عبدالله الكبير
لم تأت إحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا السيدة حنة تيتيه على هوى عصابة اللصوص في إقطاعيتهم في برقة، ولم يكن اتهام البعثة لبعض “الشخصيات السياسية” بممارسة التحريض على البعثة وتشجيع الغوغائيين على ارتكاب أعمال خارجة عن القانون، كافيا لنخص صاحب العلة المقصود في هذا الاتهام المباشر.
ففي إحاطتها أمام مجلس الأمن أشادت المبعوثة الأممية بانضباط القوات الحكومية إزاء مظاهرات طرابلس، وأعربت عن قلقها من الميزانية التي تريد عصابة اللصوص تمريرها إلى مسؤول الخزانة في وكر عصابة القيادة العامة للصوص، لأنها ستقوض جهود المصرف المركزي في تثبيت سعر الصرف ومعالجة التضخم.
فبادر صاحب العلة المتوهم أنه رئيس حكومة لها حساب وشأن في الحراك السياسي، إلى إصدار بيان انتقد فيه البعثة وحملها مسؤولية تفاقم الأزمة، واتهمها بالفشل خلال أكثر من عقد في تحقيق أي تقدم حقيقي، وأنها ساهمت بقصد أو بدونه في تعقيد الأزمة، واصفا هجوم بعض الغوغائيين على مقر البعثة بالتعبير الطبيعي عن السخط الشعبي.
مثير للضحك إلى حد الاستلقاء على الظهر حديث المتوهم عن السخط الشعبي، وكأنه لا يعلم أن القانون في حدود توهمه يقيد الساخط بالسلال والإقفال ويلقى به في كن كلب، أو يعذب حتى الموت ويذاع في بيان النعي إقدامه على الانتحار، أو تحتجز نساء عائلته لإجباره على تسليم نفسه للقتلة، وفي المساء يسجّد شيخه في صلاة الشكر ليحمد الله على سلامة الصبايا.
فكيف تشجع الاحتجاج الشعبي، وتلقي به شاهدا على تزايد السخط، وأنت تحرمه وتعتبره من الموبقات يستحق مرتكبه السلاسل والأقفال و اعتقال الصبايا والسقوط من الشرفة. إلى آخر ما جاء في غريب الذكاء الاصطناعي؟
المتوهم استغل مناخ الحرية في التعبير عن الرأي والموقف في طرابلس، ودفع المال لصبي أخرق ليستأجر بضع عشرات من الغوغائيين ويدفعهم نحو مقر البعثة الأممية في طرابلس، وبكل صفاقة اعتبر المتوهم أن الاحتجاجات تعبير طبيعي عن غضب الشعب، محملا البعثة مسؤولية الفشل في حل الأزمة الليبية.
تجاهل المتوهم إرادة الشعب في التغيير الشامل، بكنس كل عصابات الإجرام في كل أنحاء البلاد، وفي مقدمتها العصابة التي يتوهم أنه يرأس حكومتها، لم يساوره حتى مجرد الشك في أن العبث الذي يمارسه رئيس مجلس الخدم الوفي للعصابة الحاكمة في إقطاعية برقة، بشكل ممنهج ومتعمد هو الكارثة التي أضاعت البلاد.
لا يعي المتوهم أن حاكم إقطاعيته زج بالبلاد في حروب أهلية وتسلط على الناس وجلب المرتزقة وهرب النفط، وما كان له أن يرتكب كل هذا الإجرام الفاحش إلا بمعونة المتوهمين أمثاله، تناسى المتوهم، وهو يستشيط غيظا من تدخل البعثة لوقف عملية لصوصية كبرى تحت لافتة إعادة الإعمار، أن أوضاع البلد الاقتصادية لا تحتمل المزيد من الخراب، وأن من تسوقون لهم وهم الإعمار باتوا عاجزين عن توفير لقمة العيش لأطفالهم.
قصر عقل المتوهم المستغرق في أوهامه عن إدراك الحقائق الساطعة، لأن الوهم لا يقود إلا للمزيد من الوهم، وتتلاشى تماما الموضوعية والإنصاف في ذهن المتوهم، ذلك لأنه لا يفكر من خلال معطيات الواقع وتطوراته بل من خلال أوهامه، ومثل كل الساديين في أوهامهم، لا يعود المتوهم إلى رشده إلا بصدمة قوية تعيد تدفق الشحنات الكهربية في مخه إلى خطوطها الطبيعية، فالمنطق الهادئ المؤسس على قواعد راسخة لا يجدي مع المتوهمين، مادام عقلهم لا يعمل بما يقتضيه قواعد التفكير السليم.
_________________
