بقلم مفتاح فرج

البداية

في يوم خميس من شهر فبراير 1962 طلب رئيس أركان الجيش الليبي اللواء نورى الصديق بن إسماعيل من مدير مكتبه إحضار رئيس شركة أوكسيدنتال للبترول الأمريكية آرمند هامر (1898 – 1990) من مطار لبرق القريب من مدينة البيضاء ثم أخذه الى قصر السلام بطبرق لمقابلة الملك محمد إدريس السنوسي.

تبعد مدينة طبرق حوالى 300 كيلومتر عن مطار لبرق ذو الأمكانيات المتواضعة حيث كانت الطائرات تهبط به مسترشدة بفتيلة دخان. كان رئيس الأركان يذهب إلى بيته في بنغازي يوم الخميس ويبقى هناك حتى السبت صباحاً فيرجع إلى مكتبه.

حضر هامر، والذى كان مكلفاً بمهمة خاصة وسرية من إدارة الرئيس الأمريكي جون كنيدي، بطائرة خاصة من جزيرة كريت اليونانية وبرفقته سكرتير. استقل هامر وسكرتيره والطيار سيارة مرسيدس 300 لها ساتر زجاجي بين السائق والكرسي الخلفي.

عند الساعة السابعة مساءً وصل الوفد الأمريكي إلى قصر دار السلام وكان فى استقباله عند الباب الخلفي للقصر البوصيري إبراهيم الشلحي (توفى في حادث سيارة في أبريل 1964 وعمره ثلاثة وثلاثون عاماً) ناظر الخاصة الملكية والدكتور على الساحلي رئيس الديوان الملكي.

كان هامر يعتمر قبعة كبيرة ويرتدى حذاء ذا كعب عال مثل أحذية الكاوبوي. اقتاد البوصيري ضيفه إلى الدور الثاني لمقابلة الملك محمد إدريس محمد المهدى السنوسي (1890-1983) ودامت المقابلة نحو ساعتين ونصف عاد بعدها هامر إلى مطار لبرق واستقل طائرته مغادراً البلاد وكانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل.

وقد يستغرب البعض زيارة شخصية مثل آرمند هامر لمقابلة الملك إدريس شخصياً بهذا الشكل. ولكن الذي يفسّر هذه المقابلة والإجراءات الترتيبات الأمنية غير المعتادة التي اتخذت حيالها كونها زيارة سرية ذات طبيعة خاصة. كما يفسرها الوجود المكثف للقوات العسكرية والاستخباراتية الإنجليزية في منطقة طبرق والمنطقة المحيطة بها.

بعد عدة أيام التقى علي الساحلي بصديق له عند مقهى علي الطيرةقرب مدينة المرج وحكى له ما تم في تلك المقابلة فقال: “كان هناك جدال بين الملك والأمريكي وهو شخصية تحظي بثقة عالية عند الرئيس كنيدي وهو الذى أرسله، وهو إلى جانب عمله كخبير بترولي ورئيس شركة كبيرة هى أوكسيدنتال، يعمل في وظيفة خفية في الإستخبارات“.

بدأ (آرمند هامر) حديثه بأن سلم على الملك ثم تقدم إليه بطلبات قائلا: يامولانا، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، أى منذ بداية تصدير البترول، صار لكم رصيد لا بأس به من العملة الصعبة، وسيزداد مع الأيام سواء بارتفاع السعر او زيادة الضخ.. ولهذا فإن حكومتنا (الأمريكية) تطلب من جلالتكم أن تخصموا من مستحقاتكم نسبة كذا (حددها) من السنتات لمساعدة الدول الفقيرة فى أفريقيا، ولن يؤثر ذلك على دخلكم“.

كان رد الملك واضحاً وقاطعاً مذكراً إياه بعدة نقاط نقلها مستشار ومترجم الملك د. عوني الدجاني إلى هامر قائلا:

أولا: بلادنا في أول أطوار البناء والإصلاح وقد بدأنا في خطة تنمية وإسكان.

ثانياً: لقد تضررت ليبيا أكثر من أي بلد آخر بسبب الاستعمار الإيطالي بجانب ما لحق بها من تدمير للمنشآت بسبب معارك وقعت على أراضيها.

ثالثاً: إن هناك دولا عربية ساندتنا أيام محنتنا هى أولى بالمساعدة.

رابعاً: مَن أفـقر أفريقيا ونهب ثروتها وأخذ أبناءها عبيداً؟

خامساً: إننا لو فكرنا في هذا الأمر فإنه من الضروري عرضه على البرلمان مثل الكونجرس عندكم.

عند نزوله السلم كان هامر في غاية الغضب وتعثر مرتين وسمعه الساحلي يقول: “هذا البلد لا يحتاج إلى كونجرس، نحن نريد شخصاً واحداً نتفاهم معه.” وكان تعليق الساحلي لصديقه في مقهى علي الطيرة: “أنا والله خفت من هذه الكلمة الأخيرة، إنهم قد يدبروا إنقلاب لنا، الأمريكان دول مجانين“.

وها هى تمر السنون ويحقق النظام الحاكم في ليبيا طلبات أمريكا بالكامل وزيادة، ويضع إمكانيات الخزانة الليبية تحت تصرف السياسة الأمريكية في أفريقيا، ولعل آخرها كان في شهر أبريل 2006 عندما أمر العقيد القذافي بتخصيص خمسة مليارات دولار زيدت إلى ثمانية مليارات دولار سنة 2007 – لصرفها على مشاريع استثمارية في أفريقيا دونما استشارة لـبرلمانأو مؤتمر شعب عامأو حتى كونجرس“.

وكلف القذافي كلا من بشير صالح (سكرتير قلم القائد) والخبير المصرفي محمد حسين لياس للإشراف على توزيع هذه الأموال. والقذافي لا يفعل هذا حباً في أفريقيا أو الأفريقيين وإنما إرضاءً لأمريكا ونكاية في الشعب الليبي، وتوهماً منه أنه يبني قوة عظمي إسمها الولايات المتحدة الأفريقيةسوف ينصب هو أول رئيس لها مدى حياته.

ولا يسعنا الا أن نذكر هنا أحد المواقف النبيلة والمشرفة للملك إدريس والحكومة الليبية وكان ذلك أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي الأول بالقاهرة فى يناير 1964 حين تبرعت ليبيا بمبلغ 55 مليون دولار لصالح المجهود الحربي العربي، بينما تبرعت السعودية بمبلغ 40 مليون والكويت بمبلغ 15 مليون.

كان الرئيس جمال عبدالناصر في غاية السرور، مما جعله يقترح أن يكون الضابط الليبي وعضو الوفد الليبي في مؤتمر القمة العقيد الركن رمضان مصطفى صلاح أحد مساعدي الفريق علي عامر القائد العام للقيادة العربية الموحدة وزميلاً للفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان الجيش المصري فيما بعد استشهد الفريق رياض يوم الأحد 9 مارس 1969 وهو يتابع بنفسه سير المعارك على جبهة قناة السويس.

وقد حظي الملك إدريس بحفاوة واهتمام كبيرين من الرئيس جمال عبدالناصر أثناء زيارته للقاهرة لحضور مؤتمر القمة العربي الثاني الذى عقد بالإسكندرية في الفترة من 5 إلى 11 سبتمبر 1964. وكان برفقه الملك إدريس رئيس الوزارء محمود المنتصر الذى عين خلفاً لمحي الدين فكيني الذى أقيل عقب أحداث يناير 1964 الطلابية.

عقد مؤتمر القمة العربي الأول في القاهرة ما بين 13 و17 يناير 1964 بناء على طلب من الرئيس جمال عبدالناصر الذى كان قد ألقى خطاباً في بورسعيد يوم 23 ديسمبر 1963 ـ كعادته كل سنة بمناسبة عيد النصر ـ طالب فيه بضرورة عقد اجتماع للرؤساء والملوك العرب لبحث التهديدات الإسرائيلية بتحويل مجرى مياه نهر الأردن. وقبل اجتماع القمة العربية اجتمع رؤساء أركان حرب الجيوش العربية في القاهرة، باستثناء ليبيا، يوم الخميس 26 ديسمبر 1963.

التجنـيد

بعد مقابلة آرمند هامر للملك إدريس، وبعد أن فشلت أمريكا في استمالة ولي العهد السيد الحسن الرضا السنوسي (1928- 1992) أثناء زيارته لأمريكا في الفترة من 15 إلي 24 أكتوبر 1962، بدأت المخابرات الأمريكية تبحث عن عملاء لها في الوسط المدني والعسكري. لقد كان لأمريكا ثلاثة أهداف رئيسة في منطقة الشرق الأوسط:

أولها: محاصرة المد الشيوعي والقضاء عليه بعد أن قلصت بريطانيا قواتها ونفوذها في المنطقة خصوصاً بعد حرب السويس سنة 1956. والثاني: ضمان تدفق النفط. والثالث: ضمان بقاء وتفوق الكيان الصهيوني في فلسطين. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف كرست أمريكا جهدها لإقامة حكومات تدين لها بالتبعية في المنطقة.

وبعد اكتشاف النفط في أبريل 1959 أصبحت ليبيا هدفاً للهيمنة والأطماع الأمريكية. في بداية الأمر اهتمت المخابرات والسفارة الأمريكية بقيادة السفير ديفيد نيوسم (الذى شغل منصب سفير من 16 أكتوبر 1965 إلى 21 يونيو 1969) بالضباط خريجي مدرسة الزاوية العسكرية وبعض ضباط كتائب طرابلس وأغلبهم برتبة نقيب أو رائد، وفتحت لهم بوابة قاعدة الملاحة (ويلس) بطرابلس بأن أنشأت عدة بارات ومراقص كان أشهرها بار كريزي هورس حيث يذهب الضباط من جيش وشرطة لاحتساء الخمور ومجالسة الفتيات،

وكانت أكثر المشروبات تقدم للحاضرين مجاناً أو بأسعار رمزية زهيدة، وزرعوا بين الضباط رواد تلك الأماكن عملاء عرباً أغلبهم فلسطينيون، كل هذا لأجل مراقبتهم واختيار من يصلح منهم للتعاون والدعم، ولكن السلطات الأمريكية نفضت أيديها عن أولئك الضباط بعد ما أدركت أن أغلبهم لا يصلح للمهمة.

سببت مسألة تردد ضباط ليبيين على قاعدة الملاحة ازعاجاًً وقلقاً شديدين للواء نوري الصديق بن اسماعيل رئيس أركان الجيش الليبي، فأصدر قراراً في بداية 1962 وزع على المعسكرات يمنع الضباط من ارتياد الحانات.

كما كلف الإستخبارات العسكرية والشرطة العسكرية بمراقبة مداخل القاعدة وحصر المترددين على القاعدة من العسكريين الليبيين خصوصاً الذين يترددون على حفلات الشواذ.

بعد فترة وجيزة اكتشف ضباط المراقبة بقيادة المقدم نصرالدين هامان نائب رئيس الإستخبارات العسكرية ومسؤول إستخبارات طرابلس أموراً كثيرة أثارت الريبة والشكوك، وكان ثلاثة من الضباط الليبيين قد استقالوا من الجيش وتسلموا وظائف في القاعدة.

نجح الأمريكان في تجنيد أربعة ضباط من الرتب الصغيرة أثناء وجودهم في أمريكا لحضور دورات تدريبية، ورسب أغلبهم في الإختبار العملي مثل نوري شعلان (وهذا هو اسمه الحركي لدى المخابرات الأمريكية) والمعروف بتهوره وحبه للظهور، والذى كشفته المخابرات المصرية بكل سهولة في يوليو 1966 أثناء وجوده في القاهرة في مهمة ساذجة لجمع معلومات عن الجيش المصرى للمخابرات الأمريكية.

عند وصوله إلى مطار بنغازي قادماً من القاهرة هرع شعلان إلى اللواء نوري الصديق رئيس الأركان ـ الذى كان في المطار آنذاك لاستقبال رئيس الأركان التركي ـ وسرد له تفاصيل ما كان يفعل في القاهرة ظاناً أن الضباط المتجمعين في المطار كانوا في انتظاره للقبض عليه.

أدلى شعلان باعتراف كامل حول مهمته وحكم عليه بالحبس سنة وإخراج من الجيش وذلك بحسب مادة في القانون المدني رأفة بحاله. واصل الأمريكان محاولاتهم لإيجاد من يحقق رغباتهم في ليبيا. فقد شعروا أنهم إذا لم يتحركوا بسرعة فسيؤول الحكم لا محالة للعقيد الركن عبدالعزير إبراهيم الشلحي.

فقد تأكدوا أن العقيد الشلحي الذى يتمتع بكفاءة عسكرية وحائز على ثقة الملك إدريس ـ الذى كان يكلفه بالمهام الخاصة ـ كان يعد العدة لتولي الحكم عبر إنقلاب سلمي. كما أن له ميولا قومية ولربما فطنوا لاتصالاته بالقيادة المصرية. والجدير بالذكر أن اتصالات وزيارات الإخوة الثلاثة: البوصيري وعبدالعزيز وعمر الشلحي لم تنقطع بمصر وبالرئيس جمال عبدالناصر.

***

يتبع

_____________

المصدر: كتاب المؤامرة والخديعة: خبايا وأسرار حركة الضباط الوحدويين الأحرار في سبتمبر “1969” ضمن سلسلة حان الوقت ليعلم شعبنا الليبي.

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *