عمر الكدي

القذافي والوحدة

لم يطرح موضوع الوحدة مع مصر خلال حياة الرئيس عبدالناصر. تم التركيز على دعم المجهود الحربي المصري لاستعادة الأراضي المحتلة، وتوجت الجهود بصفقة طائرات الميراج، وفي تقديري لو عاش عبدالناصر لكانت الخلافات كبيرة بينه وبين القذافي، وخلال زيارته لليبيا قال عبدالناصر في خطاب أمام الجماهير «أترككم وأنا أقول إن أخي معمر القذافي هو الأمين على القومية العربية وعلى الوحدة العربية».

وبعد أسابيع توفي عبدالناصر فجأة وترك «الأمانة» للقذافي. ثمة من يقول إن عبدالناصر قصد بجملته هذه دعم القذافي في صراعه مع أعضاء مجلس انقلابه، وترك لفتحي الديب حل الخلافات بينهم.

مع السادات تغير الأمر وبدأ القذافي يطرح الوحدة الاندماجية بين مصر وليبيا.

من الواضح أن القذافي أساء تقدير دهاء السادات، ورأى أنه رئيس ضعيف وهو الأجدر بحكم البلدين، ولكن السادات كان يتحجج بتحرير الأرض أولًا ثم مناقشة الوحدة، ووافق على مضض على تشكيل اتحاد ثلاثي بين مصر وليبيا وسورية، وخلال حرب أكتوبر 1973 أدرك القذافي أن السادات خدعه، عندما علم بعبور القوات المصرية لقناة السويس من الإعلام، وعندما سافر على عجل إلى القاهرة وحاول دخول غرفة العمليات أمر السادات بمنعه.

تحول الاتحاد الثلاثي إلى حبر على الورق، وساءت العلاقات بين البلدين حتى وصلت إلى اشتباكات على الحدود عام 1977، ثم قطعت العلاقات وبدأت الحملات الإعلامية بين الطرفين، وسمح السادات لعمر المحيشي بمهاجمة القذافي من إذاعة الشرق الأوسط.

الإحساس بأن ليبيا صغيرة على مقاس القذافي ظل يلازمه دائمًا، فعندما يئس من السادات توجه القذافي غربًا، واقترح على الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وحدة اندماجية، يكون رئيسها الحبيب بورقيبة واكتفى القذافي بوزارة الدفاع، ولكن تهديد بومدين باكتساح تونس وهواجس بورقيبة من القذافي، جعله يتراجع عن اتفاقية جربة التي وقعها قبل يوم واحد.

لم يطرح القذافي أي شكل من أشكال الوحدة مع الجزائر، فهو يخشى بالفعل الرئيس بومدين، وعندما ضاقت عليه الجدران فكر القذافي في وحدة مع مالطا، واتفق مع رئيس وزرائها دو منتوف على إجلاء القواعد البريطانية من الجزيرة مقابل أن تدفع ليبيا إيجار القواعد. في الحقيقة كانت بريطانيا قد قررت الجلاء عن مالطا بمحض إرادتها، ولكن ثعلب السياسة المالطية رأى أن يستفيد من اندفاع القذافي.

تحولت القواعد البريطانية لتستضيف طلبة المعاهد العليا التقنية والإلكترونات والكهرباء، بالإضافة إلى معهد متوسط للكهرباء في تاجورني، وهكذا استفاد المالطيون أكثر من استفادتهم من تأجير القواعد لبريطانيا. في عام 1978 زار القذافي مالطا واجتمع مع طلبة المعاهد العليا، وبعد أن اطمأن لعدم وجود مالطي واحد في القاعة، شجع القذافي الطلبة على الزواج من مالطيات وأن الدولة ستدعم الراغبين في ذلك، ملمحًا إلى وجود أكثر من طريقة للوحدة الاندماجية.

لم يستفد من هذا التشجيع إلا الطلبة الذين يصطحبون صديقاتهم إلى القسم الداخلي، دون أن يمنعهم المسؤولون بحجة أنهم يطبقون توجيهات القائد.

التقط الملك الحسن الثاني بدهاء ضعف القذافي أمام الوحدة العربية، وعرض عليه إقامة وحدة بين البلدين توجت باتفاقية وجدة التي أسست لكيان جديد هو الاتحاد العربي الأفريقي، ولكن ذلك الكيان لم يولد أبدًا بالرغم من أن الحسن الثاني استفتى شعبه الذي وافق على المشروع.

اكتفى الحسن الثاني بإيقاف دعم القذافي لجبهة البوليساريو، وأن يتوقف المغرب عن دعم واستضافة المعارضة الليبية، وفوقها تسليم عمر المحيشي* مقابل 200 مليون دولار، وأغنية لفنان شعبي مغربي تقول «الله تجازي اللي كان السبب مولاي الحسن والرئيس القذافي»، وأغنية لمحمد حسن تقول «وجدة يا هوى العشاق سجدة للفرح سجدة»، وردت الجزائر باستضافة المعارضة الليبية، وشعر القذافي بأنه على رأي الشوام «أكل خراء» فالمعارضة صارت على حدوده في الجزائر وفيما بعد في تشاد.

عمليًّا نجح القذافي في قطع العلاقات مع مصر عقدًا كاملًا، وقطع العلاقات مع تونس حتى انقلاب زين العابدين بن علي عام 1987، وتوتر العلاقات مع الجزائر خلال حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، ولم يجد من يتحد معه إلا الرئيس حافظ الأسد، فاستقبله في طرابلس وبيده مكبر صوت يدوي وهو يهتف «حافظ حافظ لا تهتم جوك رجال بتشرب دم، بالدبابة والبردم الجولان انغرقها دم»، بينما الرئيس الأسد يهز رأسه موافقًا.

وفشلت الوحدة بعد محادثات طويلة صمت خلالها الأسد والقذافي، وتركا جلود وعبدالحليم خدام يتخاصمان حول النظام الجماهيري وعقيدة حزب البعث، دون أن يدركا أنهما مجرد عجلتي احتياط في صندوق سيارة القذافي وسيارة الأسد، وسيتم الاستغناء عن خدماتهما عندما يكبر الأولاد.

وأخيرًا أعد القذافي مشروعًا للاتحاد العربي من خلال جامعة الدول العربية، وهو أشبه بمشروع الاتحاد الأوروبي، دون أن يدرك القذافي أن الذي وحد الأوروبيين هو صناعة الحديد والصلب، وعندما يئس القذافي من العرب توجه إلى أفريقيا، ولم ينظر أبدًا تحت قدميه ليرى ليبيا، ويفكر بتنميتها بطريقة علمية ولو فعل ذلك لعصم نفسه، وترك البلاد بعده لأحد أبنائه، ولكنه نظر أخيرًا تحت قدميه عندما أخرجه الثوار من الأنبوب قرب الحي الثاني في سرت. نظر إلى الأرض ليعرف أين يضع قدميه وهي خطوة تأخرت 42 سنة من النظر إلى أعلى.

القذافي وأفريقيا

عندما اجتاح تشاد عام 1980 وطرد حسين حبري إلى الكاميرون، كان القذافي يحلم بدولة صحراوية تمتد من سواحل المتوسط لتشمل معظم دول الساحل والصحراء، بدليل أنه تم الإعلان عن وحدة بين ليبيا وتشاد في 6 يناير 1981، وهو ما أثار حفيظة فرنسا ومنظمة الوحدة الأفريقية. انتهك القذافي بهذا الإعلان اتفاق «كانو بنيجيريا» الذي وقع يوم 16 مارس 1979.

وحاول القذافي الانقلاب على الرئيس كوكوني وداي عن طريق حليفه أصيل أحمد وزير الخارجية، مما جعل كوكوني يطالب بانسحاب القوات الليبية، التي انسحبت خلال أسبوع وهي الفرصة التي استغلها وزير الدفاع حسين حبري فزحف بقواته من دارفور إلى إنجامينا في 7 يوليو 1982، ولم يجد القذافي مفراً من التصالح مع كوكوني ضد حبري، واجتاحت القوات الليبية تشاد مرة أخرى.

وأنكر القذافي وجود قوات ليبية في تشاد، وشكل لواء في البداية من ذوي البشرة السوداء للقتال مع كوكوني، ثم زج بقوات كبيرة بقيادة العقيد خليفة حفتر، وانتهت الحرب بهزيمة قاسية للقوات الليبية واحتلال الجزء الليبي من قطاع أوزو ومعطن السارة. ولم يسترح القذافي إلا في نوفمبر 1990 عندما زحفت قوات إدريس ديبي على إنجامينا وطردت حسين حبري إلى الكاميرون، بينما هرب حفتر وقوات المعارضة إلى نيجيريا ومنها إلى الولايات المتحدة.

في أولى مغامراته الأفريقية كرر القذافي نفس خطأ صدام حسين بحربه مع إيران، بسبب اتفاقية الجزائر التي نصت على تقاسم شط العرب بين البلدين، وانتهت الحرب بقبول صدام لنفس الاتفاقية، وهذا ما فعله القذافي عندما قبل قرار محكمة العدل الدولية بسيادة تشاد على قطاع أوزو.

أضاع القذافي النفوذ الكبير الذي كانت تتمتع به الحركة السنوسية على شمال تشاد ودارفور، فعمر المختار قبل أن يقاتل الطليان في ليبيا قاتل الفرنسيين في تشاد، ولم يتوقف القذافي عن التدخل في أفريقيا، فقد دعم جون غرنغ في حربه ضد الحكومة السودانية، ودعم البوليساريو حتى عام 1984، ودعم معظم الحركات المتمردة في القارة.

وبعد انقلاب الرائد توماس سنكارا في بوركينا فاسو أصبحت تسمى الجماهيرية الثانية في الإعلام الليبي، وبعد النهاية المخزية لمغامرة القذافي العسكرية في تشاد حيث تمكن من تحطيم الجيش الذي جاءت منه المحاولات الانقلابية، مثلما انتهت قبلها مغامرته العسكرية في أوغندا والتي لم ينجح فيها إلا في إنقاذ الرئيس الأوغندي عيدي أمين وعائلته، ثم نسيهم بالكامل في فندق بمدينة الخمس حتى تحصَّل عيدي أمين على حق اللجوء في السعودية.

ومع توجيه الاتهام لعبدالباسط المقرحي والأمين فحيمة بتفجير طائرة لوكربي، وبداية تنفيذ العقوبات الدولية على ليبيا، أعطى القذافي ظهره للعرب وللوحدة العربية، تصرف مثل قنفذ شعر بالخطر المحدق فاختفى في أدغال أفريقيا.

تحولت إذاعة صوت الوطن العربي الكبير صوت اللجان الثورية إلى صوت أفريقيا، وأطلق القذافي على القاعة الرئيسية للمؤتمرات في سرت مجمع قاعات واغادوغو نسبة لعاصمة بوركينا فاسو، التي صدر منها قرار لمنظمة الوحدة الأفريقية بتأييد ليبيا في مواجهتها مع الغرب، وفي سبتمبر 2001 تم الإعلان عن ميلاد الاتحاد الأفريقي من نفس القاعة، بعد أن دفع القذافي ديون عشر دول أفريقية.

أنفق القذافي على حلمه الأفريقي أكثر مما أنفق على حرب تشاد وعلى حلمه العربي، ولم يستفد شيئاً سوى جهود الرئيس نلسون مانديلا إلى جانب جهود العاهل السعودي الملك عبدالله، التي أثمرت عن إخراج ليبيا من الحصار وعواقب أزمة لوكربي.

منذ السبعينيات انتبه القذافي للقبائل الأفريقية المسلمة التي همشها الاستعمار الفرنسي لصالح القبائل المسيحية، وأسس مكتب شؤون الصحراء التي سعى لتجنيد هذه القبائل، وفيما بعد نظمت على شكل حركات معارضة للأنظمة الحاكمة ضمن المثابة العالمية، وفتحت لها معسكرات تدريب في جنوب ليبيا، وشملت قبائل الطوارق وقبائل الهوسا والتبو وقبائل دارفور.

وأصبح القذافي يهدد أي نظام لا يقبل الخضوع له، وهي نفس القبائل وحركات التمرد التي تعاونت مع خليفة حفتر بعد سقوط نظام القذافي، واستغل الأخيرعلاقات ضباط القذافي مع قادة هذه الحركات وجندها للحرب في صفه، وليس سراً أن الدعم العسكري لقوات الدعم السريع في السودان يصل عن طريق حفتر سواء أرسلته الإمارات أو روسيا، وستعاني ليبيا لفترة طويلة من وجود هذه القوات في جنوبها.

في المرحلة الأفريقية غير القذافي كل شيء، انتشرت على خيمته خريطة أفريقيا، وأيضاً على ملابسه ثم ارتدى ملابس أفريقية بألوان صارخة، وبدأت رحلاته إلى أفريقيا تأخذ طابعاً جديداً، وخاصة في آخر جمعة من العام الهجري، حيث صلى في مدينة كانو في نيجيريا وصلى خلفه آلاف الأفارقة، وكلفت الركعتان الخزينة الليبية نصف مليار دولار.

في هذه الزيارة أطل القذافي من سقف سيارته وبدأ يلقي برزم الدولارات على الجماهير التي كانت تجري خلف السيارة وراءالدولارات.

وعلى عكس الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الذين أسسوها على دستور متوافق عليه، حلم القذافي بتأسيس الولايات المتحدة الأفريقية لمواجهة كل أعدائه، اعتماداً على الرشى التي كان يدفعها لرؤساء فاسدين.

وفقاً لشهادة المسماري مع غسان شربل، فلم يكن القذافي يحترم رؤساء أفريقيا. كان يسأل المسماري «هل وصل العبد؟»، وبعد المقابلة يقول «اعطوا للعبد بعض الحاجة»، من حسن حظه أن نلسون مانديلا زهد في السلطة وتركها بعد أربع سنوات، وعندما وصل زوما إلى السلطة توطدت معه العلاقات، وحتى الآن لا أحد يعرف كم مليار اختفى في جنوب أفريقيا باستثناء بشير صالح الذي لجأ إليها بعد سقوط نظام القذافي.

كان القذافي يفتح المعسكرات تقريباً لجميع حركات التمرد في القارة، ويعارض بشدة أي انقلاب ضد رئيس فاسد من رؤسائه المفضلين، لذلك رفض هؤلاء الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي بعد ثورة فبراير، لكنهم اعترفوا به أخيراً بعد مقتل القذافي.

كان الأفارقة يدخلون إلى ليبيا دون جوازات سفر أو أي وثائق أخرى، وتشرف أجهزة الأمن على ترحيل هؤلاء في القوارب إلى السواحل الأوروبية. القنفذ مرة أخرى لا يملك إلا أشواكه وإذا لم يجدها يستعيرها من المهاجرين غير الشرعيين، فكل شيء غير شرعي في تاريخ القذافي منذ انقلابه العسكري، ولم تستفد ليبيا شيئا من هذه المغامرات.

لعل ذلك برر للقذافي التحرش بزوجات الرؤساء الأفارقة الذين يستلمون منه الأموال، ويغضون الطرف عن ما تستلمه زوجاتهم، لم تستفد ليبيا شيئاً من هذه المغامرات، حتى الاستثمارات في أفريقيا لم تكن استثمارات اقتصادية وإنما استثمارات سياسية، لا يهم أن تربح أو تخسر، فالبدوي لا يعتبر النفط ثروة قومية وإنما زيت أسود، تطلى به الإبل الجرباء أو رؤساء أفريقيا الفاسدين.

ذات مرة ضاق القذافي بالليبيين الذين يقاسمونه خيرات ليبيا، فطلب منهم الرحيل إلى أفريقيا وترك هذه البلاد التي وصفها بجزيرة الملح، وأخيراً جمعوا له ملوك أفريقيا التقليديين وتوجوه ملكاً لملوك أفريقيا، وعندما يطلب من عبدالله السنوسي إحضار هؤلاء الملوك يجمع له بعض الأفارقة العاملين في المزارع والورش، ليلبسهم ملابس أفريقية ويعلقون في أعناقهم عقوداً من كل شيء غريب.

باختصار وصل القذافي بعد أربعين سنة من السلطة إلى مرحلة القراقوز، لذلك تخلى عنه دهاؤه القديم ولم يعرف كيف يواجه ثورة فبراير، فبدلاً من تبني كل مطالب المتظاهرين وتغيير كل الحكومة، صرخ فيهم «من أنتم»، ثم توسل أن يتركوه مثل امبراطور اليابان أو مثل ملكة بريطانيا.

______________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *