سالم الكبتي

.. وإضافة إلى هذه الجهود الحثيثة داخل الجيش للتنافس في تشكيل الخلايا السرية كل على طريقته ووفق شيخه وظل في الغالب شعارها الطاغي (فتش عن الشلحي) بمعنى أن تلك الجهود موجهة في الأساس إلى الفساد والنفوذ الذي تمثله الأسرة بالدرجة الأولى.

كل تنظيم كان على مختلف اتجاهاته يشير إلى ذلك ضمن مأخذه على نظام الدولة وأركانها وكأن الشلحي وحده أو مع أسرته هو العقبة الوحيدة في وجه الإصلاح والتغيير ونهوض الدولة.

إضافة إلى ذلك.. سرت أحاديث على امتداد البلاد عام 1962 الذي شهد تأسيس السلاحين الملكيين الجوي والبحري واغتيال العيساوي، كما مر بنا في سطور ماضيات، وكان السيد محمد عثمان الصيد رئيسا للحكومة والسيد يونس عبد النبي بالخير وزيرا للدفاع يحاولان بمساعيهما متابعة التطور والتحديث في الجيش مع رئيس أركانه اللواء نوري الصديق.

كان مفاد تلك الأحاديث أن السيد البوصيري الشلحي ناظر الخاصة الملكية يعمل بفكرة تتحدد في تغيير النظام وفي سبيل تحقيق هذه الفكرة وهذا الحلم الذي يدور بخاطره جمع أو احتوى مسؤولين في الحكومة وبعض كبار رجال الدولة المحسوبين عليه في برقة وطرابلس ومجموعة من العسكريين يؤيدهم شقيقه عبد العزيز!

وفي الأصل نال البوصيري نصيبه الوافر من الاتهام من بعيد بالمساهمة في اغتيال العقيد العيساوي الذي لم يرتح لبعض الأنشطة السرية في الجيش وكان قد أبلغ الملك مباشرة بها في عام 1960.

كان هوى البوصيري قوميا وناصريا إلى حد كبير. ولد في الإسكندرية عام 1927 قرب مثوى الإمام البوصيري صاحب البردة والهمزية.

كانت الأسرة التي يتقدمها والده إبراهيم الأثير والمخلص للأمير وقتها ثم الملك إدريس تقيم مع الرجل المنشغل في الهجرة بقضية بلاده وقاسمه المعيشة الصعبة مثل كثير من المهاجرين الليبيين.

درس البوصيري في مدارس الثغر أيامها ورافق الأسرة أيضا مع الأمير الذي سماه البوصيري للإقامة في القدس عام 1941 حين اقترب الطليان والألمان من مصر.

وفي المجمل كان أبناء الأسرة من الأولاد والبنات يعتبرون أنجالا للأمير. عاشوا معه طوال الوقت وعرفوه منذ صغرهم وشبابهم حق المعرفة وفازوا بعاطفة كبيرة منه لأسباب عديدة في مقدمتها إخلاص والدهم له الذي التحق بخدمته منذ العام 1914.

اقترحه على الأمير ابن عمه أحمد الشريف السنوسي وكان في معيته وبعد أربعين سنة في 1954 يقع التصادف المشؤوم باغتيال حفيد الشريف لرب الأسرة والمخلص للملك أمام مقر رئاسة الحكومة في بنغازي.

ترك الحادث آثارا سلبية وترسبات طالت الملك مع عائلته وغضب منها إلى درجة رأى فيها الكثيرون بعضا من الظلم لأفراد العائلة الذين شملهم ذلك الغضب دون مبرر وحُسب عليهم في تلك اللحظة تصرف القاتل. في تلك الأيام كان البوصيري يدرس في لندن اعتبارا من العام 1949. توقف عن الدراسة ولم يستمر.

استدعاه الملك مباشرة لتولي منصب والده ناظرا للخاصة الملكية. وزادت بمجيئه رقعة الاختلاف مع عائلة الشريف وحدثت منه ردود أفعال حيالهم لم تكن متوقعة منه.

وكان ذلك من الطبيعي أن يقع ويستمر لأنه فقد والده اغتيالا في وضح النهار وتشدّد في موقفه مع الملك في ضرورة إبعاد عائلة الشريف استثناء من البعض إلى مناطق مختلفة من ليبيا.

وكان ذلك في الواقع خطأ نال أفرادا من الكبار والشباب والنساء سبّب في قطيعة لهم مع الملك رئيس الطريقة التي تجمعهم قبل أن يكون ملكا ولكنهم صبروا جميعا على ما لحق بهم والتمسوا مع هذا الصبر الكثير من العذر للملك.

كان وراء هذا العمل أطراف كثيرة غذّت هذا العداء الذي انعكس على سير الأمور من ثمة على دولاب الدولة.

فمثلا برز هنا عبد الله عابد السنوسي مع آل الشلحي في تحالف واضح في مواجهة خفيّة مع العائلة.

أُبعد أحمد محي الدين أخو القاتل من مهامه سكرتيرا للملك وأُخرج أخوه السنوسي محي الدين من الجيش وكان حديث التخرج ضابطا بالدفعة الثانية من مدرسة الزاوية العسكرية عام 1954 وكذا طال ما حدث الضابط أحمد الزبير السنوسي الذي كان طالبا بالكلية العسكرية في بغداد وحين تخرجه عمل ضابطا بوحدات عسكرية في العراق وسوريا إلى عودته عام 1964.

فيما ظل السيد محمود بوقويطين قائد قوة دفاع برقة وصهر الشلحي والمخلص للملك أيضا في دائرة ذات توترات أو حساسيات مع أفراد العائلة السنوسية.

وهكذا فتح الاغتيال غير المتوقع والذي فاجأ الجميع في ليبيا ملكا وعائلة ومسؤولين ومواطنين دهاليز من الشكوك والريبة وإيغار الصدور وتصيد الأخطاء والثغرات. ومع الوقت ظل السيد البوصيري شخصية قوية ومهابة في الدولة.

تصادم مع كثير من المسؤولين وتعامل معهم بصور قاسية لكنه في كل الأحوال رغم شخصيته العصبية وموقعه في الحاشية الملكية ظل بعيدا عن الشبهات المالية والصفقات.

وطغى عليه الشعور القومي بعلاقته الشخصية مع عبد الناصر وبن بلة وعرف عنه مساهمته الفعالة في نصرة الثورة الجزائرية وإمدادها بالأسلحة من داخل ليبيا فترة ثورتها من 1954 إلى 1962.

وهذا الدور والنشاط المحلي بتأثيره على كثير من الأمور ونشاطه القومي جعلته بناء على تعليمات وأوامر صريحة، كما تشير العديد من الوثائق في الدولة الليبية أيامها، تحت المراقبة من جهات الأمن بما فيها اتصالاته الهاتفية!.

فكيف والحال يشهد بأن البوصيري يعتبر من أبناء الملك والقريبين منه.. كيف يتوقع أن يتحرك لاستخدام نفوذه وعلاقاته في الدولة للإعداد لانقلاب ضد الملك.

هل هو انقلاب القصر أم غير ذلك. لكن ذلك حدث في الحقيقة وقد أفصح الكثيرون بأنه التقى مسؤولين وشخصيات في بيت عبد الله عابد ببنغازي ونوقش هذا الأمر بوضوح وكان البوصيري متحمسا للغاية.

بعض الحاضرين وافقه وبعضهم اعتذر واعتبر أن الموضوع يشكل أمرا خطيرا حين الإقدام عليه.

العديد من المعاصرين شهد أيضا بأن البوصيري كان حادا أحيانا في نقاشاته أو تصرفاته مع الملك أيضا ومع مسؤولي الدولة وبعض الولاة وقد نالهم منه إبعاد وإقصاء وعزل.

وحين سافر الملك للحج عام 1962 راجت معلومات مؤكدة علمتها شخصيا من السيد محمود الثني تشريفاتي الملك تلك الأيام بأنه في ظلال غياب الملك فتحت خزانته الشخصية وكانت تحوي أسرارا ووثائق خاصة وحامت الظنون تجاه البوصيري وتعامله في هذا السياق مع مخابرات دولة شقيقة مجاورة.

وكان ذلك تجاسرا بالغ الخطورة ويؤدي إلى التهلكة أيضا. وصل ذلك إلى الملك بعد عودته مع أخبار التجهيز للانقلاب.

عرف البوصيري أن المصدر هو صهره الفريق بوقويطين فقام بالاعتداء عليه أمام أنظار الملك والمسؤولين على رصيف ميناء طبرق حين وصلت الباخرة التي تقل الملك عائدا من الحج.

امتعض الحاضرون جميعا من هذا التصرف بمن فيهم الملك الذي أسرها ولم يتم بشأنها شيء. لاحقا سيشهد بيت الفريق محاولة تفجير ذات صباح سمعه أهل بنغازي واعترف الفاعل الذي سيكون أحد ثلاثة شاركوا في تفجير آبار البترول عام 1965 للفريق بوقويطين بأن البوصيري وشخصية أخرى من العائلة السنوسية من المحسوبين عليه كلفاه بذلك مقابل ثمن مادي. عفا عنه ولم تنله أية عقوبة.

كان الملك كعادته متسامحا وهادئا في مثل هذه الظروف وغض الطرف عن الموضوع وانتهى الأمر ومضت خباياه بوفاة البوصيري في حادث سيارته غرب اجدابيا في ابريل 1964.

هل كانت الدولة تشهد صراعات تحت الرماد؟.

وما الذي دعا البوصيري رحمه الله وأطرافا أخرى معه إلى التفكير في الانقلاب؟

وهل كانت لديه امتدادات في الداخل والخارج؟. خلايا مدنية أو عسكرية؟.

ولماذا توقفت بوفاته؟.

هل كان الخارج المجاور أو البعيد يعمل مع رجال الدولة ويحركهم لعمل شيء؟.

هل كانت بعض التنظيمات العسكرية امتدادا غير مرئي لتلك المحاولة؟.

لعل ذلك صحيح أو لعله بعيد بالمرة عن التخيل! كل ذلك توارى في الزمن وراء أطياف التاريخ وثناياه.

.. لكن بعد هذه الهزات في كيان الدولة تلوح الأطياف بقوة.

خرج تنظيم الرواد من عباءة تنظيم المقدم فوزي الدغيلي.

لم تنقطع المحاولات واقتربت إلى الحد الأخير من التنفيذ في النهاية على أيدي الملازمين الضباط الأحرار”.

__________________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *