سالم الكبتي
(إن الثقافة تخوض دوراً إيجابياً في تطوير أفكار الأفراد وبالتالي في تغيير المجتمع تغيراً كلياً وغالباً ما يكون جذرياً وسريعاً) … محمد فرج التومي
وكان الجيل الذي احتوته الكلية العسكرية نتاجاً لمجتمع يتحرك وينمو. جيل اختار أفراده التوجه للدراسة بها وتغيير أنماط حياته سلوكاً وفعلاً.
جيل تنوع في ثقافته ومعرفته وأماكنه داخل البلاد وانتمائه الاجتماعي والفكري. وفي الغالب لم يعرف هذا الجيل بعضه سوى عبر ساحة الكلية ودروبها. ربما هناك من تعرف بزملائه في فترة مضت أيام الدراسة في المدارس المدنية والمراحل التعليمية أو من خلال صلات المصاهرة أو القرابة أو الجوار وأكدت الكلية بعد هذا كله المزيد من تمتين العلاقة بينهم.
كان ثمة حلم لدى الغالبية من الطلبة في الكلية يتوخى النهوض بالوطن عبر صفوف الجيش.
ومحاولة التغيير في المجتمع. البعض كان التحاقه وانتسابه رد فعل على سلبيات يشاهدها وأخطاء لا تنتهي في رأيه وتجمعت هذه الحصيلة في النفوس قوية بالخطاب الذي تغذيه الإذاعات المجاورة ووصل مداه أثناء مظاهرات الطلبة في الجامعة والمدارس الثانوية تحدياً للسلطة في يناير 1964.
كان لدى مجموعات من الطلبة تراكمات زادتها هذه الأحداث والوقائع. كان هناك شعور بتدني مستوى المعيشة عند أسرهم.
كانوا يحسون بشروخ من الظلم. والرد كما أوضحت تمثل في أن الحل لأزمة ليبيا ومشاكلها الداخلية لا يتم إلا بالتغيير العسكري. وكانت بعض النخب تؤكد ذلك وتراه مجدياً. وكان البعض يراه مستحيلاً وينبغي أن يستبعد من تفكير الحراك والنشاط الوطني والاجتماعي.
تمثل هؤلاء الطلبة في أغلبهم تجربة العسكريين العرب وتأثروا بها. تابعوا سيرهم وتقفوا خطواتهم.
كان هناك في الواقع التأثير والمؤثر. والأرضية الصالحة والخصبة للأسباب. البلد في فراغ سياسي.
ليست هناك أحزاب أو جماعات. ربما هناك هامش يلاحظ في المعارضة الوطنية في البرلمان ومن خلال كتابات الصحف المستقلة. أضحت الكلية العسكرية في بنغازي مدخلا لمزيد من الأفكار والانطلاق نحو التغيير الكامل. وكان في حقيقة الأمر كثير من الطلبة جاهزين لذلك قبل الانتساب للكلية.
القذافي وصل إلى الكلية وكان وراءه عمل بدأه اعتباراً من العام 1959 في سبها. حاول الالتحاق للدراسة بالكلية منذ تأسيسها. وفي 1958 تقدم بطلب إلى الملك إدريس وكان تلميذاً في الإعدادية يرجو قبوله للانضمام إليها.
لم يتلق رداً. ظل الطلب في أطياف التاريخ. وكما اشتهر لاحقاً بأنه نظم خليته المدنية الأولى في ضواحي سبها. وإذن فإن تفكيره في التغيير كما عرف سبق دخوله الكلية الذي تحقق مع مجموعة من أصدقائه في سبها ومصراته وغيرهما العام 1963. ربما طلبة آخرون غيره كانوا يحملون نفس التفكير في عقولهم ولم يفصحوا به انتظاراً للحظة قادمة.
التكبالي لم يعرف عنه بأنه انضوى في جماعة سياسية مدنية أو حزب أو تكتل. كان يسعى لرزقه والكدح من أجل أسرته أغلب الوقت. وظل يجد متنفسه في كتابة القصة القصيرة. وبعض القصائد. لم يكتب غيرهما.. رواية أو مقالة أو شيء آخر. همومه حبسها في صدره.
لم يفاتح بها أحداً. القذافي لم يدعُه إلى المشاركة في التنظيم. وكذا لم يقم بذلك أي عضو من الخلية الأولى العسكرية التي تشكلت في الكلية. والواقع أن التكبالي كان ينظر للقذافي بنظرة مغايرة عن الآخرين. كان محل سخريته وتندره في كل الأوقات. كان هناك نقاط اصطدام كما سيمر بنا لاحقا. لم يكن ثمة التقاء أو اتفاق بينهما.
التكبالي صاحب الموهبة الأدبية السابقة لدخوله الكلية والقذافي الذي كان يميل إلى الخطب والكتابة أيضاً لم يلاحظ عنهما كما أشرت نشرهما لأية مادة في مجلة الكلية التي كانت تصدر سنوياً اعتباراً من العام 1959.
في مراحل تالية بعض المفعمين بالمزايدة والتقرب من النخب أشار إلى أن القذافي كان ينشر المقالات في المجلة وكان يستعان به في التدريس بالكلية بعد تخرجه في دروس المخابرة، وهما أمران لم يحدثا على الإطلاق.
وللدلالة على طبيعة الحراك الثقافي والفكري لبعض الطلبة والذي يعطينا على سبيل المثال صورة لما كان يدور داخل أسوار الكلية فإن الطالب محمد فرج التومي الذي عرف بثقافته وشجاعته الأدبية وحراكه الحزبي نشر في العدد الرابع من المجلة المذكورة صيف 1965 مقالاً عنوانه (أثر الثقافة في المجتمع).
كان التومي طالباً في الدفعة الثامنة وسبقه في السابعة التكبالي والقذافي وغيرهما. أساتذة الكلية من ضباطها أو من خارجها (الجامعة الليبية تحديداً) لاحظوا موهبة التومي وذكاءه. وكان تقييمهم له في غاية الإعجاب والتقدير.
كثيراً ما أثنى عليه الأستاذ عبد المولى دغمان الذي كان يحاضر ضمن طاقم الكلية وذكر لي ذلك شخصياً وكذا كبير المعلمين جلال الدغيلي وغيرهما. كان ترتيبه الثاني في التخرج في أغسطس 1966.
يقول التومي في مقاله الجريء: (إن الثقافة هي إدراك الإنسان لعالمه عن طريق إدراك بيئته ومحيطه الذي يعيش فيه. أي انتقال الإنسان من إدراك هذا الواقع الجزئي الضيق والمحدود إلى العالم الكلي والشمولي. إننا نرى أن بعض المثقفين أو ما يسمون بالطليعة في أي مجتمع من المجتمعات البشرية استطاعوا أن يساهموا في إحداث تغيرات بعيدة المدى في مجتمعاتهم بأفكارها وأمدتها بمذاهبها نتيجة امتزاج المفكر أو الأديب في بيئته. وهكذا كانوا بمثابة الشعلة التي تضيء الطريق أمام مدلجيها فكانت تحترق لتضيء معالم هذه المجتمعات المظلمة الحالكة السواد!)
ويواصل مقاله مستشهداً ببعض الأمثلة التاريخية.. (إن هذا التغيير الذي يمثل العقلية الأوروبية الجديدة لم يحدث لمجرد وجود قوانين طبيعية خارج عن إرادة الإنسان كما يدعي بعض المفكرين حتمية حدوث هذا التغيير وإنما كانت عملية تغيير موجهة أحدثتها موجة من الأفكار والمعتقدات حمل لواءها عدد من أفراد الأمة الفرنسية المثقفين فلقد كانت أفكار روسو وفولتير ومنتسكيو زاداً تقتاد منه الثورة وعملاً عظيماً كشف عن تناقضات المجتمع الفرنسي لأبناء المجتمع نفسه فأناروا عقولهم وأحدثت تلك الثقافة الثورية العميقة.. وهكذا بالنسبة لجميع المجتمعات إذا كانت الثقافة تتمثل في طليعة مناضلة واعية تقودها وترسم الطريق وتحدد المعالم وتبرز النقاط الدالة حتى لا يضل الثوريون أو السائرون ولا يذهب الذاهبون في معامع هذه الفيافي المقفرة. إن نهضة أي مجتمع هي انعكاس في الحقيقة بأفكار مثقفيه).
.. فهل كان التكبالي المثقف والقاص طالب الدفعة السابعة وزميله التومي الناشط السياسي والحزبي طالب الدفعة الثامنة يعملان معا أو أن كلا وحده في تنظيم عسكري سري شكلاه ولم يفصحا عنه؟
هل كان تقيمهما للقذافي يؤكد الكثير من تنافر الكيمياء في العلاقة الإنسانية بينهما؟ هل كان التكبالي والتومي المثقفان المعتدان بموهبتهما وشجاعتهما وتمردهما يعتبران أنهما أفضل من القذافي القادم من صحراء سرت وتلال فزان؟
وكل الإجابات مفتوحة وتشير إلى انعدام الثقة أو الارتياح بينهما في أيام الدراسة في الكلية وبعد التخرج.
ذات مرة بعيدة أشار القذافي إلى أن ثمة رسائل كانت بينه وبين التكبالي في العام 1966 قبيل وفاة التكبالي. كان القذافي يومها في دورة تدريبية في بريطانيا. ويظل الواقع المنظور يرفض ذلك الوجود أو التقارب بينهما وكذا مع محمد التومي الذي شارك في سبتمبر 1969.. ثم شعر شعوراً عميقاً بالانكسار ووجد نفسه في الفراغ القديم.
التكبالي والتومي كانا نموذجين حيين يتحركان ثقافة ووعياً يختلف عن منهج القذافي تماماً. صار الفراق والتقاطع الكلي بموت التكبالي. ثم بسجن التومي ووصول القذافي إلى السلطة.
هل كان هناك مشروع لهما مات بدوره في مهده قبل أن تطلع الشمس؟
______________
