عاشق طرابلس

جمعة بوكليب

العشق فنون وهو أنواع. والعاشقون، على اختلافهم، عبر حقب التاريخ وعصوره، لا يُسألون عن أسباب عشقهم. لعل أكثر أنواع العشق شيوعاً بين عامة الناس عشقُ رجلٍ امرأةً أو العكس. ويختلف الأمر عند أهل الرؤيا والصوفيين.

البعضَ منّا، لأسباب متعددة، يجدون أنفسهم أسرى عشق أشياء أخرى. ويمنحونها أجمل ما لديهم من نبل مشاعر وأحاسيس وعاطفة، من دون طمع في مقابل. عشاق المدن، على سبيل المثال لا الحصر، ظاهرة ليست غربية، ومعروفة في عالمنا اليوم والأمس. هناك من الشعراء في العالم القديم واليوم من كرّسوا مواهبهم الشعرية للتغني بجمال مدينة أو للبكاء على أطلالها. الموسيقيون كذلك، والرسامون، والكُتَّاب. وهناك المصورون. والأخيرون ، في رأيي، قد يكونون أكثر انتشاراً وشهرة من غيرهم.

ربما يكون السبب، أن إبداعاتهم تنتقل وتنتشر أكثر. فالصورة مثل الأغنية تخترق حواجز اللغات، ومعابر الحدود، وتدخل البيوت من أوسع أبوابها. بالبيوت نقصد القلوب.

نحن عرفنا مدناً لم نرها إلا على خرائط الأطالس الجغرافية، من خلال ما وصلنا من صورها. وعرفنا مصورين بأسماء لا نستطيع حتى نطقها أحياناً، من خلال ارتباطهم، جماليا وفنياً، بمدنهم. وأن تكون مصوراً مكرساً كل أوقاتك لرصد وتصوير مفاتن وسحر مدينة ما، يعني بالضرورة أن تكون عاشقاً. لأنه من دون مشاعر العشق، لن تتفتح أمامك الوردة، لن تبدي لك دهشتها وضحكتها، وتكشف عن سحرها الخفي.

لن تدعوك للرقص، ولن تشاركك الغناء، أو تدعوك بغنج وتدلل لمؤانستها. وكأن المدن كائنات من نوع آخر، وبأرواح لا تبدو إلا لمن عرف طريقاً إلى قلبها. المقصود بقلبها تاريخها وتراثها وتقاليدها وأعرافها، وتلونات لغتها ولهجاتها، تغيُّرات طقسها، هسيس أغصان أشجارها، أسحارها، جمال معمارها، بوح بحرها، وفوح وردها وأزهارها.

ولعل أقرب مثال يستحق الذكر، ما ينشره المصور سالم بوديب على موقعه في الفيسبوك من صور لمدينته طرابلس. سالم بوديب يخلق لدى متابعيه انطباعاً بأنه وُلد خصيصاً ليكون عاشقاً آخر لمدينة، سبق وأن عرفت عشاقاً كثيرين على مر العصور، إلا أنه تميّز عنهم بأن كرّس موهبته في التصوير لتكون حِكراً على طرابلس، كما كرّس قيس بن الملوح شِعره في عشق ليلى.

وأنا، في هذا السطور، لا أقلل إطلاقاً من شأن أو من فن ومواهب مصورين آخرين أحترمهم جداً، ممن كرّسوا عشقهم للمدينة. لكن افتتاني بصور سالم بوديب فاق كل حدود. وصوره زادت من حبي للمدينة، وكأنها رفعت عن عينيّ غشاوة. وأدركت، من خلال ما يرصده وجدانه عبرعدسات «كاميراته»، أن طرابلس، رغم كل شيء، مدينة فاتنة، وتستحق عن جدارة حبنا. السؤال: هل نستحق نحن حبّها؟

طرابلس في صور سالم بوديب مدينة مختلفة عن تلك التي نعيش بها، وندّعي معرفتها. نحن نمرّ بشوارعها، ونخوض في أسواقها، ونسبح في بحرها بروتينية العادة. كأن تنهض من نومك صباحاً وتتناول إفطارك. في حين أن طرابلس التي تظهر في صور سالم بوديب غير المعتادة لنا. إذ تبدو لي، في بعض الأحيان، وكأنها عروسُ بحر مغسولة بالنور، أو كأنها ثمار مضيئة، تتأرجح معلقة في أغصان شجرة، في بستان يبدو مالوفاً، وبلا شبيه في آن معاً.

ما نمرّ به من دون مبالاة في شوارعها وحواريها، يتوقف سالم بوديب أمامه طويلاً، ويوثقه بعدساته بجمال، مبرزاً تفاصيله الدقيقة. ولهذا السبب، يبدو برج الساعة، في صور سالم بوديب، برجاً ليس من حجر؛ بل من ضياء وسحر، فائق الروعة وآسر، يجعلنا نحس بتزايد سرعة نبصات قلوبنا في صدورونا من فرط جماله.

ولذلك السبب، تبدو السرايا الحمراء، في صور سالم بوديب، قلعة بديعة المعمار وكاملة الحسن. ونكتشف فجأة جمال مراكب صيادي السمك في المرسى الصغير. ونكاد نسمع أزقة المدينة القديمة تهمس لبعضها في تلك الصور.

سالم ابن المدينة القديمة يعرفها ويعرف مسالكها، كما يعرف تاريخها، وحين يرصدها بعدسات كاميراته يستنطق ذلك التاريخ، ويعيدنا إليه أو يعيده إلينا. ولذلك يدهشنا طوال الوقت، لأننا في تفاصيل وظلال صوره نكتشف طرابلس أخرى جميلة، بامتدادها في التاريخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

Related Articles