يوسف عبد الهادي

تعددت المواقف التي تجلت فيها مظاهر الحياة الدستورية الصحيحة التي عاشتها دولة المملكة الليبية في عمرها الوجيز, ومنها على سبيل المثال عدم تجاوز الملك لمواد الدستور أو الاعتداء عليه أو تعطيله رغم ما مر بالبلاد من أزمات.

ومنها أيضًا حيثيات الدعوى المشهورة التي تقدم بها المرحوم الأستاذ علي الديب المحاميلإبطال المرسوم الملكي القاضي بحل المجلس التشريعي في طرابلس, والتي فصلت فيها المحكمة العليا ببطلان المرسوم وإلزام المدعى عليه (أي الملك) بالمصاريف.

وكذلك المُذكّرة التي تقدّم بها رئيس الوزراء محمود المنتصر إلى المحكمة الدستورية العليا طالبا منها الفتوى في بعض صلاحيات الملك التي يرى أنها تتصادم مع صلاحيات رئيس الوزراء, ومنها تداعيات قضية طريق فزّان وموقف مجلس النواب فيها وموافقة كل الخطوات التي تمت لما نص عليه الدستور حتى ضُربت مثلًا لنجاح الديمقراطية في ليبيا.

ومنها أيضًا مثلًا الدعوى التي رفعها الفلسطيني المتجنس محمود المغربيمن داخل سجنه ضد المرسوم الملكي القاضي بسحب الجنسية الليبية منه بعد الحكم عليه في قضية سياسيّة معروفة هدفها قلب نظام الحكم.

في هذا المنشور نُضيف باختصار واقعة أخرى من تلك المظاهر وتتعلق باحتجاج بعض أعضاء مجلس النواب على إجراء اتخذه الملك؛ وتتلخص في الآتي:

في سنة 1952 تقدّم الوزير النائب إبراهيم بن شعبانإلى مجلس النواب بمشروع قانون يُقر حيازة الأجانب للأملاك الثابتة، ولمّا كان الدستور ينص على أن السلطة التشريعية يتولاها الملك بالاشتراك مع مجلس الأمة، وأن الملك يصدر القوانين بعد أن يُقرها مجلس الأمة وأن يُصدّق عليها خلال ثلاثين يوما من إبلاغ القانون إليه، وأن للملك خلال هذه المدة المحددة أن يطلب من مجلس الأمة وفق كتاب مسبّب إعادة النظر فيه، وعلى المجلس في هذه الحالة بحث القانون من جديد، فإذا أقره ثانية بموافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل من المجلسين فالملك مُلزم عندها بالمصادقة عليه وإصداره خلال ثلاثين يوما من إبلاغ القرار الأخير إليه.

ولمّا رأى الملك من جانبه أنه يجب التروّي في إصدار مثل هذا التشريع لما له من تبعات خطيرة في بلد غالبية أهله مازالوا تحت خط الفقر في الوقت الذي تتركز فيها جالية كبيرة خلّفها المستعمر مع أجانب ميسورين؛ وما يترتب على ذلك من نتائج ماليّة وسياسيّة؛ فقد أعاد الملك هذا القانون مُسبِبًا الإعادة إلى المجلس بواسطة رئيس ديوانه.

ولكن ما الذي حدث؟.

اجتمع المجلس لمناقشة الأمر، فانبرى العضو الشيخ عبد الرحمن القلهود معارضًا للإعادة لعدم صحة إجرائها حتى وإن صحت هذه الإعادة دستوريًا، وأيّده في ذلك الدكتور علي العنيزي طالِبًا رأي اللجنة التشريعيّة في هذه الإحالة، ووافقهم في ذلك النائب مفتاح اعريقيب, والنائب صالح بويصير الذي أضاف أن الملك يباشر سلطاته بواسطة وزرائه, وأن رئيس الديوان ليس وزيرًا, وعليه فإعادة الملك للقانون ليست دستورية.

وانتهت الواقعة بانتصار الدستور.

_____________

المصدر: فيسبوك

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *