سالم الكبتي

(يهدّد من يقول الحق جهرا …. ويضرب بالخناجر ما استطاعا)
إبراهيم الاسطى عمر

.. والقصة التي حدثت تلك الأيام أن جمعية عمر المختار احتفلت بصدور القرار رقم 289 الصادر من هيئة الأمم المتحدة في الحادي والعشرين من نوفمبر 1949 القاضي باعترافها باستقلال ليبيا في موعد لا يتجاوز يناير 1952.

صدرت صحيفة (الوطن) صوت الجمعية تحمل الخبر إلى الناس بحروف بارزة في سطر صفحتها الأولى وخرج شبابها وكشافتها في عروض صحبتها الموسيقى والهتافات.

أثار ذلك اهتماما لدى الكثيرين الذين شاركوا الجمعية هذا الابتهاج لكن قوات البوليس كانت تراقب وترصد ما يدور وتابعت النشاط الذي حل بشوارع بنغازي الرئيسية وميادينها.

عادت المسيرة الراجلة إلى مقر الجمعية وتولت المباحث الجنائية وفقا لتعليمات رئيس الحكومة التحقيق والمتابعة مع مسؤولي الجمعية حول ما حدث.

رغم ذلك وفي تحد لهذه الإجراءات كما هو واضح أقامت الجمعية احتفالا داخل مقرها بعد موافقة المتصرف العام لبنغازي السيد على جعودة وألقيت القصائد والخطب التي تستعرض تطورات القضية الوطنية وصولا إلى صدور القرار العالمي بالاعتراف بالاستقلال وما سيترتب عنه في صالح تلك القضية والشعب.

وبالطبع رافق ذلك كله المزيد من الحشود والتجمع وعزف الألحان من كشافة الجمعية.

وذلك أيضا لم يكن محل ترحيب من الحكومة. رأت فيه المزيد من التحدي والعناد أو بأنه موجه ضدها مباشرة أو نحو رئيسها الباشا عمر الكيخيا بطريقة واضحة وهنا أصدر أمرا بحل كشافة الجمعية.

تداعى عن هذه المواجهات أو الصراع الذي سيشتد مع الوقت جملة من المواقف والتطورات ووجدت الجمعية في ذلك ضرورة للتوضيحات والمزيد من التحدي أيضا فنشرت في صحيفتها (الوطن) مقالات حادة موجهة إلى رئيس الحكومة تتابعت في نهاية نوفمبر وبداية ديسمبر 1949.

كان أولها مقال بعنوان (حول القرار الوزاري). تضمن إشارات إلى تحقيقات المباحث مع رجال الجمعية على ضوء احتفالها وابتهاجها بالمناسبة المذكورة وضرورة أن لا يقام أي نشاط بدون إذن.

وانتقد القرار الذي قضى بحل الكشاف بالقول: (أحدث هذا الإجراء الجائر تأثيرا سيئا في النفوس ومما تجب الإشارة إليه هو أنه يوجد في بنغازي كشاف بريطاني يعمل حرا وقد اشترك أخيرا في استعراض عسكري ولم نسمع أن عمر باشا اهتم بوضع قانون له أو حتى سأل عن وجوده!).

والمقال الثاني كان صريحا إلى أبعد الحدود. ورد تحت عنوان بارز هو (عمر باشا يجب أن يتنحى).

احتوى المقال على انتقاد تصرفات رئيس الحكومة واتهمه بأن :

(له غرض مقصود من إحداث ما حدث . لعله يرى أن من مصلحته الخاصة أن يستفز ويثير حتى يستغل الموقف لإظهار جبروته ومقدار قدرته على الهدم والتحطيم. إذا كان هذا هو غرض الباشا من تصرفاته فنحن نربأ بهذا الوطن أن يكون على رأس حكومته شخص له هذه النوايا. نريد رجلا لا يفرق بين الأفراد والجماعات. نريد رجلا لا يهين كرامة المؤسسات. نريد رجلا يسعى إلى حب الشعب بجمع كلمته وتصريف أموره بالروية وبعد النظر. إن في إمكان رئيس الوزراء أن يسن قانونا للكشاف بدون أن يلجأ إلى الحل. إن الحل معناه الهدم. معناه الزوال. معناه أن هذا الشئ لا يستحق أن يحيا).

وفي نهاية المقال وجهت دعوة صريحة للأمير إدريس بأن يهيء لشعبه حكومة تستوحي أعمالها من حكمة الأمير وإرادة الشعب يتشرف برئاستها رجل له من احترام الأمة النصيب الذي يمكنه من إدارة الشؤون في جو من الثقة المتبادلة.

كانت الجمعية تحظى بقبول شعبي ومساندة قوية في بنغازي وكل موقف ينشأ أو يصدر عنها يجد له صدى واسعا في صفوف الناس الذين ينظمون إليها أو يتعاطفون معها حتى من بعض المسؤولين في الدوائر الحكومية.

كانت بنغازي في الغالب كلها (جمعية) ولهذا حظيت سلسلة المقالات بترحيب وحماس ورأى فيها الكثيرون موقفا وطنيا.

المقالات في الواقع تولى كتابتها بشير المغيربي بنفسه الذي سيطاله الاعتداء في وضح النهار. كان هو السكرتير العام للجمعية وخطيبها وقارئ قصائد شاعرها أحمد رفيق في مناسباتها ومهرجاناتها الكثيرة وسط المدينة وما حولها.

كان نشاط الجمعية يهز الأركان ويملأ الأسماع. وقد شكل ذلك الأمر أسبابا في عدم قبول الحكومة ممثلة في شخص رئيسها لذلك النشاط والتحفظ عليه وعدم تشجيعه إضافة إلى عدم وجود توافق أو انسجام بينه وبين أعضاء الجمعية من الناحية السياسية رغم وجود علاقات اجتماعية وودية في جانب آخر بين الطرفين.

كان الباشا عمر كما أسلفت يمثل عقلية إدارية وسياسية تختلف عن رغبات أعضاء الجمعية وشبابها وكان لابد أن يحدث الصراع طبقا لهذا التناقض أو عدم التوافق في كل الأحوال.

والصراع من طبيعة الأشياء كما يقال. وذلك ما شهدته الحياة السياسية الليبية في فترة الأربعينيات وبداية الخمسينيات. كان ذلك يمثل أخذا وردا وجذبا وشدا بين الأطراف في حلبة السباق السياسي.

الحراك اشتمل على المظاهرات والرفض والتنبيه والمقالات في الصحف والمحاورات التي لا تتوقف وأوصلت الناس على مختلف المستويات إلى وعي وطني قل نظيره قياسا بمراحل معاصرة.

هذه المقالات التي توثق لتلك المرحلة السياسية الضاجة وخاصة ما يتصل بالمواجهة مع الحكومة الثانية في برقة برئاسة الباشا عمر وردت في صحيفة الوطن التي كانت تصدر كل ثلاثاء وتنفذ بمجرد الصدور إلى توقفها بتوقف الجمعية في يوليو 1951 وكانت في الواقع صدى حقيقيا لما يدور فوق الأرض وقد أعاد نشرها الأستاذ بشير المغيربي في كتابه (وثائق جمعية عمر المختار)عام 1992.

ثم احتفلت الجمعية بعودة وفد برقة الذي شارك في مناقشات الأمم المتحدة وصولا إلى قرار الاستقلال بعضوية السادة عمر شنيب وخليل القلال وعبدالرازق شقلوف.

وبدوره أقام مركز الجمعية المماثل في درنة احتفالا بالوفد وعودته. زاد ذلك من المواجهة والحساسية. نشر المغيربي مقالا حادا عنوانه إلى محكمة الشعب، ردا على بيان لرئيس الحكومة القاضي بحل الكشاف التابع للجمعية.

اتسع الخرق. عيون الغرابيل لم تستطع الإمساك بما فوقها.

وفي الحادي عشر من ديسمبر 1949.. عند الظهيرة وفي شارع بن عمران وقع الاعتداء على سكرتير الجمعية بعد جملة من الأحداث التي بدأت بالابتهاج بقرار الأمم المتحدة ومرت بالمقالات الحادة ثم وصولا إلى الهجوم بآلات لا تقل حدة عنها.

كل ذلك الذي كان من تداعيات الصراع ظل تصرفا فرديا. حماس من مجموعة من الأفراد لرئيس الحكومة الذي ظل غير مسؤول عنه.. وربما حسب عليه في أطياف التاريخ!
فماذا حدث أيضا بالضبط !

____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *