يوسف عبدالهادي الحبوش

لقد ساهم ما أسلفنا في خلق جو من عدم الثقة انعكس بدون شك على سمعة الزعماء المحركين للعملية السياسية في غرب البلاد وفي مقدمتهم السيد السعداوي الذي قضى الأشهر الأخيرة من نفس السنة يجوب أقاليم الغرب بخطبه الرنانة المعتادة التي يهاجم فيها الامريكان والانجليز!!,

ولكنه أوغل فيها وبشكل غير معقول بهجومه العنيف على أعضاء الحكومة الذين وصفهم بأنهم اعوان الطليان وعملاء لبريطانيا وفرنسا, كما وسم أعضاء الهيئة التاسيسية بالخونة الذين باعوا وطنهم, مشيرًا للمفتي أبو الاسعاد بأنه كبير الخونة العميل في خدمة أسياده الأجانب, كما تجاهل في تلك الخطب أي ذكر لمسألة امارة ادريس السنوسي للبلاد!, والملفت أنه استقبل في جولاته تلك وعند عودته منها الى مدينة طرابلس باقل قدر من الحماس أو التشجيع كما سنرى.

ولعل من أشهر الأحداث أيضا والتي تدور حول حزب المؤتمر في تلك الأيام والتي تَحَمَل تبعاتها السعداوي استنادا على تصريحاته ومواقفه؛ هو إلقاء القنبلة على مقر جريدة الليبيلصاحبها المحامي والناشط البارز علي الديبالطرابلسي, حين بدأ الأخير بنشر مقالاته حول الأول في صحيفته تلك وأبرزها مقاله الشهير اللاذع والموسوم بـ🙁إلى الزعيم) وقد تناول فيه الطعن صراحة في مصداقية الشيخ السعداوي بالاسم, واعتبر أن كل ما يفعله الرجل هو مجموعة من الحِيَل والألاعيب التي عبثت بكيان الشعب وفرقت صفوفه ومزقت شمله, وأن الرجل قد أخفق في خططه الإخفاق الكامل وأفلس في سياسته الإفلاس التام (هكذا)..

مزيدًا من التخبّط

من خلال تتبع تلك الأحداث يدرك الباحث الجاد أن البروباجانداالتي افتعلها الشيخ السعداوي في تلك الأشهر لم تعد عليه بأية فائدة تُذكر, كما أنها صارت مصدر ازعاج للعاملين بجدية على خطة تنفيذ قرار الأمم المتحدة.

لقد أعلن أنصار السعداوي مرارًا أنهم على استعداد للقيام بأي تضحية وعنف للقضاء على أي تعاطف مع الحكومة!, ولعل اعتراف سكرتير السعداوي أحمد زارمنفسه في مذكّراته بأنه ألقى إحدى تلك العبوات الناسفة في طرابلس بعد مرور 20 سنة من القائها هو تأكيد على أن تلك التهم الموجّهة لجماعة المؤتمر الوطني لم تكن مجرد تلفيقات طالتهم من غرمائهم. كما أن هذا السلوك العنيف الذي انتهجه صبيان المؤتمر لم يكن وليد لحظته البتة؛

ولكنه نتج كرد فعل بدهي من تحريض زعيمهم المباشر والمستمر, سواء في اجتماعاته الخاصة أو ضمن تلك الخطب الناريّة التي لا يمل من إلقائها, والتي ولدت قسم كبير من الضغينة وحملة الكراهية التي أصبح صغار السن وتلاميذ المدارس يتجرعونها من قِبَل المعلمين اتباع المؤتمر والكتلة, لقد صار هؤلاء كأنهم يسعون للخراب بلا أدنى وعي أو شعور بالمسؤولية,

وبذا يصح القول أنه لولا وجود التيار العريض المعتدل والمعارض لصوت السعداوي من رجال طرابلس الحريصين على استكمال مسيرة الاستقلال وبناء الدولة؛ لرجعت البلاد تجر خيبتها إلى مربعها الأول, بل ومن المؤكد أنه سيحدث مالا تحمد عقباه, ومن المؤكد أيضًا أنه لو استعاد الشيخ السعداوي رشده للحظات عقلانية في تلك الأيام لسارت الأمور الى منحى خير مما ألت اليه وقتها, ولما كنا نجتر سموم التخوين إلى وقتنا هذا.

في تلك الأثناء وتحديدًا في 19 مايو من نفس السنة انطلقت زيارة الملك المقبل إلى الشق الغربي من البلاد, وحقيقة وكما تفيد المصادر المتظافرة فقد اظهر الطرابلسيون في كل المناطق التي زارها الملك عفوية صادقة في الترحيب به فقد استقبله في زليتن قرابة 8000 شخص, وفي الخمس قرابة 6000 شخص, دخل الموكب لمدينة طرابلس تحت أقواس النصر واكاليل الزهور وجريد النخل والعلم الليبي الجديد, كما اصطف أمام حشود المواطنين طوابير أطفال المدارس على جانبي ممر الموكب.

كانت الشرطة قد ابعدت قرابة 28 شخص من المحرضين ومثيري الشغب من شباب المؤتمر والكتلة الى المناطق الداخلية ريثما تنتهي الزيارة، ولكن وجود غيرهم من الدهماء المشاغبين الواقعين تحت تأثير الأفكار العنيفة للوطني والكتلة تفرقوا في الشوارع الرئيسيّة يهتفون بالشعارات المنددة بالفيدرالية, ولم تتمكن الشرطة من إبعادهم عن سيارة الملك.

وما أن تجاوز الموكب جامع السنوسية حتى ألقِيَت عليه قنبلة يدوية لم تنفجر, وانفجرت أخرى بالقرب من سيارته مسببة جروح لثلاثة من الشرطة وستة مدنيين, ولما توجه موكب الملك نحو القصر, عاد هؤلاء لتحطيم الزينات ونزع الأعلام من الشوارع, لكن ثبات الملك ورغبته في عدم إفساد جو الزيارة الأمر الذي سيعني نهاية وحدة البلاد عمليًا؛ فقد قرر استكمال برنامج زيارته كما خُطِط له رغم الحاح مرافقيه البرقاويين على إنهائها واقتصارها على مدينة طرابلس.

وبالفعل قضى الملك 10 أيام وصل فيها الى زوارة وصبراتة وصرمان والزاوية ثم إلى المقاطعة الوسطى فزار السواني والعزيزية وغريان ويفرن ثم ترهونة والقصبات والنواحي وبن غشير والقربوللي وتاجورا وختمت تلك الزيارة بمصراتة التي استقبله فيها حوالي 12000 شخص.

وفي غير مرة اضطر الملك إلى مخالفة البرنامج لحضور وليمة أو لقاء أمام الحفاوة والحماس الذي قوبل به في كل تلك المناطق, كما أجل الملك عودته ليومين حتى يتسنى له مقابلة عدد من المواطنين الراغبين في لقائه.

هذا ومن التصرف الذي لم يُحمد لبشير السعداوي الوقوع فيه أثناء تلك الزيارة ليس فقط تعمّد خلو مبنى مؤتمره الذي استقبل فيه الأمير قبل مدة ليس بالطويلة وكرر له من على شرفته الولاءمن أي مظهر من مظاهر الزينة التي اكتست كل مدينة طرابلس ترحيبا بالملك العتيد , أو حيرته التي وقع فيها بتجاهل ذكر إدريس ومسألة الإمارة ترضية لأنصاره؛

لكن أيضا ما انتقده الحاضرون منه (أي من بشير) بسبب وصوله إلى حفل الاستقبال الذي أقامه الملك في القصر لكبار الشخصيات وممثلي الهيئات مصحوبا بحوالي 50 من المؤتمريينالمشاغبين على دراجاتهم الهوائية والنارية والتي فرقتها الشرطة!.

هذا ومن الجدير بالذكر أن السعداوي تقدم بطلب لمقابلة الملك المقبل؛ وحظي بتلك المقابلة قبل مغادرة الملك لطرابلس, وقد اعتبر المراقبون أن الملك قد حط من قدر نفسه لما سمح لبشير بمقابلته, هذا ولم يعلم حتى الان ما كان لدى بشير ليقوله في ذلك الاجتماع؟!.

ومن الجدير ذكره أيضًا أن الشيخ السعداوي طار الى القاهرة بعد تلك الزيارة ليعود منها إلى طرابلس في السادس عشر من أغسطس؛ محدثا لغطا في طرابلس وحتى بين أنصاره بسبب طلبه الغير مفهوم من الحكومة المصرية التي دعاها إلى سؤال الأمم المتحدة تأجيل اعلان استقلال ليبيا!!

ورغم إنكار السعداوي ذلك بالقول, إلا أنه لم ينفي ذلك رسميا على صفحات صحيفته, كما أن تصرف الممثل المصري لمجلس ليبيا بالهيئة وبتأييد قوي من نائب السعداوي ميزرانالذي تقدّم رسميا بصيغة قرار بنفس المعنى في الاجتماع الأخير للمجلس دون نجاح؛ جعل من الصعب تقبّل نفيه للأمر, وطبعًا لن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يطلب فيها السعداوي عدم الاعتراف باستقلال ليبيا.

هذا وتفيد الوثائق البريطانية السرّية أن السعداوي دعا في اليوم التالي لعودته جميع أتباعه الرئيسيين ورؤساء الفروع والقياديين الى اجتماع هام في بيته, وقدّم خلال ذلك الاجتماع تقريرًا عن مهمته في القاهرة ومباحثاته مع عزّامورئيس الوزراء المصري, وباختصار ذلك التقرير؛

فإن تلك المباحثات انحصرت في محاولة النيل من وضع الملك ادريس السياسي, بل وصل الأمر إلى محاولة النيل حتى من سمعته واظهاره بمظهر لا يليق حين أبرز عزّام خلال الاجتماع صورًا للأمير إدريس خلال زيارته لبريطانيا في 1949 تظهره كمستهتر مرتديا قبّعة وجالسا على مائدة عليها أكواب الشراب!! … إلخ.

وقد عرض السعداوي الصور التي تأبطها من القاهرة على الحاضرين المجتمعين في بيته, واستطرد بشير قائلا: “إن عزام يقول أن الوقت متأخر لسحب الاعتراف بالأمير, ولكن على حزب المؤتمر أن يفوز بالانتخابات مهما كلّف الأمر, حيث سيصبح في موقف ُيمَكّنه من افشال أية مخططات بين الأمير وبريطانيا بشأن مستقبل ليبيا ..”، وقد قاطع السعداوي صوت عند هذه النقطة صارخا أنه إذا ما فشل المؤتمر في الفوز بالانتخابات فيجب إعلان الجمهورية في ليبيا!, وردّ مصطفى ميزران: “هذا ما نهدف إليه؛ جمهورية“. ..

يتبع

_____________

المصدر: صفحة علاء فارس على الفيسبوك

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *