عمر بوشعالة

وتنفيذاً لهذا القرار وجهت الأمانة العامة إلى جميع الدول التي اشتركت في مؤتمر الصلح مع إيطاليا مذكرة رسمية في يوم 18-4-1946م وهذا نصها:

1- أن أية فكرة ترمي إلى تقسيم هذا البلاد إلى مناطق يعهد إلى دول أجنبية بالوصاية عليها، أو تضم إلى دول مختلفة ستقابل برفض جماعي من الشعب الليبي وبمظاهرات في العالم العربي.

2- أن من حق الشعب الليبي استناداً إلى حقوق الإنسان تقرير مصيره واعتماداً على ميثاق الأطلنطي وروح ميثاق سان فرانسيسكو أن يستشار للإعراب عن مشيئته الحرة في اختيار نوع الحكومة التي يريدها.

3- أن أي إجراء يرمي إلى تقرير مصير الليبيين، بدون إعطائهم الفرصة الكاملة لإجراء استفتاء حر تحت إشراف الأمم المتحدة والجامعة العربية سيجد معارضة من شعب ليبيا بكل ما في وسعه من قوة.

4- أن أي إدعاء يصدر من الجانب الإيطالي للمطالبة بإعادة إلى الارتباط بين ليبيا وإيطاليا بإقامة أي نوع من أنواع النظام الحكومي سيقابل بالسلاح وبكافة الوسائل الأخرى التي تتوافر لدى الشعب الليبي، ومما لاشك فيه أن تاريخ نضال هذا الشعب خلال هذا القرن الماضي ضد إيطاليا هو تاريخ قتال استمر أكثر من عشرين عاماً فقدت البلاد خلالها زهاء نصف عدد سكانها.

برزت القضية الليبية في شهر مايو 1942م، إثر اندحار قوات المحور وانتقال العمليات الحربية من القارة الأفريقية إلى القارة الأوروبية، ومن ذلك التقت المجموعة المتحالفة والمنتصرة في الحرب، أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا في بوتسدام ثم في سان فرانسيسكو، بقصد بسط النفوذ والسيطرة على مستقبل المستعمرات الإيطالية السابقة في أفريقيا بما في ذلك ليبيا وأحالت هذه المسألة للتداول إلى المؤتمرات

ثالثاً: مؤتمر باريس واللجنة الرباعية 1947م

في حال فشل الدول الأربع في الاتفاق على مصير المنطقة العربية  خلال سنة، إما لتعارض المصالح بين الأطراف الأربعة أو لبروز تواطؤ أمريكي إيطالي موجه ضد مصالح إنجلترا وفرنسا، بالتالي لم تستطع الدول الأربع التوصل إلى رأي حول الممتلكات الإيطالية السابقة، فقد قررت الدول الأربع في جلسة نواب وزراء الخارجية بباريس في أكتوبر 1947م، تشكيل لجنة خاصة تضم الدول الأربع الكبرى لدراسة الأوضاع المستعمرات الإيطالية، وهي التي عرفت باسم لجنة الاستفتاء الرباعية الدوليةوحددت مدة عملها من ستة أشهر إلى سبعة أشهر ابتداءً من مغادرتها لندن.

وذلك للتعرف إلى رغبات السكان ووضع تقرير عن الأحوال الداخلية في هذه المناطق، وقد صدرت إليها التعليمات بأن يقتصر تقريرها على ذكر الحقائق وأن تمتنع عن تقديم أية توصيات تتعلق بحل مشكلة البلاد حلاً نهائياً، وكان القصد من التعليمات أن تذهب اللجنة إلى المستعمرات، غير مقيدة الفكر، سعياً وراء التعرف إلى الرغبات الحقيقة للسكان، وعلى كل فقد كان ثمة خلاف في الرأي بين الممثلين حول ما هو الشيء الذي يعتبر حقيقةوذلك بسبب الاختلاف القومي في مواجهة القضايا الاستعمارية، وقد انتظمت هذه الاختلاف الكثيرة من مذكرات وأقواس وهوامش.

ووصلت لجنة التحقيق لليبيا في 6 مارس 1948م وغادرتها في 20 مايو 1948م، بعد أن قضت أربعين يوماً في منطقة طرابلس وعشرة أيام في فزان وخمسة وعشرين يوماً في برقة، وقد أجرت مشاورات مع الحكومة الإيطالية.

ولكن لم تستطع اللجنة التوصل إلى قرار موحد، وقدمت توصيات متناقضة بالرغم من رغبة الشعب العربي الليبي في الاستقلال، واتخاذ موقفٍ موحدٍ حياله رغم المصالح الإقليمية المتباينة بين أبنائه، بحيث انتهت الرغبة الليبية الجماعية والجامحة في الاستقلال.

وبتأثير من الدول الكبرى ذات المطامع الاستعمارية إلى القول في أحد جوانب توصياتها، إلى أنه عطفاً على فقر البلاد وشح مواردها فإنها لا تستطيع تولي أمر نفسها، ولذلك لم تكن مهيأة للاستقلال، ولما تلقى وكلاء الوزراء تقرير لجنة التحقيق وبعد أن استمعوا إلى وجهات النظر التي أبدتها الحكومات الأخرى ذات المصالح، ووضعوا توصيات لحل مشكلة المستعمرات الإيطالية تقدموا بها إلى مجلس وزراء الخارجية كان وكلاء الوزراء يميلون إلى وضع ليبيا تحت وصاية دولة أو دولتين.

وكان النزاع بين الاتحاد السوفييتي والكتلة الغربية قد بلغ من الشدة حداً كبيراً أثر على آراء الدول الأربع حول مستقبل المستعمرات الإيطالية. فالاتحاد السوفييتي الذي تخلى عن تأييده لوصاية إيطالية، عاد إلى المطالبة بالوصاية الجماعية، التي كانت قد تقدمت بها الولايات ورفضها الاتحاد السوفييتي، وكانت بريطانيا العظمى وفرنسا من قبل تحبذان وصاية جماعية، ولكنهما رفضتا الآن الاقتراح السوفيتي.

لقد بدا واضحاً أن ليس ثمة أساس مشترك للعمل النهائي، فخولت القضية إلى الجمعية العامة، تنفيذاً لشرط ورد في معاهدة الصلح ينص على تفويض الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن تكون الحكم الأخير. وكان اجتماع الجمعية العامة سينعقد في 15 سبتمبر 1948م.

رابعاً: هيئة الأمم المتحدة ومشروع بيفن سيفورزا

أدرجت القضية الليبية في جدول أعمال الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر من عام 1948م، ولكنها لم تناقش قبل أبريل عام 1949م عندما أحيلت إلى اللجنة المختصة بقضايا الأمن والسياسة، فشكلت لجنة فرعية لسماع وجهات نظر جميع الأطراف المعنية، بيد أن هذه اللجنة لم تستطع، بعد استطلاع الآراء، الاتفاق في مداولاتها.

وفي هذه الأثناء نشرت المملكة المتحدة وإيطاليا مشروع بيفن – سيفورزاالخاص بليبيا في 10 مايو 1949م. وكان بيفن وسيفورزا وزيري خارجية المملكة المتحدة وإيطاليا، وكان مشروعهما ينطوي أساساً على وصاية إيطالية على طرابلس ووصاية بريطانية على برقة ووصاية فرنسية على فزان، بشرط ألا يكون هناك اعتراض على ضم هذه الأقاليم في ليبيا المتحدة في المستقبل، كما تقرر منح ليبيا الاستقلال بعد عشر سنوات من تاريخ الموافقة على هذا القرار شريطة أن تقر الجمعية العامة صلاحية هذا الإجراء.

ولقد استقبل الشارع الليبي هذا المشروع الاستعماري بسخط بالغ فانطلقت مظاهرات الاحتجاج في كثير من مدن البلاد، وبعد مرور هذا المشروع بعدة حلقات تضمنت تعديلات واقتراحات، جر مشروع قرار اللجنة الفرعية بخصوص مشروع بيفن وسيفورزا إلى الجلسة العامة للهيئة العامة للأمم المتحدة في 17 مايو 1949م للتداول، حيث فشل مشروع برقة بمعارضة 37 صوتاً وتأييد 14 صوتاً وامتناع 7 أعضاء عن التصويت.

لقد كان لإرادة الشعب العربي الليبي ورفض الدول العربية وعلى رأسها مصر والدول الاشتراكية والآسيوية، دورٌ أساسيٌّ وفعالٌ في هذا الإنجاز التاريخي، وفي الدورة الرابعة للجمعية العامة التي انعقدت في30 سبتمبر 1949م أعيد طرح قضية المستعمرات الايطالية السابقة.

وفي أكتوبر 1949م عينت لجنة فرعية، من سبعة عشر عضواً، لإعداد مشروع قرار، واجتمعت اللجنة بين ذلك التاريخ و بين 1 نوفمبر 1949م، وبعد الوصول إلى سلسلة من الحلول الوسط، أعدت اللجنة الفرعية مشروع قرار يتضمن أن تنال ليبيا استقلالها في أول فرصة ممكنة، على أن لا يتأخر ذلك عن 1 يناير 1952م.

وبعد مناقشات دامت فترة طويلة وافقت الجمعية العامة علي مشروع قرار أيدته “49” دولة وعارضته دولة واحدة وامتنعت 8 عن التصويت، وفي 21 نوفمبر 1949م وفي دور الانعقاد الرابع له اتخذت الجمعية العامة القرار رقم (289) الخاص بليبيا والذي ينص على ما يلي: أن ليبيا التي تشتمل على  برقة وطرابلس وفزان تكون دولة ذات سيادة مستقلة.

1- يسري مفعول هذا الاستقلال في أقرب فرصة ممكنة وعلى أي حال في تاريخ لا يتجاوز أول يناير سنة 1952م.

2- أن يوضع دستور ليبيا بما فيه شكل نظام الحكم بواسطة ممثلي السكان في برقة وطرابلس وفزان الذين يجتمعون ويتشاورون في هيئة جمعية وطنية.

3- لأجل مساعدة أهالي ليبيا في وضع الدستور وتأسيس حكومة مستقلة يوفد إلى ليبيا مندوب من قبل هيئة الأمم المتحدة تعينه الجمعية العامة وله مجلس يساعده ويرشده.

4- يقدم مندوب هيئة الأمم المتحدة بالتشاور مع المجلس تقريراً سنوياً وغير من التقارير الأخرى التي يرى أهميتها في السكرتير العام.

5- يتكون المجلس من عشرة أعضاء هم: ممثل واحد تعينه حكومة كل من البلاد الآتية: مصر فرنسا إيطاليا باكستان المملكة المتحدة الولايات المتحدة الأمريكية، وممثل واحد من كل من الأقسام الثلاثة في ليبيا وممثل واحد عن الأقليات في ليبيا.

لقد صدر هذا القرار بأغلبية ساحقة بتأييد 46 دولة وعدم اعتراض أي دولة مع امتناع تسع دول عن التصويت، وفي يوم 10 ديسمبر 1949م عينت الجمعية العامة للأمم المتحدة السيدأدريان بلتمندوباً للأمم المتحدة في ليبيا، كمفوض عام تابع للأمم المتحدة، لتنفيذ القرار رقم “289” الخاص بليبيا، وكذلك عينت الجمعية العامة ست دول لإسداء النصيحة للسيد بلتفيما يتعلق بالشؤون الليبية وهي مصر وفرنسا وايطاليا والباكستان والمملكة المتحدة والاتحاد السوفييتي، على أن يختار بلتأربعة أعضاء آخرين من ليبيا بالتشاور مع الزعماء الليبيين، أي أن المجلس الاستشاري الخاص بليبيا يتكون من مجموعة من عشرة أعضاء وهو ما بات يعرف بمجلس العشرة، وقد تكون المجلس العشرة من المرشحين نيابة عن الدول سابقة الذكر، وهم:

ـ محمد كامل سليم، مرشح عن مصر

ـ جورج بالوي، مرشح عن فرنسا

ـ جيوسيبي لوينيري، مرشح عن ايطاليا

ـ عبد الرحيم خان، مرشح عن الباكستان

ـ ج.س. بيني، مرشح عن بريطانيا

ـ موريس كلارك، مرشح عن الولايات المتحدة

أما الممثلون عن أقاليم ليبيا، وممثل الأقليات، فقد جرت الخلافات بشأن اختيارهم وتمت مشاورات سياسية بن مندوب الأمم المتحدة وبين حكومتي بريطانيا وفرنسا، كما تمت مشاورات أخرى بين هذا المندوب وبين ممثلي الحكومات الست في الأمم المتحدة، وأخيراً تم الاتفاق على المرشحين عن أقاليم ليبيا والأقليات، وهم:

ـ ممثل عن برقة، السيد أسعد جرابي

ـ ممثل عن طرابلس، مصطفى ميزران

ـ ممثل عن فزان، أحمد الحاج مرزوق

ـ ممثل عن الأقليات، جياكومو ماركينو

يتبع

___________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *