قبل مائة عام فقط، كانت حكومة اسطنبول تحكم مساحة جغرافية أضعاف مساحتها اليوم، وكان عدد قوميات الدولة أضعاف عددها اليوم، وكانت أنظار العالم تتوجه إليها لمدة تزيد عن خمسة قرون بنظرة إكبار وافتخار وطاعة من شعوبها، وبنظرة احترام وهيبة، وربما خوف من قبل الدول الأخرى.

وكانت جامعات اسطنبول وجهة لطلاب العلم والسياسة القادمين من أوروبا، من أبناء الملوك والأمراء والنبلاء، طلبا للعلم والأدب والقانون، ورغبة في التخرج من جامعاتها.

كما كانت مدنها ملاذ الفارّين من اضطهاد التمييز العنصري أو الديني في أوروبا، من أبناء الشعوب الأوروبية التي كانت تحرم من حقوقها الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية.

وكان الباب العالي في الأستانة مقر رئاسة الوزراء للقسم الأكبر من العالم الاسلامي، فتشمل تركيا وغالبية البلاد العربية وبلاد البلقان والقوقاز وبعض دول شرق أوروبا حتى حدود غربها.

فكانت تركيا محل اهتمام شعوب الشرق والغرب والعرب جميعا، وكانت الوحدة الروحية والسياسية تجمع سكان هذه البلاد، كما كانت النقود المالية نفسها عملتهم الرسمية جميعا، فكانت محور الاقتصاد والتبادل التجاري والتواصل الاجتماعي والارتباط السياسي، وكان نداء الله أكبر يجمع شملهم، كما كانت طاعة السلطان الأكبر تجمع انتماءهم.

فلا غرو بعد ذلك العهد القريب أن تبقى انظار العالم الإسلامي والعربي متجهة إلى تركيا لمعرفة مسارها ومصيرها بشكل دائم ومتواصل، وأن تعرف مراحل ضعفها وأسبابه، وكذلك مراحل قوتها وقواعدها، فقد ثبت أن الوضع التركي ينعكس على العالم العربي ويتأثر به تأثر الجسد بإصابة العضو الواحد، وكذلك ترى تركيا أن مصيرا مشتركا يجمعها بالدول العربية، ولذا فإنها تعمل بكل ما أوتيت من جهد وتأثير على حل مشكلات المنطقة باعتبارها مشكلاتها.

فلما ضعفت تركيا بضعف العالم الاسلامي والعربي، ولما أخذت العالم الإسلامي والعربي يتعافى وينهض، فكما الأخ مرآة أخيه المؤمن، فالدول الإسلامية مرآة لبعضها البعض، لأن عوامل ضعفها وفرقتها كانت واحدة، وعوامل قوتها ونهضتها ستكون متقاربة، فإن لم تكن كذلك بالكامل، فإن فيها دروسا كبيرة وتجارب متميزة وتحديات متشابهة وقضايا متداخلة ومعاناة متجاذبة.

إن المتابع لما يجري في الوطن العربي في العقد الأخير تحديدا، يجد اهتماما عربيا كبيرا بالتجربة التركية عموما والمعاصرة خصوصا، ويجد الدراسات والأبحاث والمقالات قد تناولت الكثير من مجالات الإصلاح في تركيا، وتحدثت عن أوجه التشابه بينها وبين ضرورات النهضة العربية، ومجالات الاستفادة منها.

وبالرغم مما في هذه الأبحاث من فوائد كثيرة، إلا أن معظمها صنف قبل ثورة الربيع العربي تاريخيا.

فهذه الثورات المجيدة مرت في مسارها السياسي بمسار مشابه لما وقع في تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة السياسية عام 2002م، أي: أنها كتبت في مرحلة البحث النظري عند المفكرين العرب، وربما كان بعضها من باب الأمنيات أو الأحلام أو التوقعات، بينما مرحلة الربيع العربي نفسها تحتاج إلى الدراسات العميقة التي تفهم التجربة النهضوية التركية في كافة مجالاتها، في أسسها الفكرية والثقافية والتربوية، وفي رؤيتها الفلسفية والاجتماعية، وفي قواعدها الاقتصادية والمالية، وفي أبنيتها الصناعية والتكنولوجية، وفي أنظمتها السياسية والدستورية، وغيرها.

فقد بلغ نجاح التجربة الاقتصادية التركية مكانة كبيرة، إذ بلغت تركيا المرتبة السادسة عشرة على مستوى النمو الاقتصادي على مستوى العالم، وبلغ حجم الاستثمار الخارجي في تركيا العام الماضي 93 مليار دولار.

لقد حاول العالم العربي مرارا أن يقلّد بعض التجارب النهضوية العالمية، وكان الإخفاق حليفه في الغالب، لافتقاده الرؤية المتكاملة للمشروع النهضوي، ولافتقاره إلى إخوة صادقين يشاركونه المعاناة والرغبة الصادقة بتحقيق نهضته دون طمع ولا خداع ولا غدر، ولا دوافع استعمارية ولا هيمنة امبريالية ولا عولمة مستعلية، ولا شركات عابرة للقارات المتوحشة، وإنما بأخوة مؤكدة ومصالح مشتركة، ومنافع متبادلة.

______________

المصدر: دراسة للباحث محمد زاهد غول بعنوان التجربة النهضوية التركية .. كيف قاد حزب العدالة والتنمية تركيا إلى التقدم؟

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *