سالم الكبتي

.. كان القذافي في سعيه لنجاح تنظيمه والظفر بالغنيمة التي لم تطلها التنظيمات الأخرى قد انتبه إلى إعداد وضم مجموعة من ضباط الصف.

كان يعرف أنهم عصب الأساس لانضباط الجيش الدائم والمحرك الحقيقي لقاعدته. وتحقق هذا النجاح في كل الأماكن بفضل الكثيرين منهم خاصة في سلاحي المخابرة والهندسة الذين كانوا يعرفون سر التنظيم ولم يبوحوا به لأحد وكانت لهم يد ضاربة خلال تلك الأيام في تحقيق المزيد من النجاح والتوفيق.

وهنا اختير على سبيل المثال خليفة حنيش ومبارك عتيق وعوض إبراهيم وإدريس الشهيبي ومحمد الدرعي وأحمد رمضان وسعد الزغرات.. وغيرهم.

ذلك فات في الغالب على التنظيمات السابقة. لم (تزرع) ضباطاً من الصف داخلها وعبر المعسكرات بل ربما بعض هؤلاء من العرفاء ورؤساء العرفاء وشى وأبلغ عن هذه التنظيمات وقطع عليها الطريق.

كان بعضهم يتولى أمور بدالات ومحطات الاتصال في المعسكرات وأدرك ما يدور وتنصت على المكالمات المشفرة وأوصل المعلومة بطريقته.

وكان لافتاً للنظر أيضاً أن القذافي ظل حريصاً في كتمانه لحركته فلم يوسع دائرة المفاتحة على عدد من أقاربه من العسكريين خاصة في أجهزة البوليس.

تحوط كثيراً لهذا الأمر وضمهم إلى حركته بعد وصولها إلى السلطة في أيامها المبكرة.

غير أن ضابطاً للصف في سلاح الهندسة بمعسكر قاريونس، وهو محمد التومي بالراس علي، كان من ذوي الميول القومية ولديه بعض من المعرفة والثقافة وحرص على مواصلة دراسته المسائية في مدرسة بنغازي الثانوية صُدِم في هذه الحركة وقائدها عندما علم بأنه معمر القذافي الملازم في سلاح المخابرة بالمعسكر ذاته.

كان يعرف تصرفاته وكان شاهداً عليه في موضوع يتصل بمعاقبة أحد الجنود بطريقة بعيدة عن السلوك العسكري المعروف. أمره بالانبطاح أرضاً وأشار إلى مجموعة أخرى من زملائه الجنود بالسير عليه عدة مرات.

وكان ذلك سبباً في مثول القذافي أمام محكمة عسكرية نشأ عنها تأخره في الأقدمية عن دفعته.

يوم الثامن من سبتمبر بعد النجاح بأسبوع.. عند المساء، بلغت الصدمة مداها عند ضابط الصف التومي ويبدو أنه كان يعرف حقيقة ما يدور ويرصد نشاط القذافي ويعتبره من الإخوان المسلمين وصاح في ساحة الإذاعة بالتصدي والمواجهة للملازمين الخونة على حد رأيه.

كان يحمل سلاحه وقنبلة هدد برميها. انفجرت وسقط قتيل ذلك المساء وترددت أقوال بإصابته بإطلاقات عاجلة من الرصاص وصلت إليه من ضابط كان أمام مبنى السفارة البريطانية المقابل للإذاعة.

الحادث اكتنفه الغموض حتى الآن ومر في صفحات التاريخ دون توقف.

فهل كان ضابط الصف المتنور والمثقف الذي يضع رتبته في ساعده الأيمن يعرف أسراراً لا يدركها غيره تلك الساعات؟.

وهل الصدمة كانت ذات ألغاز وطلاسم تتحرك تحت الرماد ثم غابت خلف الأطياف البعيدة؟.

لماذا بادر التومي بما قام به؟.

لقد وُصف يومها من قائد الحركة بأنه مجنون أو أصيب بلوثة في عقله جراء السهر والتعب خلال الأسبوع الأول.

هل كان اشتراك التومي في سياق لم يكن يعتقد أنه التنظيم الذي فوتح بالاشتراك فيه؟.

لم يكن من الذين عرض عليهم المساهمة في حركة الملازمين الصغار.

لماذا وصفهم بالخونة. هل ثمة حقيقة صاعقة أكثر من ذلك؟!

وفي كل الأحوال وتوكيداً لما سبق قوله فقد أضحى من أولويات تنظيم القذافي الذي نجح دون التنظيمات الأخرى أفكار تتجاوز البعد المحلي وعلى هذا ظلت لازمة القومية والعروبة والوحدة الشاملة طاغية إلى أقصى مدى اعتباراً من اليوم الأول..

من البلاغ رقم واحد أو البيان الأول الذي يتشابه كثيراً في سطوره وتفاصيله مع بلاغات انقلابات العروبة العسكرية السابقة على امتداد المنطقة. القضاء على الرجعية وبضربة من جيشك البطل أيها الشعب العظيم سقط العرش وانهار عهد الفساد والرشوة والمحسوبية وسنحرر فلسطين ونثأر لإحراق المقدسات..

وهكذا تسير طاحونة الشيء المعتاد.

ثم الإشارة إلى طمأنة الأجانب وأنهم في حماية القوات المسلحة وأن العمل ليس موجهاً ضد أية معاهدات أو اتفاقات دولية، ولكنه يخص مشاكل ليبيا المزمنة. وثمة طمأنة أخرى لم يفطن لها الكثيرون إلى آل الشريف السنوسي باستنهاض همة من حارب وقاتل مع جدهم أحمد الشريف. والمعنى يتصل بأن الشلحي ليس وراء هذا العمل بأي شكل من الأشكال.

وفي تصريحاته اللاحقة ظل القذافي يؤكد على ذلك بطريقة مغايرة فعند لقائه بسليم اللوزي رئيس تحرير مجلة الحوادث في مطلع أكتوبر 1969 أكد على أن العقيد عبدالعزيز الشلحي لم يكن له تنظيم داخل الجيش وأن ما يقال حول ذلك محض تخمينات فقط.

ومع مرور السنوات سيتغير هذا الخطاب ويشار على الدوام إلى أن العقيد الشلحي كان يعد عدته للاستيلاء على السلطة وملاحقة تنظيم الضباط الصغار إلى درجة اتهامه بمحاولة خطف الملازم القذافي من قبل أحد أفراد البوليس الحربي وإحضاره إلى أحد المنازل المهجورة خارج طرابلس لتصفيته وقتله على يد الشلحي!!

ثم تذكر رئيس التنظيم جروحه القديمة.

اعتقل جميع الضباط والمسؤولين ولم يهادن أحداً.

أطلق سراح بعض قيادات الأمن المهمين واستفاد منهم.

قدم العديد إلى التحقيقات والمحاكمات وظل في كل لقاءاته وخطبه يصب حمماً من الغضب على (العهد المباد).

ومع ذلك ذهل الكثيرون بالنجاح الذي حققه الضباط الصغار. تمت السيطرة على كل شيء وثاني أيام وعلى مدى الشهور الموالية وعبر تحديد ساعات حظر التجول ظلت المظاهرات والمسيرات والبيانات تنطلق في الشوارع والميادين مع سخونة الأناشيد والأغاني والبرامج في الإذاعة والتلفزيون وتعزز ذلك بالاعترافات الدولية في الأوقات الأولى من العالم والأشقاء في العروبة..

وظن العديد ممن غيبهم الحماس أن فلسطين أضحت قريبة.. أكثر قرباً من ميدان عمر طوسون في بنغازي أو ميدان الشهداء في طرابلس!.

الكثير أيضاً من النخب وغيرها احتضن التغيير وسر به.

الكثير نبه إلى العناصر المضادة المتوقعة لتعويق مسار الثورة والتآمر عليها وقدم التقارير والوشايات.

البعض أيضا نبه إلى أماكن محطات التقوية الإذاعية في بنغازي وطرابلس التي ظلت في بعض أيامها خالية من أي حراسة أو تواجد للتنظيم.

طلاب الكلية العسكرية المتوقع تخرجهم في العام الموالي 1970 شاركوا دون أن يعرفوا ما يدور بالضبط. لم يكن ثمة اتصال بهم. قاموا بحراسة بعض المواقع والأماكن والسفارات والشركات الأجنبية ثم أكملوا دراستهم في الكلية الحربية بمصر.

وهكذا.. مرت الأمور.

عبدالناصر الملهم والمعلم والقدوة علم بما جرى في اجتماع كان يجمعه مع رؤساء آخرين. وعرف بهوية من وراء الحركة ونجاحها من الأستاذ بشير المغيربي الذي كان بإجازة بالقاهرة.

ولاحقا سيرسل بفتحي الديب ومحمد حسنين هيكل وآخرين لاستجلاء الأوضاع وكتابة التقارير والتقاط الصور الخاصة برئيس التنظيم وهو يرتدي بدلة الشغل ويحمل غدارته على كتفه.

كان عبدالناصر يقيم الصورة وشخصياتها قبل أن يلتقي بها على أرض الواقع. وكان الديب رجل المخابرات شوهد في بنغازي في يوليو الذي مضى لحضور زفاف عمر الشلحي وتقديم التهنئة باسم الرئاسة المصرية.

ولاحظ العالم التأييد والمظاهرات. وبعض القبائل التي كانت توالي تأييدها الدائم للنظام الملكي لم تتأخر في وقوفها وإعلانها مباركة الثورة واستعدادها للدفاع عنها برجالها الذين يعدون بالآلاف.. شاكي السلاح.

صدرت الصحف الخاصة يوم الخامس من سبتمبر. صحيفة كان شعارها (الله. الوطن. الملك) غيرت اللوحة ووضعت مانشيتها الأحمر الشهير (ثورة بيضاء على العهد الأسود).

لم تصدر الصحف الحكومية وهي الأمة والعلم والبلاد. ألغيت تماماً وصدر محلها لاحقا صحيفة الثورة.

شعارات تلك الأيام كانت واضحة وجلية من عناصر من البعث والقوميين تماهت مع الملازمين الصغار لكنها لم تفلح في احتواء النجاح وتجييره لصالحها.

أصبح هناك واقع جديد فرضه الواقع الراكد ومضت التنظيمات الحالمة مثل الأولين.

وطد الصغار أقدامهم وصاروا كباراً. وتلخصت الحالة في مجملها في لقاء شهير عقد في الأشهر الأولى في معسكر الدقادوستا في بنغازي. جمع القذافي كل العسكريين من الضباط الذين شاركوا معه في النجاح. دخل عليهم. وقف على المسرح. كان يرتدي بدلة الشغل وحذاءه طويل العنق ويضع سلاحه فوق كتفه. دخل بملامح قاسية ومتجهمة كما حدثني الرائد حسين الصديق رحمه الله الذي اختاره القذافي تلك الأيام سكرتيراً للقيادة ثم وضعه فترة طويلة في السجن.

كان ضابطاً نبيلاً وراقياً. لخص القذافي الحالة قائلاً.. (من يوم 1 سبتمبر أنا دست بقدمي هاتين على كل ما يسمى بالقيم والدين والأخلاق والعرف فلتعلموا ذلك جيدا).

خرج وظلوا صامتين.

صدمة أخرى تلحقها صدمات أكثر شراسة على امتداد السنوات الموالية. يتفرق رفاق الأمس.

تدخل ليبيا في أزمات عديدة ولا تخرج.

ثم مضى مثل الأولين!!

______________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *