عمر الكدي

شجاعة القذافي

عندما كان صدام حسين لاجئا في القاهرة يتأمل الظاهرة الناصرية، سأله أحد مرافقيه عن رأيه في قدرة عبدالناصر على سحر الجماهير بخطاباته، فرد عليه قائلا «هناك طريقة أخرى وهي أن تجعلهم يخافون منك».

لا يمكن الحكم على دكتاتور من طراز صدام أو القذافي بالشجاعة والجبن وهو في قمة السلطة، ولكن عندما يصبح وحيدا مجردا من سلطته يمكن الحكم عليه، وهذا ما حدث للاثنين، وشتان ما بين الاثنين.

أثبت صدام أنه شجاع إلى درجة التهور، وأثبت القذافي أنه جبان لدرجة أنه عجز عن الانتحار، مثلما فعل هتلر، على الرغم من وجود مسدسين بحوزته، لم يطلق منهما طلقة واحدة لا على مطارديه ولا على نفسه.

في العام 2001 تقرر إنتاج فيلم وثائقي عن حياة القذافي قبل الانقلاب، وكلفت مجموعة من الكتاب والفنانين لإنتاج العمل الذي سمي بـ «4000 يوم من العمل السري».

وبعد تصوير مشاهد الفيلم في بادية سرت، اتجه أعضاء الفريق إلى مدينة سبها حيث قابلوا مجموعة من الشهود الذين درسوا مع القذافي في مدرسة سبها الإعدادية، من بينهم مشرف أو بواب كان يعمل في المدرسة، وعندما سألوه عن كيف كان القذافي يقود المظاهرات في سبها، قال إنه شاهد القذافي يجري هاربا من المظاهرة واختبأ في فرن الخبز «التنور»، قبل أن تعتقله الشرطة وتصطحبه إلى المركز.

هذا هو القذافي يشعل النار ثم يختفي. في ليلة الانقلاب كانت مهمة القذافي أن يذهب من معسكر قاريونس إلى إذاعة بنغازي ليقرأ البيان الأول فقط.

وفقا لشهادة عبدالمنعم الهوني في حواره مع غسان شربل، جمع القذافي كل الجنود في المعسكر، وحمل بندقية أطلق منها عدة طلقات وقال للجنود سنخرج لنسقط النظام الملكي، فاستقبل الجنود دعوته بالتهليل وركبوا الشاحنات والسيارات العسكرية، بينما ركب القذافي في سيارته الفولكس، وفي الطريق اتجه الموكب إلى اليمين بينما انعطف القذافي على اليسار، وبعد أن سيطروا على الإذاعة افتقدوا القذافي، وعاد بعضهم إلى المعسكر فوجدوا القذافي في غرفته وبيده البيان الأول.

وبرر تخلفه عن رفاقه بأنه عاد ليضيف جملة للبيان يطمئن فيها الأجانب على سلامتهم، وهي جملة بإمكانه ارتجالها دون الرجوع إلى المعسكر، وبإمكانه إضافتها في أي مكان.

ليلة انقلاب عبدالناصر اصطحب أنور السادات عائلته إلى إحدى دور السينما، وهناك افتعل مشكلة مع أحد المشاهدين اتهمه بمعاكسة زوجته، وانتهت المشكلة بكتابة محضر في مركز الشرطة، وعندما تأكد السادات من نجاح الانقلاب ذهب إلى الإذاعة وقرأ البيان الأول، على الرغم من أنه آخر أعضاء مجلس قيادة الثورة.

القصتان تذكرانني بما حدثني به صديق عربي عمل سنوات طويلة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كانت مهمته أن يعد الفدائيين نفسيا وتعبويا قبل توجههم لتنفيذ العمليات الفدائية، وكانت تعليمات قياديي الجبهة أن أي شخص ذكي يستبعد من المجموعة، لأن الذكي سيفكر في النجاة بينما الغبي سيمضي قدما نحو الموت.

في ليلة الغارة لم يكن القذافي في بيته بباب العزيزية، وكانوا على علم مسبق بالأماكن التي ستستهدفها الغارة، ويشهد على ذلك طلبة الكلية البحرية، الذين أكدوا أن الأوامر كانت بأن ينزلوا جميعا في حوض السباحة الفارغ، وفي الساعة الثانية عشرة ليلا حضر مصطفى الخروبي على عجل وأمرهم بالانتشار في الغابة المحيطة بالمكان، ومع الساعة الثانية قصف حوض السباحة بصاروخ.

اختفى القذافي ثلاثة أيام قبل أن يظهر وهو يرتدي بدلة عسكرية بيضاء يزور المصابين في المستشفى المركزي، بينما ظهر جلود في اليوم الثاني ليعقد مؤتمرا صحفيا بالفندق الكبير، وعندما سأله أحد الصحفيين الأجانب باللغة الإنجليزية أين القذافي، فقال جلود «أندر غراوند» وأشار بيديه تحت الأرض.

قال لي أحد أقربائي أن خمس كتائب كانت تلك الليلة بمعسكر الفرناج معهم خمس بنادق وفي كل بندقية خمس طلقات.

كان القذافي يخشى من الناس أكثر من خشيته من الغارة. كل ما سبق يؤكد أن القذافي ليس شجاعا كما يدعي.

ذروة رعب القذافي تمثلت في مشاهد القبض على صدام حسين وإعدامه. لم تكن العلاقة ودية بين القذافي وصدام، منذ أن وصل صدام حسين على رأس وفد عراقي إلى ليبيا في سبتمبر 1969.

من الواضح أنه كان يحاول احتواء هؤلاء الشباب القادمين من المجهول، ولكنه لم يجد الترحيب فقد راهن القذافي منذ البداية على عبدالناصر.

في الحرب العراقية الإيرانية وقف القذافي مع إيران وزودها بصواريخ سكود، وعادت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد انتهاء الحرب، وفي القمة العربية التي استضافتها بغداد، حاول القذافي سرقة الأضواء من الجميع، إلا أن صدام حسين كان يقاطعه بسخرية، طالبا منه أن يذكره بالاسم الرسمي لبلاده، ولكن القذافي بعد أن شاهد إعدام صدام حسين شعر أن الموت يقترب منه.

ثمة من يؤكد أن القذافي كتب قصيدة تتساءل أين الحرس الجمهوري وأين فدائيو صدام؟.

استيقظ الحدس البدوي في أعماقه وشعر أن الدور عليه. فكر في نصب تمثال لصدام حسين في قلب طرابلس، فهو لم يعد يغار من صدام الميت، وإن شعر بالغيرة من تمثال الإمبراطور سبتيموس سفيروس، فطلب نقله إلى مسقط رأسه في لبدة، وكأنه ينقل ملفه في السجل المدني.

وأخيرا وافق على حل جميع الخلافات مع أميركا وبريطانيا، وتسليم المتهمين في تفجير لوكربي ودفع جميع التعويضات وتسليم برنامج أسلحة الدمار الشامل، وإذا تعرض القذافي للموقف نفسه الذي تعرض له صدام حسين، لما وجد ساقين تعينانه على صعود المشنقة، ولا وجد الأعصاب الفولاذية التي واجه بها صدام حسين شانقيه.

وعندما قبض على القذافي في أنبوب تصريف مياه الأمطار قرب الحي الثاني في سرت، كان معه مسدسان أحدهما ذهبي والثاني فضي، من الواضح أنه احتفظ بهما لينتحر مثلما تنتحر العقرب عندما تحاصرها النيران، ولكن القذافي لم يجد حتى الشجاعة للانتحار.

تحت ضغط مشاهد إعدام صدام حسين كتب القذافي قصتيه «الموت» و«الفرار إلى جهنم»، وفيهما يظهر خوفه الشديد من الموت ومن مواجهة الجماهير، ولعل الشيء الوحيد الذي جلب لروحه المعذبة شيئا من الطمأنينة كما ورد في قصة الموت، أن والده عاش مئة سنة وهذا أقصى ما كان يتمناه.

المحرر: في الذكرى الأولى للثورة في لقاء تلفزيوني مع أعضاء مجلس قيادة الثورة قال القذافي إن هذه الجملة لم تكن مكتوبة في البيان وإنه ارتجلها لحظتها

القذافي متنبئا

في كتابها «رسول الصحراء» سألت الصحفية الإيطالية مريلا بيانكو القذافي «هل رعيت الغنم يا رسول الله؟»، فأجابها دون تردد «ما من نبي إلا ورعى الغنم».

في ذلك الوقت المبكر وصلت البارانويا بالقذافي إلى التصديق بأنه نبي يوحى إليه، ولهذا ظل يردد لسنوات عديدة أنه لم يكتب الكتاب الأخضر، وإنما هو تراث للإنسانية، وحاول ترويج بعض الاجتهادات الدينية لم يكتب لها النجاح، من بينها إسقاط كلمة «قل» في المعوذتين وسورة الإخلاص، فعندما يصلي لا يتلو «قل هو الله أحد» أو «قل أعوذ برب الناس» ، وإنما يتلو «الله أحد» و«أعوذ برب الناس»، وكان يبرر ذلك بأن الخطاب موجه للرسول وليس للناس كافة، وإلا لكانت الكلمة وردت بصيغة الجمع وهو مبرر غير مقنع كلف الإمام موسى الصدر حياته، عندما رد على القذافي في جامع مولاي محمد بطرابلس، وتسبب الرد الغاضب في غضب القذافي لذلك غيبه هو ورفيقيه وبقية القصة معروفة.

في الحقيقة أن القذافي عندما وجد نفسه يقود دولة كان بالأمس مجرد ملازم أول في جيشها، شعر أن العناية الإلهية كانت دائما إلى جانبه، واعتبر أن طرده من مدارس سبها إلى مصراتة هي هجرة تشبه هجرة الرسول من مكة إلى المدينة، لذلك غير أسماء المدن مثلما غير الرسول اسم يثرب إلى المدينة، فأطلق على سبها «الشرارة الأولى»، وعلى بنغازي «البيان الأول»، وعلى سرت «الرباط الأمامي»، وعلى زوارة النقاط الخمس.

ووصل به الوهم أنه يستطيع توحيد العرب مثلما فعل الرسول، ثم يتوسع ليسقط أكبر إمبراطوريتين في العصر أميركا وبريطانيا، وعندما عجز شعر بالغيرة من الرسول فقرر شطب سنته، وعبر عن ذلك في مناسبات كثيرة قائلا إن محمدا مجرد رسول أوصل الرسالة وانتهى دوره، ولهذا اعتمد «القرآن شريعة المجتمع»، ليس انطلاقا من قراءة تقدمية للتراث الإسلامي، والتي ترى أن السنة تحتاج إلى غربلة وأن الفقهاء تركوا القرآن وقدسوا أحاديث كتبت بعد قرنين من وفاة الرسول، وإنما غيرة من الرسول نفسه، ولذلك ألغى التقويم الهجري واعتمد تقويما يبدأ من وفاة الرسول.

في البداية اعتمد تقويما يبدأ من ميلاد الرسول، ولكن لا وعيه المضطرب والمشحون بالغيرة من الرسول، جعله يعتمد تقويما يبدأ من وفاة الرسول، وكان لا وعيه يريد أن يموت الرسول مرتين مرة بالوفاة الطبيعة والأخرى وفاة تاريخية ولو في هذا التقويم.

الشخصية الثانية التي كرهها القذافي وشعر بغيرة منها هو الإمام المصلح محمد بن علي السنوسي، وصلت الكراهية لدرجة أن القذافي أمر بهدم ضريح الإمام في واحة الجغبوب ورمي رفاته في الصحراء.

لقد رحل الإمام قبل أن يولد والد القذافي ولم يفعل للقذافي شيئا له ولعائلته، ويبدو أن نجاح السنوسي الكبير هو الذي حرك هذه الكراهية في نفس القذافي المشوهة، ومع ذلك حاول تقليده مثلما قلده حسن البنا، الذي أطلق على جماعته اسم «الإخوان المسلمون» بدلا من «الإخوان السنوسيون».

كما حاول القذافي بناء سلسلة من الزوايا أطلق عليها اسم المثابات الثورية، ومع ذلك فشل في تحقيق ما حققه السنوسي الكبير، الذي جاء من مدينة مستغانم في أقصى الغرب الجزائري المطلة على المتوسط ليقود ثورة ناجحة بين بدو برقة.

نجح السنوسي في سنوات قليلة في قلب التراتبية البدوية التي يحتل فيها شيوخ السعادي قمة الهرم، فأصبح عمر المختار المنفي من قبيلة مرابطة على قمة الهرم العسكري للحركة، وعندما استشهد تولى القيادة يوسف بورحيل المسماري، وكان أقرب المساعدين للمختار الفضيل بوعمر الأمازيغي الأوجلي، بينما لم ينجح القذافي إلا في تأليب القبائل ضد بعضها، وإحياء الثارات القديمة بينها، لدرجة أنه جعل الزنتان والرجبان في مؤتمر شعبي واحد تنقل جلساته على الهواء مباشرة، وجلس يستمتع بالخلاف بين الحليفين التاريخيين.

كان الزنتان في المؤتمر يتخذون قرارا فيعارضه الرجبان، ولأن الزنتان أكثر عددا من الرجبان يحاول أهل الرجبان إسقاط القرار بالهتاف أمام منصة أمانة المؤتمر وهم يرددون «الفاتح الفاتح»، فيرد عليهم أمين المؤتمر الزنتاني «ميتخ ميخ تو ينفعك الفاتح».

وذات مرة دفع الرجبان بمرشح لمكتب الاتصال الخارجي يجيد عدة لغات، فخرج أحدهم لتقديم المرشح قائلا «أدفع بفلان الفلاني فهو يجيد اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة، ويجيد اللغة الفرنسية قراءة وكتابة، ويجيد اللغة الإيطالية قراءة وكتابة»، فقاطعه أمين المؤتمر الزنتاني قائلا «والله ولو يبدى يلاغي في الطير زي سيدنا سليمان ما هو هاويها»، أي ولو أصبح يخاطب الطير مثل سيدنا سليمان فلن يصعد لهذا المنصب.

يطمئن القنفذ عندما يشاهد الحيوانات المفترسة تتقاتل بضراوة، فذلك يشعره بالأمان كما أنه سيعثر على أرض المعركة ما يقتات عليه. الصحراء منحت القذافي القدرة على توقع الخطر. فالذي يولد في الصحراء يتعلم كيف يمسح الأفق، وينظر إلى بعيد مستطلعا أحوال المناخ، كما يتعلم كيف يميز بين السراب وبين الغدير.

لذلك صدقت نبوءات عديدة للقذافي من بينها تحذيره للزعماء العرب بعد إعدام صدام حسين بأن الدور عليهم، وقد حاول القذافي إقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت دون جدوى، ليس حبا في صدام حسين، وإنما عرف بحدسه البدوي بأنه سيكون التالي على القائمة الأميركية، أما بعد إعدام صدام حسين فقد أجهش القذافي بالبكاء، لأنه رأى نهايته تلوح أمامه، بالرغم من العداء الشديد بين الرجلين، فعندما اجتاح صدام إيران أرسل له القذافي برقية تقول «إن قتلاكم وقتلاهم في النار لأنهم جميعا مسلمون»، فرد عليه صدام قتلانا في الجنة وقتلاهم وأبوك في النار، وفقا لشهادة السفير العراقي لدى ليبيا علي السبتي الحديثي.

كان بإمكان القذافي احتواء ثورة فبراير لو استخدم حدسه القديم، ولكن حقن برلسكوني المنشطة جنسيا جعلته خاملا، وانتهى مثلما تنبأ في قصته «الفرار إلى جهنم» في حفرة تشبه حفرة صدام.

___________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *