عمر الكدي

الحاكم بأمره

ثمة شهادات عديدة لم تؤيدها الوثائق بعد، تزعم أن المخابرات المركزية الأميركية جندت القذافي منذ أن أوفد في دورة تدريبية إلى بريطانيا العام 1966.

كان الأميركيون خلال الحرب الباردة يسعون لمنع تمدد النفوذ السوفياتي في الدول العربية، وكانوا يدركون أن النظام الملكي في ليبيا يمر بأزمة عميقة، وأن التنظيمات السرية في الجيش تقتنص الفرصة للانقلاب عليه، فبحثوا عن ضابط شاب معادٍ للشيوعية، كما أنهم كانوا على علم بأن العقيد عبدالعزيز الشلحي نائب رئيس الأركان يستعد للقيام بهذا الانقلاب مدعوما من بريطانيا.

وخشى الأميركيون من تأثر الشلحي بالخطاب الناصري، فوجدوا ضالتهم في القذافي الملتزم دينيا، ويقال أيضا إن انقلاب الشلحي كان مخططا له يوم 4 سبتمبر، وأن الأميركيين طلبوا من القذافي القيام بانقلاب استباقي يوم الأول من سبتمبر.

كل هذا يظل مجرد تكهنات في غياب الوثائق التي لم تظهر حتى في الأرشيف الأميركي على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على تلك الوقائع، ولكن لا ننسى أن القذافي بعد انقلابه هاجم الاتحاد السوفياتي والشيوعية، وعقد صفقة مع الإخوان المسلمين في ليبيا منحهم بموجبها جمعية الدعوة الإسلامية، على أن يعملوا خارج ليبيا، بينما زج في السجون أعضاء حزب التحرير الإسلامي، وبعد أن كشف عن وجهه الحقيقي وبدأ في التسلح من الاتحاد السوفياتي، فعل ما فعله عبدالناصر مع الشيوعيين وهو حليف للسوفيات.

وبعد أن تخلص القذافي من أعضاء مجلس قيادة انقلابه بعد خطاب زوارة، قمع مظاهرات الطلبة في جامعتي طرابلس وبنغازي، وفي يوم السابع من أبريل العام 1976 اصطدم بالطلبة داخل الجامعة في طرابلس وبنغازي، وبعد عام أعدم شنقا عمر دبوب ومحمد بن سعود في ميدان عام في بنغازي، وفي العام 1978 اعتقل كتاب جريدة الأسبوع الثقافي وفي العام نفسه ألغى التجارة، وقفل كل المكاتب الخاصة وأمم مصانع وشركات القطاع الخاص، أما الجيش الذي شكل خطرا على سلطته المطلقة فأرسله إلى تشاد.

الخوف من الجيش عقدة كل الطغاة العرب

هذا ما فعله عبدالناصر بالجيش عندما أرسله ليقاتل في اليمن، وأيضا عندما طلب سحب قوات الأمم المتحدة وأغلق مضائق تيران العام 1967 وثلث جيشه لا يزال في اليمن، وعلى الرغم من الهزيمة المدوية واحتلال سيناء، بقى عبدالناصر في السلطة واختفى عبدالحكيم عامر وأنصاره.

وهذا ما فعله صدام حسين مع جيشه بعد توقف الحرب مع إيران، فأرسله لاحتلال الكويت وحافظ على الحرس الجمهوري الذي يتكون في معظمه من أبناء عشائر السنة ويقوده ضباط من تكريت، بل إن بصماته واضحة في التخلص من ابن خاله وصهره عدنان خيرالله الذي كان على رأس هذا الجيش.

بينما كان الجيش الليبي يهزم في تشاد ويؤسر قائده العقيد خليفة حفتر، أسس القذافي كتائبه الخاصة التي تتكون من أبناء قبيلته والقبائل الحليفة لقبيلته.

كتيبة الساعدي يقودها سيد قذاف الدم،

وكتيبة إمحمد يقودها البراني اشكال،

وفيما بعد قاد ابنه خميس اللواء المعزز 32،

كما كانت للمعتصم كتيبة

إلا أن القذافي حلها خشية من طموحات ابنه العنيد.

في كتابه «عبدالناصر والثورة الليبية» يسرد ضابط المخابرات المصرية فتحي الديب بالتفصيل ما دار من أحداث، منذ وصوله إلى بنغازي ثالث يوم بعد الانقلاب، وحتى الانتهاء من تأمين ذلك الانقلاب.

ويتطرق للصراع داخل مجلس قيادة الثورة، وأيضا الصراع داخل الحكومة بين تيار يحاول الابتعاد عن مصر يقوده رئيس الحكومة محمود المغربي، وتيار يدفع نحو مصر يقوده وزير الخارجية صالح بويصير.

وكان من الممكن أن يفشل ذلك الانقلاب نظرا لحداثة سن قادته، وعدم خبرتهم بالحكم وقيادة الدولة، وحدث ما حدث مع ثورة فبراير، حيث تدخلت المصالح الإقليمية ووجهت الأحداث لصالحها.

أشرف فتحي الديب الذي سبق أن كلفه عبدالناصر بملف الثورة الجزائرية على كل التفاصيل. تشكيل الحكومة، والإعلان الدستوري، وتأسيس جهاز المخابرات، والحماية الشخصية لقائد وأعضاء الانقلاب، في الوقت الذي كان فيه صدام حسين عندما كان نائبا للرئيس أحمد حسن البكر يسعى لاحتواء هؤلاء الشباب الذين جاءوا من المجهول.

وحتى جعفر النميري الذي قام بانقلابه قبل بضعة أشهر آنذاك حاول احتواء قادة الانقلاب، فكيف كان ينظر الديب لقائد انقلاب سبتمبر.

السن ثلاثون عاما تقريبا. يتسم بالاتزان، وتبدو عليه علامات الصلابة وقوة الشخصية والاعتزاز بالنفس. متدين ويقرن أحاديثه بالأسانيد القرآنية. يميل إلى الاستماع أكثر من الحديث، الأمر الذي يظهره بمظهر الإنسان الغامض، ويصعب الحكم على أفكاره لأول وهلة.

دلت كثير من الشواهد على أنه يحظى باحترام زملائه من أعضاء مجلس الثورة، وهو على دراية بمجريات الأحداث السياسية في الوطن العربي وتطورها، وإن كان يميل إلى الابتعاد عن تسليط الأضواء على شخصه، كما يبدو لي أن مظهره يعطيه أكبر من سنه.

وقبل نهاية شهر نوفمبر انتهت ليبيا من التعاقد مع فرنسا على شراء 110 طائرات ميراج خمسة، و14 طائرة هليكوبتر وشارك في المفاوضات ضباط مصريون يحملون جوازات سفر ليبية، وكانت الصفقة بالكامل لصالح القوات المسلحة المصرية وتكفلت ليبيا بكامل المصاريف بما في ذلك تدريب الطيارين وقطع الغيار والذخيرة.

مما سبق يتبين أن الليبيين غير قادرين حتى على القيام بانقلاب عسكري وتأمينه، فما بالك ببناء الدولة وتحصين مؤسساتها الدستورية، وأن الاعتماد على القوى الإقليمية والدولية سيستمر في تاريخ ليبيا.

وهذا ما أكدته الأحداث بعد ثورة فبراير وسقوط نظام ذلك الشخص الغامض، الذي استغل الجميع قبل أن يجد نفسه وحيدا في مواجهة الجموع كما تنبأ في قصتيه عن الموت والفرار إلى جهنم.

رسول الصحراء

في كتابها «القذافي رسول الصحراء» أجرت الكاتبة الإيطالية ماريلا بيانكو حوارا طويلا مع القذافي، كما جمعت شهادات لرفاقه عندما كان تلميذا في مدرسة سرت الابتدائية، يقول أحدهم «كنا ثلاثة أو أربعة من البدو ينظر إلينا الآخرون على أننا بؤساء، وكنا فقراء لدرجة لم نكن نتناول طعاما أثناء الاستراحة. كنا نشعر بالغربة لولا القذافي. ربما كنا نخجل من أنفسنا لكنه كان يفخر بوضعنا ويقول «مثلنا مثلهم طالما أننا قادرون على تحصيل العلم».

وكان القذافي ورفاقه يمشون مسافة عشرة كيلومترات يوميا للوصول إلى المدرسة والعودة إلى النجع، وسرت التي مررت بها في رحلة مدرسية العام 1970 كانت مجرد قرية بائسة، فالفندق الذي أقمنا به تلك الليلة وهو أشبه بقلعة عسكرية إيطالية كانت الرمال تحيط به من كل جانب لدرجة أن النزلاء الذين وصلوا في سياراتهم كانوا يطلبون منا المساعدة في دفع السيارات لإخراجها من الرمال، فإذا كانت تلك هي المدينة التي تجعلهم يخجلون من أنفسهم، فماذا سيفعلون عندما يصلون إلى طرابلس.

في ذلك الوقت عندما أجرت معه بيانكو الحوار الطويل، كان القذافي يحمل في عنقه من الجانبين آثار كي، وكان البدو وأيضا في الريف الليبي يلجؤون إلى الكي لعلاج بعض الأمراض، ولكن في آخر السبعينيات اختفت آثار الكي، فهل شعر القذافي بالخجل من تلك الآثار فأخفاها مستعملا الياقات الطويلة والملابس التي تغطي كامل العنق؟.

في حوارها سألت بيانكو القذافي «هل رعيت الغنم؟»، وأجاب القذافي دون تردد «ما من نبي إلا ورعى الغنم».

في ذلك الوقت تقريبا العام 1974 كانت لافتات عديدة معلقة في كل مكان عليها عبارة، «حطمت عصا الراعي تاج الملك»، ومنذ ذلك الحين بدأ القذافي يتحول إلى طاغية يستمد شرعيته من العناية الإلهية، ومع الوقت بدأت ذاته النرجسية تتضخم وتناسى عصا الراعي، حتى أصبح ملك ملوك أفريقيا

أما تلك القرية البائسة فتحولت إلى مدينة عصرية تليق باستضافة القمم الأفريقية، أما المدن العريقة فتحولت إلى مكب للنفايات.

في كتابه «القرية القرية الأرض الأرض وانتحار رائد الفضاء»، الذي تعامل معه إعلام القذافي وكأنه بيضة الديك، طلب من فنان عراقي كان يدرس في كلية الفنون الجميلة تصميم ثلاثة أغلفة للكتاب، واختار القذافي أسوأها حسب شهادة الفنان.

وطُلب من عدد من الكتاب كتابة مقدمة للكتاب، واختار القذافي أيضا أسوأها، ولكن نرجسيته منعته من وضع المقدمة في أول الكتاب وإنما على الغلاف الخلفي، مما جعل الأستاذ علي مصطفى المصراتي يقول للكاتب المحظوظ «عجبتني مؤخرتك».

في هذا الكتاب يشن القذافي هجوما حادا على المدينة، التي عاش معظم سنوات حياته فيها، واحتل وحده تقريبا عشر مساحتها، بالإضافة لبيته في حي رأس حسن الذي كانت تقيم به زوجته صفية فركاش، وبيت ابنه البكر محمد الذي كانت تقيم به أيضا زوجته الأولى فتحية خالد، وبيوت أبنائه التي توزعت على أحياء المدينة الراقية، وخاصة حي غرغور الذي قتل فيه ابنه الأصغر سيف العرب في غارة جوية خلال أحداث الثورة العام 2011.

لم يحتمل القذافي مدنية وتحضر فتحية إلا سنة واحدة، وهي تنحدر من أصول تركية ومن عائلة برجوازية، لدرجة أن والدها رفض أن يزوجها له قبل الانقلاب بحجة أنه بدوي، ولكنه خطبها مرة أخرى بعد الانقلاب وكان معه الرئيس عبدالناصر، فوافق والدها دون تردد، ويبدو أن السيد نوري خالد كان تقديره صحيحا، فطلّق القذافي فتحية وتزوج سيدة بدوية من قبيلة البراعصة أنجبت له بقية أبنائه.

ولكن في الواقع لم يعش القذافي حياة عائلية طبيعية، وإنما عاش وحيدا وسط حريمه من الحارسات، لدرجة أن مبروكة الشريف رئيسة مكتب الخدمات الخاصة كانت «تشرف على شؤونه اليومية والخاصة جدا أكثر من زوجته، بالإضافة إلى ظله مدير المراسم نوري المسماري».

لا أدري لماذا يجذب عالم الكتابة الطغاة من صنف القذافي؟

حتى صدام حسين الذي بعد أن حول العراق إلى كومة من الخراب، جلس على قمتها وبدأ يكتب رواياته التافهة، وبعد أن كتب روايته الأخيرة «أخرج منها يا ملعون» أخرجوه من تلك الحفرة.

وكتب عبدالناصر فلسفة الثورة كما كتب السادات كتابه «يا ولدي هذا عمك جمال»، والبحث عن الذات عندما كان نائبا للرئيس، قبل أن يصبح الرئيس ويتخلص من جميع مساعدي عبدالناصر ويتوقف عن الكتابة.

وهتلر كتب كتاب «كفاحي»، بينما جاء موسوليني وستالين من عالم الصحافة والكتابة، ليتحولا إلى أغرب طغاة القرن العشرين، وذات مرة استضاف موسوليني الروائي الكبير البيرتو مورافيا في القصر الجمهوري، وعندما أدخل مورافيا على موسوليني استقبله وهو يستعرض سطوته وسلطاته الواسعة، فقال لمورافيا هل تعلم أنني إذا ضغطت على هذا الزر تتحرك قواتي في القرن الأفريقي، وإذا ضغطت على هذا الزر تتوغل قواتي في الصحراء الليبية، فقاطعه مورافيا قائلا ألا يوجد زر تضغط عليه فيحضر أحدهم فنجاني قهوة لنا؟.

في الكتاب الأخضر يتصرف القذافي كمفكر يناقش المفاهيم فلا نرى من وجدانه شيئا، بينما في كتابه القرية القرية الأرض الأرض يكتب كأديب، فيفتح بابا مواربا لنرى وجدانه وخاصة في قصته عن الموت والفرار إلى جهنم، لذلك أعتبره أفضل كتبه على الرغم من أنه لم يستوف المعايير الفنية لفن القصة.

فالكتاب يكشف عقدة التمركز البدوي لدى القذافي، فهو مصر على رؤية العالم من الخيمة نفسها التي ولد بها، على الرغم من أننا اكتشفنا أن خلف خيمته التي تظهر دائما في التلفزيون ثمة فيلا فخمة، توجد بها كل وسائل الراحة الحديثة حتى الحمام البخاري والساونا، وسرداب للفتيات الصغيرات اللواتي سيفض بكارتهن بشكل متوحش في غرفة نومه التي لا توجد بها نافذة واحدة، بعد أن تفحص أربع ممرضات أوكرانيات الفتيات للتأكد من خلوهن من الأمراض الجنسية، ثم تتولى معالجة الإصابات والنزيف الناتج عن تلك المضاجعة، بينما القذافي يشتم كل نساء الأرض، والبنات المسكينات يستجدينه أن يرحمهن وهن ينادينه بـ «بابا معمر».

في هذا الكتاب يتحدث القذافي عن والده بحب وتقدير، بينما يهمل أمه بالكامل ويبدو أن كل شذوذ القذافي يكمن في هذه النقطة.

صحيح أطلق اسم أمه على ابنته الوحيدة ولكن فتيات السرداب كشفن كراهيته الشديدة للنساء، والباب الموارب في كتابه أتاح لنا رؤية تلك الروح المشوهة التي لم تستطع فهم العالم وهي تنظر إليه من خباء بدوي.

فلماذا تجاوز بدو الخليج بداوتهم بينما أصر البدوي الليبي على التمسك ببداوته وهو في قلب مدينة عريقة تطل على المتوسط؟.

_____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *