن في البوليس الحربي (الشرطة العسكرية). لعل علاقة أخرى وحدت بين الرجلين في صلة قد تتضح في المستقبل.

المعروف أن قويدر كان صاحب تنظيم سري داخل الجيش تلك الأيام وضم مجموعة من الضباط من مختلف الوحدات. التقى التنظيم واجتمع عدة مرات في أماكن كثيرة منها منزل قويدر نفسه.

هنا يلوح تقارب بين الرجلين وفيما يختفي في أطياف أسرار الزمن والتاريخ.. أزعم أن التكبالي احتواه هذا التنظيم بالتأكيد. لم يتفق تنظيم القذافي وهواه ورغبته. رحيل التكبالي ذهب معه السر العتيق وتوقف التنظيم بعد ذلك لانكشاف أمره بطريقة ما. وشى أحد الأعضاء بالسر. ولم يحدث ما يضر بهم على الإطلاق. حادثة مرت بسلام.

التكبالي رحل بسره. كمد في الصدر وحزن يغمر قلبه.

الخميس التاسع من يونيو يصل خبر الوفاة إلى الرفاق في الزاوية. يشاركون في تشييعه بمقبرة منيذر بطرابلس. مراسم عسكرية. بوق حزين وإطلاقات من السلاح المنكس في الهواء. ضاعت أصداؤها عبر القبور المنتشرة. كان الوقت عشية. والمدينة غافلة عما يحدث.

الرفاق الذين نقص منهم رفيق وظلوا ثلاثة كانوا يحضرون ليلا إلى طرابلس من الزاوية على مدى أربعين يوماً لمواساة الأسرة. يقول محمد نجم أيضا: (ربطتني علاقة أخوية مع محمود شقيق التكبالي الذي كان حارساً لمرمى فريق نادي المدينة في طرابلس).

بعد الرحيل. صدر العدد الخامس من مجلة الكلية العسكرية. أغسطس 1966. نعت الكلية في صفحتها (92) الضابط التكبالي.. النعي أرفق بصورة له.. حمل هذه الكلمات (أنعاك يا بني. إنها مشيئة الله وقضاء القدر. خليفة ابني الحبيب كنت شاباً قوياً تتدفق قوة وحماساً وعشت معي سنتين عهدت فيك الصبر والثبات. عهدت فيك الإخلاص والوفاء. لمست فيك الجد والاجتهاد. كانت شيمتك التفاني ونكران الذات. كنت مؤمناً بوطنك وانضممت للجيش وقدمت نفسك فداء له. كنت مخلصاً لشعبك فجندت نفسك وقلمك لخدمته).

تلك أصداء الزمن والتاريخ. ستونية تمضي. التكبالي يرحل. ويصبح في أيام لاحقات اسما لأكبر معسكرات الجيش يحوي الكلية العسكرية بعد انتقالها من بوعطني في بنغازي إلى طرابلس.

القذافي أطلق الاسم.. ربما تغطية لعلاقة ملتبسة أو اعتذاراً خجولا عن لياليها التي مرت. ظل التكبالي عنواناً لثكنة كانت تعد في الأصل مقبرة للمدينة!

_____________

مقالات