العقيد : صلاح الدين أبوبكر الزيداني

مفهوم العقيدة العسكرية

لفظ العقيدة هو تعريب لكلمة Doctrineوهي كلمة لاتينية الأصل وتعني النظرية العملية والفسلفية وتترجم للعربية بمعنى مذهبوالكثيرين أتفقوا حول كلمة عقيدة“.

وقد ورد في المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية أن العقيدة هي الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده لذا فقد تكون الترجمة الحرفية للكلمة في أصلها اللاتيني هو السبب في تداخل المعنى لدى المتلقي والذي بدوره ساهم في خلط المفهوم العام لها مع العقيدة الدينية.

بالنسبة لنا نحن المسلمين عند الحديث حول العقيدة يتبادر إلى أذهاننا الحديث عن العقيدة بمفهومها الديني والتي تعني توحيد الله وطاعته وإخلاص العبادة له وهي بإجماع العلماء إيمان بالقلب وتصديق باللسان وعمل بالجوارح وفقاً لما بينه الله لعباده في كتابه العظيم وبينه رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام.

هناك بعض الباحثين من يعتبر أن العلاقة بين العقيدة الدينية والعقيدة العسكرية علاقة وطيدة وتعرف عملياً بالدافع من وراء القتال وخوض غمار الحرب بإعتبار أن الفرد المقاتل من أهم ركائز العقيدة العسكرية وبالتالي فهي متداخلة معها إلى حد كبير خاصة عندما يقاتل المرء تحت المعتقد الديني الذي يعد أقدم وأهم وأعز ما يقاتل من أجله الإنسان.

ولنا في أحداث التاريخ خير دليل على ذلك من حروب الفتح الإسلامي إلى الحروب الصليبية وغيرها ومع ذلك فهي تختلف عنها في مسألة هامة تتمحور حول أن العقيدة الدينية ثابتة لاتتغير بمرور الزمن والعقيدة العسكرية تتغير بموجب المصالح والتطورات التي تحدث عبر الزمن.

ولذلك حتى نصل إلى مفهوم العقيدة العسكرية وأهميتها وضرورة توفرها ينبغي أن نعي الفرق بين العقيدة في شقها الديني العقائدي وبين العقيدة العسكرية التي تتبناها دول العالم وتصيغها لجيوشها في الواقع كما نحتاج للتطور التقني ومواكبة التكنولوجيا في تجهيزاتنا القتالية من أسلحة ومعدات وفي جميع مناحي الحياة اليومية.

نحتاج أيضاً للتطور الفكري العسكري الذي عادة ما يصاحب تلك التطورات التقنية للوصول إلى الكيفية والأسلوب الأمثل لإدارة التطور التقني بمستوى مميز ومثالي من الأداء لإستخدام تلك التقنيات والتكيف مع ظروف ومستجدات التقدم العلمي والفكري العسكري وتطور السياسات المحلية والدولية وغاياتها ولذك نحتاج لتبني وصياغة عقيدة عسكرية خاصة تتلائم مع حاجات وتطلعات وظروف الدولة وجيش بلا عقيدة سيكون كدولة بلا دستور تحكمها الأهواء والآراء الشخصية التي قد تصيب ولكنها كثيراً ما تخطيء .

للعقيدة العسكرية تعاريف عدة وأغلبها تدور في فلك واحد ومفهوم واحد يراه كل أحد بطريقته الخاصة فالعقيدة العسكرية تعتبر بمثابة القانون الأساسي للدولة في المجال العسكري وهي التي تمنح المشروعية للعمليات العسكرية التي تقوم بها القوات المسلحة داخل الدولة وخارجها وتقوم بتوجيهها وضبط سلوكياتها وإجراءاتها أثناء تنفيذ مهامها كي لا تنصرف للكسب المادي للأهداف على حساب القيم الإنسانية والأخلاقية وهي المرجعية الثابتة التي تحدد دور الجيش في الأمة ومهامه في السلم والحرب وغايتها القصوى حماية البلاد والشعب من كافة الأخطار .

ظهر تعبير العقيدة العسكرية في معظم دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية وأصبح ذلك التعبير متداولاً بشكل واسع في اللغة العسكرية والأدبيات الرسمية منذ ذلك التاريخ وثبت بمرور الوقت وإختلاف النظم السياسية بأنه لايمكن إستخدام قوة الدولة الجيشكأداة وطنية ضاربة وحاسمة لضمان الأمن والأمان في الدولة.

ومنع الحروب والنزاعات الداخلية المسلحة والسيطرة عليها بدون عقيدة عسكرية واضحة ومتكاملة بكافة مستوياتها وفق قواعد وأسس منصوص عليها لا يمكن بأي حال من الأحوال الخروج عليها إلا بما تقتضيه مصلحة البلاد العامة ويتم تطويرها كل فترة وأخرى بما يتماشى مع حالة الدولة وظروفها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية وحالة الموقف الدولي العام وما تقتضيه المصالح المشتركة بين الدول.

ستكون مقالتي هذه مسلسلة وعلى شكل أسئلة كانت تراودني وربما تكون قد راودت عقول الكثيرين من أبناء المؤسسة العسكرية الليبية العريقة حول العقيدة العسكرية وسأقوم بالرد عليها من خلال رؤيتي للموضوع مستعيناً بآراء خبراء دراسات الفكر العسكري في العالم وكتاباتهم بالخصوص لنصل للسؤال الأهم وهو هل يمكننا صياغة عقيدة عسكرية وطنية ليبية خاصة ؟

والإجابة على هذا السؤال تتشارك فيها القيادة السياسية والعسكرية للدولة الليبية وتتطلب إستقلالية تامة في القرار ليكون ملبياً للمطالب والتطلعات في بناء جيش ليبي واحد يستمد قوته من خلفيته التاريخية وعقيدته الخاصة به لأنه من المفترض أن تتوقف عليها عمليات التدريب الأساسية والمتقدمة وتكون قاعدة تؤطر إحتياجات الدولة من مختلف أنواع الأسلحة وتكون ملائمة لظروف الدولة وإختلاف جغرافيتها وطبيعة العمليات العسكرية المتوقع أن تخوضها وأن تعمل على جعل تلك العقيدة التي يكون فيها الولاء لله ولليبيا هو الأساس الذي يزرع في نفوس العسكريين وقلوبهم بعيداً عن الجهوية والمناطقية والقبلية .

أهمية العقيدة العسكرية

نظراً لما تحمله العقيدة العسكرية من إعتبارات معنوية وتنظيمية وفكرية للجيوش تخصص بعض الدول إدارات وهيئات للعقيدة العسكرية ضمن تنظيم قواتها المسلحة وجيوشها وتتمثل أهمية العقيدة العسكرية في ما يلي :

  • تعتبر الدليل الأساسي لتنظيم وتدريب القوات المسلحة في مختلف المستويات

  • تعتبر الدليل الرئيسي لإعداد وبناء وتطوير القوات المسلحة وتجهيزها واستخدامها في الحاضر والمستقبل.

  • تعتبر المنطلق الأساسي لأية عملية عسكرية تقوم بها القوات المسلحة مهما كان نوعها أو حجمها في الداخل والخارج.

  • تعتبر القاعدة الأساسية لتوحيد جميع مفاهيم العسكريين تجاه نوايا استخدام القوات المسلحة للدولة فهي الدليل الموحد لجميع الأعمال والنشاطات العسكرية على جميع المستويات في الدولة.

هناك بعض التساؤلات التي تدور في عقول أبناء الوطن ومن الطبيعي أنت تراودهم هذه التساؤلات وهي :

من يشرع للقوة العسكرية أن تتحرك للقتال ؟
ومتى يحق لها فعل ذلك ؟
وكيف يتحقق ذلك عملياً ؟

الإجابة عن الفقرة الأولى (من؟) من التساؤلات هي من حق واضعي عقيدة الدولة في جانبيها السياسي والعسكري وعادة ما تكون السلطة السياسية العليا في البلاد هي التي حالة إعلان الحرب وفق الاجسام السياسية التي تصنع القرار في الدولة.

أما إجابة التساؤل (متى؟) فهي من حق القيادات والمسئولين عن عقيدة الدولة في جانبها السياسي حيث تحدد الاخطار والمسائل التي تستدعي التحرك ومباشرة القتال ليتحدد بعدها الوقت الذي ستبدأ فيه القوة العسكرية بالعمل والتنفيذ.

أما الإجابة عن التساؤل الثالث (كيف؟) فهي من حق القادة العسكريين وصناع العقيدة العسكرية والقتالية في الجيش الذين يرسمون للقوات العسكرية والقادة باختلاف مستوياتهم الأسلوب الأمثل للوصول للأهداف بأقل الخسائر المادية والبشرية ويكون ذلك بإختيار الأسلحة والأساليب التي تساهم في تسهيل حركة القوات العسكرية وتذلل لهم الصعاب لاداء مهامها متحاشية خرق القيود العقائدية الدينية والسياسية والأخلاقية وقواعد القانون الدولي الانساني والقانون الدولي العام.

وبناءاً على ما تقدم نجد أن العقيدة العسكرية تُكون مجموعة المبررات والمنطلقات الإنسانية والدينية والأخلاقية والقناعات الفكرية. المنضبطة التي تمنح المشروعية للقوات العسكرية للقيام بعمل ما.

ويبقى السؤال الأهم وهو (لماذا نقاتل ؟) ولمن يجب أن يوجه هذا السؤال ؟
هذا السؤال تجيب عنه العقيدة العسكرية ويجب أن تكون إجاباتها محللة ومبينة للكثير من المعضلات التي قد تؤدي إلى فهم خاطئ لمدلولات العقيدة العسكرية ويجب ان لا نسئ فهمها ونخلطها بالعقيدة الدينية التي جوهرها التوحيد كاناس ندين بالاسلام والحنيفية السمحاء.

وهناك عدة إجابات مشروعة للشق الاول لهذا التساؤل منها :
*للدفاع عن الأمة والوطن والثروات والمقدرات والمكتسبات .
*لنصرة المظلومين وإعانتهم على استرجاع حقوقهم المسلوبة.
*لإعلاء كلمة الله.
*للدفاع عن الأنفس والأعراض والأموال.
*للدفاع عن الحق والعدل والحريات العامة.
*لاسترجاع الحقوق المسلوبة.
وبالمقابل هناك إجابات مستبعدة وغير مشروعة تستبعدها العقيدة العسكرية ومنها:
*القتال للاستيلاء على الشعوب والثروات والتوسع الإقليمي .
*القتال لإكراه الناس على قبول دين معين أو نظم سياسية محددة .
*القتال لإكراه الناس على قبول التعايش وفق نظم اجتماعية واقتصادية محددة.
*القتال لكسب الأمجاد الفردية أو القومية.
وهذا السؤال يجب ان يوجه للمسئولين والساسة قبل القيادة العسكرية فالحرب جزء مهم من سياسة الدول وتعتبر آخر صور الحلول المتاحة لفض المنازعات الداخلية والخارجية لكنها في عالم اليوم تقفز لتكون اولها لتطيح بالسلم والامن الوطني والاقليمي والدولي.

يتبع

***

هذا المقال جزء من بحث بعنوان (رؤية حول صياغة عقيدة عسكرية وطنية للجيش الليبي) شارك به الكاتب في المؤتمر العلمي الأول للجيش الليبي وورشة العمل الأول بكلية القيادة والأركان بالتعاون مع الأكاديمية الليبية للدراسات العليا.

_________________________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *