سالم الكبتي

(حكومات الشعوب إلى زوال …… وأما الشعب فهو السرمدي)
رجب الماجري

في الثامن عشر من مارس 1950 جلس محمد الساقزلي على مقعد رئيس الحكومة. كانت في تلك الفترة ثالث حكومة في برقة. وستكون أطول أمدا من الحكومتين السابقتين، فقد ظلت كذلك إلى الرابع والعشرين من ديسمبر 1951.

وخلال هذه المدة الحكومية الثالثة حصلت العديد من الحوادث والوقائع وتغيرت أمور وجرت مياه في الأنابيب وتدفقت صوب كل الجهات.

وهذه الأحداث أغلبها كان عاصفا في مجمله عبر العلاقة مع الجمعية الوطنية (عمر المختار سابقا) وانتهى بحلها وإيقاف نشاطها في يوليو 1951 وأودع بعض رجالها في السجن ببنغازي.

حافظ الساقزلي في العموم على التشكيلة السابقة لحكومة عمر الكيخيا واحتفظ في الوقت ذاته بوزارة العدل واستمر علي الجربي وزيرا للمواصلات والأشغال إلى استبداله في يوليو 1950 بمصطفى بن حليم.

ـ كان الجربي قد اختير ممثلا لبرقة في المجلس الاستشاري للأمم المتحدة الخاص بليبيا.

ـ وأضحى حسين مازق وزيرا للداخلية والمعارف وكانت الوزارتان ضمن مهام الباشا الكيخيا.

ـ فيما اختير سعد الله بن سعود وزيرا للصحة وقد تحفظ عليه عدد من المستشارين بعدم تكليفه رئيسا للحكومة الثالثة.

ـ عبدالقادر العلام سيدخل الحكومة لأول مرة ويعين وزيرا للزراعة والغابات.

الساقزلي، كما مر بنا، صاحب خبرة إدارية وقانونية سابقة. ويتمتع بطبيعة حادة في التعامل والحرص. كان يمتلك قدرة في تحرير وإنشاء المذكرات والرسائل وبأسلوب فريد تميز به طوال المسؤوليات التي تقلدها إلى ما بعد الاستقلال.

ورغم بعض الاعتراضات التي واجهته لتوليه مهام ومناصب مختلفة إلا أنه ظل موضع ثقة لدى الأمير ثم الملك إدريس.

كانت هذه الثقة تعود تاريخيا إلى أيام حكومة إجدابيا عام 1917 وما بعدها حيث نقضت إيطاليا اتفاقاتها وعهودها السلمية بمجيء الفاشيين إلى السلطة عام 1922. تمتع الساقزلي أيضا بالحزم في مواجهة خصومه بلا هوادة.

وحين وقعت الأزمة الدستورية حول المجلس التشريعي في طرابلس 1954 وقف موقفا معارضا من الملك وخطواته نحو حل المجلس.

كان ثاني رئيس للحكومة بعد الاستقلال. أقاله الملك ودفع ثمن هذا الموقف رغم العلاقة الودية القديمة والاحترام ولم تطل مدة رئاسته لتلك الحكومة أكثر من ثلاثة أشهر.

سيتوارى كثيرا عن المشهد في مرحلة لاحقة لكنه سيقع عليه الاختيار عام 1960 عميدا لبلدية بنغازي ثم واليا لبرقة لفترة قصيرة إلى إعلان الوحدة في 1963 ثم سيكلف برئاسة المؤسسة الوطنية لإعادة بناء مدينة المرج عقب زلزالها الشهير.

الساقزلي أيضا اختاره الملك عقب إعلان الاستقلال أول والٍ لبرقة ثم رئيسا للديوان الملكي ووزيرا بعدها للمعارف في حكومة السيد محمود المنتصر وسيعاصر الإعلان والمتابعة لوضع النشيد الوطني للمملكة.

تجمعت في شخصية الساقزلي الخبرة والنزاهة وحدة الطبع وجودة الأداء في التنفيذ والإدارة، وهذه العناصر شكلت له أزمة مستمرة، إن صح القول، مع خصومه في الجمعية الوطنية ونالته قصائد الهجاء المريرة منذ إمساكه رئاسة الحكومة الثالثة ومنها تلك التي هتف بها رفيق الذي كانت لديه حساسية قديمة لم تنته مع رئيس تلك الحكومة:

(قالوا حكومتنا والله يفضحها
مثل النعامة لا طير ولا جمل
وأنها تشبه الكراث
لا ثوم ولا بصل
وإنما هي خنثى مشكّل
خُلقت فليست بامرأة تدعى ولا رجل
قلت هذا كلام كله غلط
فلا يصح بها أن يضرب لها المثل
)

وثمة قصائد أخرى في نفس الاتجاه والمقاومة الشعرية للحكومة أكثر صراحة وحدة. وهي تظل ضمن تفاصيل الصراع الذي دار تلك الأيام وانتهى بتفاصيله ولم يبق منه شيء إلا في تدوينات التاريخ السياسي والثقافي المهمين في ما جرى ويظل أيضا مفيدا وفاعلا في دراسة وتحليل هذه التفاصيل دون شخصنتها أو الخروج بها عن إطارها وظروفها التي دارت فيها.

والواقع أن هذه الخلافات أو الآراء التي تسكن صفحات تاريخنا المعاصر تبقى في رؤية أخرى لا تقل أهمية عما ذكرته محددة في الاختلاف فقط وتباين وجهات النظر دون أن تتجاوز ذلك الاختلاف والخلاف رغم مرارة القصائد والمواجهات إلى ما هو أقسى وأشد من العنف على سبيل المثال.

كانت معارك استوجبتها المرحلة السياسية وتأثيرات ما يدور إقليميا ومحليا وانعاكساته علينا. كان كل طرف يسعى إلى ما يراه الأقرب إلى المصلحة وكانت هناك أولويات وعوامل تتطلب المراعاة والتحسب والحذر مما هو قادم للبلاد بكاملها وكان لابد، في النهاية، أن يحصل هذا التجاذب والتباين.

كانت للجمعية الوطنية رؤيتها وسط هذا السيل. شبابها أو أغلب أعضائها يرفضون التعامل مع أساليب الإدارة البريطانية التي تسير الأمور بحكم الواقع الدولي وتداعيات نهاية الحرب العالمية الثانية وتعتبر وجود تلك الإدارة احتلالا وسيطرة على المقدرات.

كانت تقارب في رؤيتها ما يحدث في مصر المجاورة التي كانت أحزابها وجماعاتها السياسية تعتبر الوجود الإنجليزي هناك استعمارا بمعنى الكلمة. وكان الأمر في ليبيا يختلف عن ذلك.

كان المسؤولون يرون في وجود الإدارة البريطانية وجود حليف وصديق ساعد في تحرير الأرض وقدم المعونة.. وما يزال!

خطان تقاطعا وتشابكا أيضا ونشأ عن هذا التقاطع الكثير من الصدام الذي لم يكن لازما بالضرورة وكان بالإمكان تفاديه أو الإقلال منه أو النأي منه بطريقة أو بأخرى في كل الأحوال.

وسط هذه الظروف المتشابكة وجدت حكومة برقة الثالثة برئاسة السيد محمد الساقزلي. وشرعت في توطيد الأسس المطلوبة للاستقرار ودعمه فاتجهت إلى إنجاز مجموعة من الأعمال كان من أبرزها إجراء الانتخابات في المدن والاختيار في الدواخل لتكوين مجلس للنواب.

خطوة بادرت بها الحكومة لتحقيق (الديمقراطية)!!

___________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *