سالم الكبتي

(لا بأس أن يكون ماضينا أفضل من حاضرنا ولكن الشقاء الكامل أن يكون حاضرنا أفضل من غدنا) محمود درويش

***

الطريق إلى عام 1949..

عام بدء فيه تشكيل الحكومات قبيل الاستقلال ولم تكن طريقاً واحدة.

تعددت في سيرة التاريخ وكانت في الوقت ذاته تجارب لمخاض استمر في وقت تواجد خلاله الاحتلال الإيطالي بصلفه وجبروته وعناده وقهره للآخرين.

كان الاحتلال لا يود بروز حكومات وطنية إلى جواره تنافسه وتخرب مساعيه ولذلك ظل يظهر لها عكس ما يحتويه داخله.

كان الليبيون قد ودعوا تجربة الوجود العثماني وها هم الطليان يتواجدون وينشرون أجنحتهم كل يوم فوق ليبيا وأقاليمها

إن التجربة للحكومات الوطنية أو الشبيهة بها تلك الفترة تظل مداخل مهمة في مسيرة السياسة الليبية المعاصرة.

لقد كانت الحكومات بشكلها الذي ارتضاه الناس تلك الأيام حقيقة على الواقع.

حكومات نشأت وبعضها أو أغلبه لم يدم طويلاً بحكم المتغيرات التي فرضتها ظروف وسياسة الاحتلال.

كان الأمل في أن يكون استمرار هذه الحكومات رغم الضيق والعسف أملاً آخر لتحقيق سيادة وطنية ورأي وطني وسلطة ذاتية تعبر عن إرادة السكان في وجه العدو الواحد الذي ظل يلعب على كل الحبال ويمارس كل الألاعيب وتعميق سياسة التفريق في الوطن الواحد أيضاً.

ولعل هذه الحكومات بوضعها المتواضع أرادت أن تشكل قوة ناعمة أمام قوة حديدية تثقل الكواهل. وربما من جهة أخرى كان في ظنها أن تكون حكماً ذاتياً فوق الأرض الليبية بالسياسة والدهاء والمرونة دون التفريط في الحقوق والتضحية بالوطن. وهي في كل الأحوال تبقى رؤية واقعية لا تتسم بأي معنى للخيانة أو العمالة كما نظر إليها البعض من المشتغلين بتاريخنا في فترات قريبة

إن كتابة التاريخ بمنطق الإعلام والتهريج لا يخدم شفافية روح البحث والحيادية المنهجية والرؤية الصائبة للأمور دون انحياز فارغ لأي طرف.

مشكلتنا ضياع سطور تاريخنا في ركام صراخ الإعلام والتشويه والخطب النارية وسواها.

إن ما حدث من استخدام للسياسة ولعبتها بطريقة خذ وطالب مع الكثير من الصبر والمعاناة التزمت به شعوب عديدة في مراحل لاحقة وخاضت التجربة مثلنا بعد المزيد من المقاومة العنيدة والنضال

برزت السلطات الوطنية زمن الاحتلال وعرفها الليبيون بأنها حكومة.

ومنذ استلم الأمير إدريس الشؤون في 1916 أسس حكومة إجدابيا وعرفت بحكومة السيد الذي أدارها بمنتهى الحزم وحقق في مناطقها التي تخضع له أمناً واستقراراً وقضى على الجريمة والمجرمين التي كانت سادت بفعل ظروف الحرب القاسية وشعر السكان عبرها بالأمان وأن ثمة سلطة وحكومة يرتكن إليها ويعودون لها في أمورهم فهي حكومة من أبناء الوطن وليست من الكفار في شيء.

وكان الجوع يفتك فتكاً هائلاً ومريعاً بالجموع فيما ظل الطاعون ينتشر تلك الأيام الخوالي ويسري في كثير من المدن والمناطق وعالجته بتعليمات الحجر الصحي والتنبيهات.

وجلس الأمير إدريس باعتباره رئيس الحكومة ومن يدير الشؤون وجهاً لوجه مع الطليان في الزويتينة وقاد مفاوضات مريرة تبدأ وتنقطع ثم تعود مرة أخرى لأسباب عرف من خلالها نفسية المحتل ورغباته وأطماعه. كان في ذلك يرخي الحبل أحياناً ويشده مرات أخرى

تواصلت المفاوضات بعد الزويتينة مع وفدين يمثلان الإنجليز والطليان.

كان غرض الإنجليز تأمين حدود مصر الغربية بعد هجوم السيد أحمد الشريف عليها باستدراج تركي فيما كان غرض الطليان يتحدد في إيقاف القتال.

دامت المفاوضات طوال شهري مايو ويونيو العام 1916. وانتهت دون الوصول إلى حل نظراً لتمسك الطليان بمطالبهم وفقاً لما تؤكده المصادر التاريخية ولتصلب موقف الأمير الذي لم يتراجع عنه.

كان الطليان خلال المفاوضات يراقبون الأمير بدقة ويتابعونه ويلاحقون تصرفاته. وفي واحد من تقاريرهم عنها أشاروا بأنه أمير بمعنى الكلمة لكنه لم يكن كذلك في حالة واحدة.. عند ما يغادر كشك الاجتماع عند شط بحر الزويتينة ويدخل إلى الخلاء وبيده أبريق من الماء!

ونتيجة لهذا التوقف الذي أتاح للأمير المزيد من البحث وتقليب الموضوعات تحقيقاً للمصلحة العامة التي يحتاجها السكان ومطالبهم عقدت لقاءات ثانية في عكرمة قرب طبرق بين الأمير إدريس ومعاونيه وبين الجانبين الإيطالي والإنجليزي بدأت في يناير 1917 واستمرت إلى نهاية إبريل من العام نفسه وانتهت بتوقيع اتفاقيتين بينه وبين كل جانب على حده.

 أعطت هذه المفاوضات اعترافاً من الأجنبي بالأمير وحكومته التي امتد نفوذها مناطق الدواخل من الحدود المصرية شرقاً إلى سرت غرباً.

لقد أكسبت المفاوضات واللقاءات خبرة قوية للأمير وحكومته في التعامل مع الآخر حتى وإن كان عدواً محتلاً للبلاد.

كانت المفاوضات والاتفاقات ظاهرة جديدة في أفق السياسة المحلية التي بدأت في الانطلاق وتأهلت للمزيد من الخطوات على الدرب البعيد. وصارت هنا الحكومة تؤكد معنى السياسة ومعايشة الواقع بالمنطق وسداد الرأي والاستشارة ولم يكن الأمير في ذلك وحده.

كانت حكومته تضم العديد من المعاونين والمستشارين وضمت مجلساً خاصاً أعضاؤه من كبار العلماء وإخوان الطريقة السنوسية ومجلساً آخر للأعيان تشكل من شيوخ وأعيان القبائل. وأمثلة على هذا كان:

عمر المختار نائباً للمنطقة الغربية

وعلي العابدية متصرفاً لإجدابيا

ومحمود بوهدمة عميداً لبلديتها

وحسن الغرياني رئيساً لقسم المحاسبة

ومحمد علي بن شفيع رئيساً لقسم الجمارك

والشارف الغرياني قائداً للجيش ومسؤولاً لخط النار قرب سرت

وساسي بن شتوان

والسنوسي قادربوه

وثمة مجموعة من المستشارين في مقدمتهم:

عمر باشا الكيخيا

ومحمد سعيد الفزاني

وعبدالقادر فركاش

ومحمد الساقزلي.

وهذه الأسماء في أغلبها رافقت الأمير إدريس في زيارته الشهيرة إلى روما التي قصدها بحراً في ديسمبر 1920 ودامت شهرين.

وتروي المصادر والتقارير عن الزيارة بأنها تأتي في سياق سيادة الأمير وسلطته واعترافاً كاملاً به وبحكومته وقد حاولت السلطات الإيطالية خلال هذه الزيارة الانفراد بالأمير من خلال بعض الاجتماعات والولائم لكنه رفض هذه الدعوات مؤكداً أن تشكل أعضاء وفده لأن قيمه العربية توجب عليه عدم إهمال رفاق السفر وصحابه!. 

ترتبت خطوات عملية اتخذتها الحكومة في إجدابيا وما حولها تمثلت في تشجيع التعليم وفتح المدارس كان من بينها مدرسة حديثة على مستوى عال بمقاييس ذلك الزمن واعتنت بالجيش وأقامت معسكرات لتدريب الشباب الفنون العسكرية وغير ذلك من أعمال ومؤسسات كالبريد وتحسين نظامه.

وكان الأهم في هذه الخطوات إعلان الحكومة الإيطالية دستوراً في برقة في الثالث عشر من أكتوبر العام 1919 بعد إعلان دستور بطرابلس بأربعة أشهر وقد وصفه الأستاذ إيفانز برتشارد أنه تضمن قبولاً ضمنياً بالسيادة.

ولحق هذه الدستور بتكوين مجلس نيابي في برقة احتوى في عضويته ممثلين عن المدن والقرى والواحات بطريق الانتخاب وظل هذا المجلس يعتبر من أبرز الأعمال السياسية في منظوره المحلي تزامناً مع حكومة الأمير في إجدابيا

.. ثم أعلنت الجمهورية الطرابلسية في السادس عشر من نوفمبر 1916بحكومتها ورؤسائها الأربعة..

سليمان الباروني

ورمضان السويحلي

وعبدالنبي بالخير

وأحمد المريض.

وكان ثمة خطوات أخرى تلاقت في طريق الإرادة الوطنية لتحقيق الذات والاستقلالية وعدم التبعية في المفهوم الواسع.

____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *