يوسف عبدالهادي الحبوش

إذًا وبالتأكيد السؤال هنا يطرح نفسه: كيف يرضى مصطفى بن عامر وبشير المغيربي وهم أعضاء في جماعة هي في ذلك الوقت (منحلة) وهم في نفس الوقت نواب مستقلون أي نواب معارضةفي برلمان بلادهم أن تستدعيهم أجهزة دولة أخرى بواسطة بن بيلّا!- ليجتمعوا بأعلى مستويات الحكم والمخابرات فيها بدون حتى إخطار سلطات بلادهم وبمعزل عن ولاة أمرهم ؟!.

والسؤال الآخر: ما هي تلك التدابير والبرامج والاستعدادات لتلك الحركة الوطنيةالتي استدعى السعداوي من أجلها صديقه زارم ليَقدم باسم مستعار من تونس عن طريق روما ؟!، ثم كيف يتسنى لشخص عادي مثل زارم أن يقابل فور وصوله رئيس الجمهورية ؟!، ولأي سبب تمت تلك المقابلة ؟!، ومالذي دار بينهما ؟!، ثم ما الذي دار في المرتين بين زارم وبين علي صبريرئيس المخابرات المصريّة في ذلك الوقت؟!، وكذلك بينه وبين فتحي الديبالذي يُعد أخطر رجال عبد الناصر داخل المخابرات؟!. ,

وإن كان هذا هو حظ زارم من الاهتمام المصري على أعلى مستوى فكيف بحظ زعيمه السعداوي من تلك المقابلات؟!, وكيف تزامنت جريمة الملحق العسكري إسماعيل صادق في طرابلس مع استدعاء السعداوي لزارم؟، وهل كان مرض السعداوي وموته المفاجئ في نفس الوقت الذي أفشل فيه الأمن الليبي مخطط الملحق صادقهو السبب في انهيار مخطط الانقلاب الكبير للإطاحة بإدريس ودولته والذي كانت تعدّه أجهزة عبدالناصربأيدي أبناء ليبيا وعلى رأسهم السعداوي؟ .

وباستعراض ودراسة سيرة عرابي انقلاب سبتمبر من الليبيين وغيرهم الوارد ذكرهم في كتاب رجل المخابرات المصرية فتحي الديبالموسوم بـ(عبد الناصر وثورة ليبيا) مثلًا, ثم بالاطلاع على ما كتبه سكرتير الرئيس عبدالناصر سامي شرففي كتابه الموسوم بـ(سنوات وأيام مع عبدالناصر)؛

وبالربط بين كل ما توفر حتى الآن عن هذا الموضوع, سيتبين لنا حجم خطورة ما حدث وما كان يمكن أن يحدث, ولن نستغرب عندها كيف أن مؤقتات التفجير التي استخدمها الهندياني والوداوي والمريميفي تفجير صهاريج البترول في البريقة صباح 22 يوليو 1965 قد أدخلها من الدولة الأجنبيّة رئيس التنظيم القومي الطليعي الناصري في ليبيا, وهو أحد هؤلاء الأبطال القوميين!, وهو نفسه الذي كان موجودا في ردهات مكتب عبدالناصر ليلتي أحداث الطلبة في يناير 1964, والأول من سبتمبر 1969!, وتلك قصة أخرى قد نجد لها وقتًا آخر

وصف أحد الصحفيين الأمريكيين الشيخ السعداوي بالساحر الذي يعزف نَغمين واحدا للغربيين؛ وآخرَ لمستمعيه العرب؛ فهو يعترف بصداقة الغرب لكنه يخطب في الليبيين موجها هجمات عنيفة للبريطانيين والامريكيين والفرنسيين“.

ربما لم يجانب رأي الصحفي الصواب, وربما هذا هو ما كانت عليه سياسة الشيخ السعداوي فعلا, فهو بحسب الوثائق السرّيةفي الوقت الذي قابل السفير الأمريكي في السعودية شاكيًا من عدم تمكنه من مقابلة نظيره في القاهرة, ومدليًا برأيه بأنه ليس ضد إقامة قواعد غربية في ليبيا؛

ولكنه يطالب بمزايا أكبر مقابل تلك الاتفاقية!, وفي الوقت الذي يغازل البريطانيين ويصف نفسه بأنه أعظم صديق لبريطانيا ويعبّر لهم عن أن مشكلته فقط مع بلاكلي, وعن أمله في عقد معاهدة وثيقة معهم!؛

نجده في الوقت نفسه يقابل النائب عن حزب المؤتمر مصطفى السرّاجفي القاهرة ويطالبه بمعارضة حكومة محمود المنتصر في إبرام الاتفاقيّة الليبية البريطانية أمام البرلمان, ويصرّح غداة توقيعها محرضًا الشعب على رفضها بوصفها الطعنة الدامية التي غلّوا بها اعناق الشعب!!

هذا مع عِلم السعداوي نفسه بأن تلك الاتفاقية وقعتها الحكومة الليبيّة اضطراراً من أجل إيجاد حل للمشاكل المالية العاصفة بالدولة الوليدة بعدما أُوصدت في وجهها كل الأبواب التي طُرِقت طلبا للمساعدة سواء من مصر أو العراق أو هيئة الأمم, وأن هذا هو الحل الوحيد الذي سيمكن هذا الشعب المعدم من بلوغ درجة الكفاف وتوفير ما يُصرّف به شؤون حياته ويحمي به بلاده وحدودها.

ولكن وللأسف كانت هذه على الدوام هي طريقة المرحوم السعداوي التي سار عليها في تأجيج العواطف الوطنية ولو أدى ذلك إلى دفع الوطن إلى مالا يُحمد عقباه, أو وضع رقبة البلاد في مخنقة العَوَز التي ستواجهها.

في يناير 1957 في لبنان وبُعَيد عودته من القاهرة توفي الشيخ السعداوي في نفس الوقت الذي تقلد فيه 5 من أعضاء حزبه الوطني مرتبة وزير في حكومة مصطفى بن حليم، بالإضافة إلى آخرين ممن تقلدوا المسؤولية في وظائف أخرى أدنى أو كانوا أعضاءً في مجلسي النواب والشيوخ, هذا وفي السنة التي خلت وفي القاهرة كانت هناك أدلة جد خطيرة على نشاطات مريبة لا يسع المقام لسرد تفاصيلها, وقريبًا سنفرد لها مقالة خاصة.

وعليه وفي نهاية المطاف, ربما صح القول بأن الأسف على الحياة الحزبية التي اندثرت بعد أول انتخابات في البلاد هو أسف لا معنى له, لأن الأحزاب التي نشأت في طرابلس في الاربعينيات وبداية الخمسينيات والتي تميّزتحسب وصف المبعوث الاممي أدريان بيلتبالصراعات الشخصيّة بين زعمائها, وانعدام الديمقراطية في بنيتها الداخلية, وخلوها من النشاطات الاجتماعية او الثقافيّة, وعدم وضوح مضامينهافشلت فشلًا ذريعا في تقديم أي حلٍ مُجدٍ للقضية الوطنية؛

بل أدت إلى العكس تمامًا, وهي لم تكن تعبّر عن رأي عموم الشارع الطرابلسي في ذلك الوقت على الإطلاق, ومثال على ذلك ما رآه بيلتمن أن اللجنة الرباعية التي اكتفت بمقابلة ممثلي تلك الأحزاب والهيئات قد غيّرت الصورة تماما حين قللت من قناعة معظم الطرابلسيين الذين يفضلون ليبيا موّحدة تحت الزعامة السنوسيّة.

وبناءً على ما جرى في ذلك الوقت من أحداث دراماتيكية خطيرة تسبب بها النشاط الغير عقلاني لحزب المؤتمر الوطني الذي كان يتجه إلى الاضطلاع بالدور الشموليفي حال تمكنه من السلطة, والذي ما كان له أن يستطيع العيش بعد انسحاب 80% من قياداته لولا عشرات الألوف من الجنيهات المصرية المتدفقة نحوهسنجد أنه لم يكن استثناءً من تلك الأحزاب, فهو لم يكن حزباً بالمعنى الحقيقي؛ بقدر ما كان يمثّل مجموعة من المندفعين الذين يصدحون بحزمة من الشعارات الحماسية التي قدِّمت بطريقة الصوت العالي“, والتي كانت تدغدغ عواطف الشعب من المطالبة بالاستقلال إلى الوحدة والانضمام للجامعة العربية؛

وهي نفس المطالب التي أنجزها الحُكَّام المحافظون (الرجعيون) فعلاً, وبعد مرور وقت قصير جداً من عمر الدولة الفتية, وبصمت, ومن غير أن يحتاج هؤلاء إلى بح حناجرهم!.

وعليه, وفي ختام هذه الحلقات نرجو أن نكون قد وفقنا إلى تقديم بعض الجوانب الخفيّةمن تاريخ تلك المرحلة، مما سيؤدي بلاشك إلى فتح الباب أمام البُحاث والدارسين لتقديم كتابات جديدة في هذا الموضوع.

كما أعيد القول من جديد بأنني لم أقصد من كتابة هذه المقالات مغالبة ولا مناكفة ولا ترسيخ صراع ولا حط من شأن آخرين؛ بقدر ما هي محاولة بيّنت من خلالها وجه القصور الذي اتسم به السرد الانتقائي المتكرر الذي اتبعه عددًا من الساسة والكتّاب في توصيف تلك الأحداث مستغلّين سيرة الشيخ السعداوي لتحقير دولة الاستقلال والنيل من أهمِّ رجالها وعلى رأسهم الملك الراحل إدريس السنوسيدون الاجتهاد في تقديم صورة مكتملة للأحداث، الأمر الذي انخدع به كل من قرأ تلك المدونات، واندفع تلقائيًّا وبدون أن يشعر إلى تكوين ذهنيته التاريخية في ذلك الاتجاه.

رحم الله الشيخ المناضل بشير السعداوي، ورحم الله كل من ذكرناهم في هذه الخربشات.

____________

المصدر: صفحة علاء فارس على الفيسبوك

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *