سالم الكبتي

الجيش في وحداته ينهض مع الفجر وأغلب الناس نيام. البوق يصدح عبر أرجاء الثكنات. ثم الرياضة اليومية والهرولة والتمام اليومي والتدريب والواجبات. وغير ذلك من أمور عسكرية روتينية معتادة في كل جيوش العالم.

الجنود في عنابرهم أو تدريباتهم لا يعرفون أحيانا ما يدور خلف الستار إلا في اللحظات الأخيرة. يؤمرون ويقحمون وينفذون. الجنود كانت تنتظمهم عوامل الضبط والربط والطاعة. تلك قواعد الجيش لا مناص منها ولا محيد عنها بأي صورة من الصور.

في أواخر أكتوبر 1961 قام الملك إدريس بتدشين أول ميناء بترولي ليبي في مرسى البريقة. كانت الذكرى العاشرة لإعلان الاستقلال تقترب في ديسمبر. وكان ثمة اعتقالات في يوليو الذي مضى طالت تنظيم حزب البعث في ليبيا. وراجت من جهة أخرى أقاويل وإشاعات بأن الاحتفالات التي أقيمت في بنغازي يوم التاسع من أغسطس ذكرى تأسيس الجيش.. قاربت أن تشهد التباسات ومشاكل وأن هناك تفكيرا لتفجير المنصة التي كان بها ولي العهد وبجواره رئيس الوزراء محمد عثمان الصيد والفريق محمود بوقويطين قائد قوة دفاع برقة واللواء السنوسي الأطيوش رئيس أركان الجيش.

وحين ألقى رئيس الوزراء خطابه لم يصل إلى المواطنين الحاضرين وإلى البث الرئيسي في الإذاعة.

طارت اتهامات ربما من بعيد لحقت أطرافا في الجيش. هذا ما تردد بقوة لكنه خفت مع الأيام. ذلك الصيف شهد تداعيات أخرى تمثلت في إلقاء القبض على السيد عبد القادر العلام الوزير والسفير وآخرين معه بتهمة تنظيم الوطنيين الأحرار إضافة إلى الشاعر محمد منصور المريمي بتهمة تفجير أنابيب مياه الدبوسية في الجبل الأخضر إلى درنة فطبرق حيث يتواجد الملك.

وكذا القبض على محمد عبد الرازق مناع و إبراهيم حماد حول مخطوط كتاب ليبيا في مفترق الطرق.

أحداث مدنية سياسية كانت واضحة في بعضها وغامضة في جانبها الآخر ولم تظهر كل تفاصيلها إلى الناس على المستوى العام أو الصحفي وغيرهما. تبودلت الأحاديث حولها في المقاهي ثم توقفت كالعادة.

وخلال هذه الفترة المذكورة مع هذا الغليان الهاديء، إن صح التعبير، كان الجيش في بعض تفاصيله وحياته اليومية غير بعيد بطريقة لم تكن مباشرة عن ذلك الذي يجري في البلاد.

وسط هذه الأحداث سرت أنباء عن حركة تمرد في صفوف الجيش لأول مرة شهدتها حامية المرج التي تسلمها الجيش الليبي من القوات البريطانية عام 1956. كانت حامية مهمة وتضم العديد من الوحدات والأسلحة والضباط والجنود.

هذا التمرد العسكري الذي ضم ضباطا يكادون بهذا الشكل ينتظمون في تنظيم عسكري وإن لم يكن ظاهرا بصورة جلية.. حدث نتيجة لإقالة اللواء السنوسي الأطيوش من رئاسة أركان الجيش التي تولاها عام 1958 بعد انتهاء عمل البعثة العسكرية العراقية في ليبيا. وبدله عين نائبه اللواء نوري الصديق. فيما صدر مرسوم ملكي بتعيين الأطيوش سفيرا بوزارة الخارجية. مباشرة من الحياة العسكرية إلى الحياة الدبلوماسية.

اللواء الأطيوش كان آخر ظهور علني له في حفل تدشين ميناء البريقة. لم يكن في المنصة الرئيسية مع الملك حيث تواجد الفريق بوقويطين. كان الأطيوش يجلس مع المسؤولين والسفراء بلباسه العسكري في منصة مجاورة تضم المدعوين لحضور المناسبة.

كان من أوائل المنتسبين للجيش السنوسي منذ تأسيسه عام 1940. وأصبح أحد ضباطه وشارك في عملياته مع قوات الحلفاء. وظل يتمتع بثقة واحترام الملك منذ تلك الأيام مع ابن عمه الشيخ صالح الأطيوش.

فيما بعد أصبح في سلك قوة دفاع برقة وبعد الاستقلال عين من قبل الملك عضوا بمجلس الشيوخ لكن فترته لم تطل لصغر سنه. عين بدله الشيخ أحميدة المحجوب. وألحق الأطيوش بالجيش الذي بدأ يشهد تنظيما من جديد في صفوفه وملاكاته. لم يعد لقوة الأمن. كان ثمة حساسية لاحت في موضوع التراتبية العسكرية مع زميله في الجيش السنوسي محمود بوقويطين الذي ظل في تلك القوة واتجه الأطيوش إلى الجيش.

نشأت حركة التمرد نتيجة للإقالة وتداعياتها من الضباط الذين تعاطفوا مع قائدهم الأطيوش وأغلبهم كان من خريجي مدرسة الزاوية العسكرية التي أشرف الأطيوش شخصيا على قبول المنتسبين إليها عند افتتاحه عام 1954 وضباط آخرين وبعض ضباط الصف.

استدعي الأطيوش إلى طرابلس تلك الأيام وحدثت مناقشات حول الموضوع الذي ألهب الجيش وقارب أن يعصف به مع الملك الذي كان في طرابلس ورئيس حكومته محمد عثمان الصيد وانتهت بقبول الأطيوش قرار الخروج من الجيش. بعد حوالي ثلاث سنوات سيشارك في عدة حكومات وزيرا للمواصلات.

وللقصة خلفية سابقة ربما تركت بعض الظلال على ما وقع.

ففي العام السابق 1960 كان من المقرر إقامة حفل في حامية المرج (دائما هذه الحامية ساخنة!) يحضره الملك ويقوم خلاله بتسليم مجموعة من الرايات على وحدات من الأسلحة الجديدة في الجيش. كان الاحتفال الأول جرى في طبرق في أكتوبر 1959. أقسم فيه ضباط الجيش جميعا يمين الولاء أمام الملك وسلم فيه الرايات للوحدات المشاركة.

احتفال المرج لم يتم. وصلت أخبار إلى الملك مباشرة من بعض الثقاة في الجيش بأن هناك خطة لاعتقاله أثناء الحفل ونقله إلى الجغبوب ويتولى الجيش إدارة البلاد. هنا حامت الشكوك بقوة حول قيادة الجيش وآثر الملك أن لا يزيد الخرق اتساعا ولكن إلى حين!

وقد راجت عند كثير من الشهود المعاصرين توكيدات بأن الملك نفسه لم يعد يطمئن إلى الجيش وفكر في إعادة تنظيمه وحله أيضا وسمع منه المقربون بأن رائحة الخيانة المتوقعة ستقع من الجيش لا محاله!

التقيت في أغسطس 1976 السيد السنوسي الأطيوش رحمه الله في منتجعه بخور اوقيدة جنوب بئر بلال. كانت سهرة مميزة معه حضرها السيد الكيلاني صالح الأطيوش وأحد أحفاد المجاهد عبد العاطي الجرم. خلال هذه السهرة التي امتدت إلى ما بعد منتصف الليل وكنا نجلس في الهواء الطلق وحكايات التاريخ تتدفق بلا توقف. أذكر في حديثه معي الذي سجلته، حرصه على عدم ملامسة الموضوع المتعلق بإقالته مشيرا إلى أنه كان أمرا توجب عليه عسكريا إطاعته وأن رفاقه من الضباط تصرفوا بحكم احترامهم له ولم يوجه لأشخاصهم أية تعليمات أو أوامر تتصل بالتمرد أو التحرك في مواجهة النظام فهو في كل الأحوال يحترم الملك إدريس وجهاده ولا ينسى العلاقة التاريخية القديمة التي تربط الطريقة السنوسية بآل الأطيوش.

حركة الضباط في المرج التي شابهت التنظيم دون قصد (رمية دون رام) استندت في مجموعها ومضمونها على العاطفة والعلاقة مع رئيس الأركان دون أي نظرة أخرى تتعلق بالسياسة أو التغيير لكنها تركت آثارها في الجيش بصورة عامة.

شملت الحركة الضباط.. عابد جاد الله و فرحات العماري و خليل العبار و سالم الفرجاني و عبد الوهاب العاشق و إدريس سعد. حوكموا عسكريا وأخرجوا من الجيش وسجنوا في سجن بنغازي الرئيسي وهناك التقوا بمن شملتهم قضايا صيف 1961 السياسية.

ناقش البرلمان وعديد الأعيان وشيوخ القبائل ما حدث ووجهوا عرائض للملك بشأنها. ثم خرجوا من السجن وعادوا إلى حياتهم العادية. فيما شمل الإخراج من الجيش أفرادا آخرين مثل الضابط علي الأطيوش وضابط الصف عبد الحميد عبد المجيد. وآخرين.
مجموعة أخرى من الضباط في الجيش أسهمت في التبليغ عن الحركة وقطع التواصل معها ونالوا تقديرا من الملك بأوسمة مختلفة. قائد تنظيم 1956 المقدم فوزي الدغيلي لم يتفق مع ما حدث وبطريقة أو بأخرى أسهم في إفشاله وهو الذي كان يرأس تنظيما بدوره لتغيير الأمور في البلاد وإصلاحها.

في فترة لاحقة طارت أقاويل في الهواء بأن تنظيم الملازمين الصغار لو كان في فترة النظام الفيدرالي لفشل منذ البداية، وهذا قول غير صائب فها هي حركة التمرد في الجيش التي يطلق عليها تعسفا حركة (السنوسي الأطيوش) قاربت أن تنجح في فترة ذلك النظام وقبل إعلان الوحدة الإدارية عام 1963.

الحكومة الاتحادية برئاسة محمد عثمان الصيد لعبت دورا كبيرا مع الملك في إخماد حركة التمرد.. في مهدها!!.

________________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *