سالم الكبتي

كانت الدفعة الثانية في الكلية العسكرية الملكية أكبر دفعة ضمتها الكلية تلك الأيام. فاقت الخمسين طالبا أصبحوا ضباطا جددا في الجيش ونالوا رتبة ملازم ثان يوم التخرج في التاسع من أغسطس 1960.

حفل التخرج رعاه الأمير الحسن الرضا ولي العهد. وزع شهادة العلوم العسكرية على الطلبة فردا فردا. كان الطالب آدم أحمد الحاسي أول دفعته وفي مراسم تسليم واستلام الراية إلى الدفعة الموالية وهي الثالثة في ذلك الحفل استلم الطالب جمعة عوض إدريس تلك الراية وسيكون عام 1961 في مقدمة طلبة دفعته.

في تلك الدفعة الثانية كان قد بقى بعض من طلبة الدفعة الأولى السابقة للإعادة. لم يحالفهم حظ التخرج عام 1959 منهم محمد علي جعودة وعبد الحميد منصور الدغيلي ومفتاح الحويج.

ولأنها الدفعة الكبيرة في ثاني عام دراسي للكلية بحكم الإقبال على الالتحاق بها من الشباب الذين انبهروا بالحياة العسكرية.. ضمت مجموعات مختلفة من الملتحقين من كافة المدن والمناطق في ليبيا دون استثناء في القبول.

كان هناك طلبة من بنغازي ودرنة وجردس العبيد والزاوية ومصراتة وطرابلس وسوسة ويفرن وزوارة واجدابيا والمرجوغيرها. كان بعض من هؤلاء الطلبة أيضا ممن درسوا وتخرجوا في معهد المعلمين في بنغازي على سبيل المثال ونالوا دبلوم المعهد ليُنسبوا معلمين في المدارس، لكنهم آثروا التوجه للحياة العسكرية الجديدة وأتاح لهم نيل الدبلوم نظام العامين فرصة الانضمام للكلية التي لم تكن تدقق كثيرا في شرط الحصول على الشهادة الثانوية العامة، أو التوجيهية كما عرفت أيامها، وظلت تكتفي بما يعادلها أو يقاربها.

وكان بعضهم اشتغل معلما في نواحي منطقته وترك المهنة بدوره والتحق بالكلية ليتخرج من بعد ضابطا في الجيش.

ظل طلاب الكلية العسكرية يحققون إعجابا في (المجتمع المدني) ويبهرون البصر ويزيدون من إحساس البعض بأن يكونوا مثلهم.

لوحظ ذلك عند تجولهم وحركتهم مساءات الخميس في بنغازي بقيافتهم العسكرية الخاصة بالخروج وهم يمسكون بعصي الشرف وحقائب صغيرة في أيديهم ويتواجدون أيضا بحجوزات مسبقة في المباريات الرياضية التي تُجرى في الملعب البلدي أو ملعب البركة ويجلسون على مقاعد داخل سياج الملعب وفي صالة سينما ركس أو برنتشي لمشاهدة الأفلام الجديدة.

فيما كان بعضهم يخلع ملابسه العسكرية ويتجه بلباسه المدني لقضاء وقت في صالة الألومبيا.

وفي حفلة أم كلثوم عند حضورها إلى بنغازي في مارس 1969 كان لهم قصب السبق في الحجز من الكلية في أماكن خاصة. هذا الاندهاش بمرأى هؤلاء الطلبة كان يقوي الحماس ويزيده لدى آخرين ممن يتطلعون للالتحاق بهم.

النزوع نحو العسكرية تعاظم كثيرا في صفوف الشباب خاصة بعد أحداث يناير 1964 وما تلاها. كانوا يرون في الجيش مؤسسة وطنية قد تحقق حلما يدفن في الأعماق ويمكن بواسطتها أن تتحقق الآمال التي أنجزت بواسطة الجيوش في بلاد مجاورة. ذلك كان السائد في المنطقة على وجه العموم.

فتح التواجد لطلبة الدفعة الثانية بما يحويه من جانب مناطقي واجتماعي الاحتكاك بينهم وسهل العلاقة المفتوحة بينهم بالمزيد من التعارف على الأوضاع العامة في البلاد وخلق أجواء عديدة من الانسجام بينهم بكل يسر، وزادته رفقة السلاح ومعاناة التدريب والدراسة والنظام العسكري مزيدا من التأثير.

صيف 1960 الذي وقع فيه التخرج تزامن مع المنشور الشهير للملك إدريس (بلغ السيل الزبى) الذي أكد فيه ملاحظته ومتابعته للفساد الذي بدأت صوره وأشكاله تتفشى في الدولة ذات التسع سنوات من الاستقلال.

الرائحة أخذت في الانتشار مع قرب انتشار رائحة البترول في الحقول والساحل.

الكثير من المسؤولين والمواطنين رأوا بأن الملك من خلال منشوره وهو الأول له منذ إعلانه الاستقلال الذي يشير فيه إلى الفساد والانحراف في الدولة كان صريحا ولعله من جهة أخرى قصد بعض (الرؤوس الكبيرة) القريبة منه وعلى مستوى حاشيته الخاصة وإن لم يفصح عنها. لكن الرسالة وصلت في كل حال.

وثمة شيء آخر، إضافة إلى ذلك، ما لاحق إنجاز مشروع طريق فزان الذي تولته شركة عبد الله عابد السنوسي وأطاح بحكومة عبد المجيد كعبار بحجب الثقة عنها من قبل البرلمان.

ثم ما اعترى التجهيز لحفل تسليم الرايات ذلك العام لوحدات من الجيش في المرج الذي كان من المقرر أن يرعاه ويحضره الملك شخصيا، ولكنه نُصح في اللحظات الأخيرة بعدم المجيء والمشاركة.

كان مقررا أن يتم القبض عليه وعزله في الجغبوب وتولي السلطة من قبل بعض قادة الجيش.

هذه المشاهد السياسية والعسكرية لعلها كانت ماثلة في أذهان هؤلاء الملازمين حديثي التخرج الذين تصادف تخرجهم من ساحة الكلية مع طرق أسماعهم حكاياتٌ عن هذه التداعيات في البلاد.

لم يكن في الغالب ماثلا في تفكيرهم، باستثناء البعض، أي فكر قومي أو تيار خارجي آخر تأثروا به أو انساقوا وراء دعايته. كان الهدف محليا صرفا ولم يغلب عليه أي طابع سواه.

يُعد تنظيم الدفعة الثانية ثاني تنظيم يتحرك سريا داخل الجيش بعد تكوين التنظيم الأول في العراق عام 1956. انطلق تنظيم الدفعة من مجموعة من طلبتها ولكن بعد تخرجهم. ربما كان يعتمل في النفوس داخل أسوار الكلية في بوعطني ولكنه ظل غير متاح خلالها أو صعبا وبعيد المنال بالمرة.

وبدافع الانتماء لهذه الدفعة والافتخار بها تحقق التنظيم بعد التخرج ويسر ذلك وجود الصداقة التي تكونت أثناء الدراسة والتدريب، فوجدوا أنفسهم في هذا التنظيم السري الجديد في حياة الجيش وشرعوا في العمل على هذا النحو.

السيد محمد علي جعودة، أحد أعضاء هذا التنظيم، في روايته المباشرة لي في بيته في بنغازي يوم الثاني من مارس 2004 أشار إلى أن نواة التنظيم تشكلت من عمر قويدر (صاحب الفكرة وقائد التنظيم) ومحمد علي جعودة و الصالحين الجوهري وأحمد هويسة ومحمد السيد الفار ويوسف ساسي. فيما التحق خريجون آخرون بتنظيمات موازية.

ظل التنظيم يجتمع في منزل قويدر عدة مرات وبعيدا عن الأعين واتفقوا على أهدافهم وخطة التغيير بضم المزيد والعمل في منتهى السرية والكتمان، وبعد مضي فترة من الزمن ذاع سر التنظيم ولم يعد سرا!!

لقد وصل ذلك السر إلى الزعيم جبريل صالح أحد ضباط الجيش الكبار وآمر اللواء الأول. وشى بالتنظيم أحد أعضائه ونقل التفاصيل للزعيم بالكامل عام 1967.

وبهذا انقطعت أوصاله. تفرق أصحابه نتيجة للخرق الذي أصابه مع ملاحظة أن قيادة الجيش (تسامحت) في حق هؤلاء الأعضاء ولم تقم حيالهم بأي شيء يذكر.

كان من الغريب أن تتم الوشاية أو (الخيانة) من أحد الرفاق وأعضاء التنظيم، كما يقول جعودة، وأسهم ذلك في اتساع رقعة الحساسية وعدم الثقة وضرب أغلب هؤلاء صفحا عن التفكير في إعادة القيام بأي فعل جديد، فالترك أسلم في كل الأحوال.

غير أن بعضهم لم يستنكف وواصل الانضمام إلى تنظيمات أخرى.. لم تهدأ داخل الجيش في تلك الأعوام. منها تنظيم جديد سينشأ مطلع عام 1968.. ويستمر إلى حين ويتوقف بدخول البعثة العسكرية الأمريكية في الجيش الليبي.. على الخط مباشرة؟!

______________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *