شكري محمّد السنكي

فريد أشرف، هو ابن المربي الرَّاحل حسين علي أشرف المعروف باسم «حسين أفندي»، من الرَّواد الأوائل من رجال التعليم في برقة وأبرز المعلمين في مدينة بنغازي وضواحيها في ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن المنصرم.

الاسم: فريد حسين أشرف الفرجاني، المعروف باسم «فريد أشرف»، وقد ولد في بنغازي في العام 1932م، وكانت أسرته من سكّان «شارع البعجة» الشهير وسط مدينة بنغازي، وتُوفي في العام 1995م بعد أن عانى ما عانى في عهد القذافي من ظلم وقسوة وإبعاد.

درس في بنغازي المرحلة الأولى من دراسته، ودرس المرحلة الثانويّة والجامعية بمصر وليبيا. أنهى دراسته الابتدائيّة بتفوق، وتحصل على شهادة هذه المرحلة العام 1946م.

ونظراً لتفوقه فِي الشهادة الابتدائيّة، رُشح ضمن بعثة المتفوقين لاستكمال الدّراسة الثّانويّة بحلوان بالقاهرة.

ويُذكر أن مرحلة الدراسة مَا قبل الجامعة كانت مقسمة وقتئذ إِلى مرحلتين: الابتدائيّة والثانويّة وليس كحالها اليوم إِلى ثلاث مراحل: الابتدائيّة والإعداديّة والثانويّة.

وكان عدد المُرشحين للبعثة ستة عشر طالباً، سبعة مِن مدينة بنْغازي وتسعة مِن مدينة درنة.

وطلبة بنْغازي هم: فريد حسين أشرف، منصور رشيد الكيخيّا، عثمان الكاديكي، عبدالحميد الرعيض، عُمر بِن عامر، الزبير يوسف لنقي، عبدالله الزيداني.

أمّا طلبة درنة فهم: رمضان رقص، إبريك المحجوب، يُوسف الكواش، فتحي بِن سعود، حمدي الجربي، عاشور صويدق، حسن المحجوب، عبدالرَّحيم النعاس، عبدالمجيد عبدالهادي.

والبعثة كانت تحت رعاية «إدارة المعارف» فِي برقة إبّان حكم الإدارة الإنجليزيّة، وكان على رأس الإدارة: ميجر فورمان «إنجليزي»، وعضوية: مصطفي عبدالله بِن عامر (1908م – 1990م)، عَلي صفي الدّين السّنُوسي (1920 – 1994م)، محمّد مصطفى السعداوية (1915م – 1982م)، عوض الشيباني، السّنُوسي عزوز.

درس الثانويّة بـ«مدرسة حلوان الثانويّة الدّاخليّة» الكائنة بإحدى ضواحي جنوب القاهرة الرَّاقيّة القديمة على شاطئ نهر النيل، التابعة للقاهرة، وكان إلى جانبه الطلبة سالف ذكرهم. ودرس المرحلة الجامعية في القاهرة بعد إنهاء مرحلة دراسته الثانوية، وذلك قبل تأسيس الجامعة الِلّيبيّة التي تأسست في مدينة بنغازي في 15 ديسمبر 1955م، وكان مقرها أولاً بالقصر الملكي «قصر المنار» الذي أهداه الملك إدريس السّنُوسي ليكون مقراً للجامعة، وكانت أولى كلياتها «كلية الآداب والتربية» التي ضمّت ساعة افتتاحها «31» طالباً.

اهتم فريد اشرف بالشأن العام وتأثر بالمد القومي، وكانت الجامعة وقت دخوله لها في مصر ينشط فيها التيار القومي وحزب البعث العربي الاشتراكي.

أُعجب بحزب البعث العربي الاشتراكي واستهواه العمل الحزبي، ويبدو أن نشاطه الحزبي أثر سلباً على دراسته في مصر وأدخل إقامته بها في دوائر التعقيد والرقابة الأمنية، فسافر إِلى بنغازي واشتغل في «مصرف ليبَيا المركزي»، وواصل دراسته الجامعية منتسباً في فترة لاحقة، وتحصل على شهادة «ليسانس قانون» من الجامعة الِلّيبيّة في بنغازي.

كانت القاهرة إبّان دراسة فريد أشرف بها مركزاً لنشاط بعض الشخصيّات البعثية التي كانت تعمل على البناء التنظيمي لفروع «حزب البعث العربي الاشتراكي» في منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا، والطلبة الِلّيبيّون كانوا من بين المستهدفين حينها من قبل تلك الشخصيّات.

انضم فريد أشرف إلى حزب البعث مبكراً، وكان من أوائل الطلبة الِلّيبيّين الدارسين في الجامعات المصرية، الذين استهواهم العمل السّياسي والنشاط الحزبي، فالتحق هو وبعض من زملائه لحزب البعث وشكّلوا نواته الأولى في ليبَيا، ثم القيادة القطرية للحزب في المملكة الِلّيبيّة المتَّحدة.

كان عنصراً نشطاً في حزب البعث، ومن أبرز قياداته، وقد جاء بخصوص تاريخ حزب البعث في ليبَيا في الموسوعة الحرة «ويكيبيديا» تحت عنوان: «محمّد الصّادِق هلال (2)»، ما يلي: «انضم محمّد الصادق هلال إِلى حزب البعث العربي الاشتراكي في ليَبيا في العام 1958م، وكان يترأسه عامر الطاهر الدغيّس، وتمَّ انضمامه إِلى الحزب عن طريق فوزي البغدادي. وكان وقتها يتردد على متجره بحي الأندلس العديد من قيادات وأعضاء حزب البعث البارزين، ومنهم: بشير أبوعجيلة بن كورة، عمر الأبيض، الطيّب عدالة، المبروك الغنودي، عمران محمّد بورويس، يوسف عقيلة المجبري، محمود عمر بوعبيد، فريد حسين أشرف، رمضان عبدالله علي بوخيط، عبدالحميد يوسف البابور، مصطفى إرحومة سالم النويري، عبدالمطلب عبدالله الشيباني، وكثيرون غيرهم».

عمل فريد أشرف في قطاع البنوك بعد عودته إلى ليبَيا من القاهرة، وكان عضواً مؤسساً لـ«مصرف ليبَيا المركزي» الذي تأسس في العام 1955م تحت اسم «المصرف الوطني الِلّيبيّ» بموجب القانون رقم 30 لسنة 1955م، وحل محل لّجنة النقد الِلّيبيّة الّتي أنشئت في العام 1951م. وشغل منصب أوَّل سكرتير للمصرف أو البنك آنذاك

وفي أغسطس 1961م، اُعتقل هو ومجموعة من أعضاء حزب البعث الاشتراكي، بلغ عددهم «183» عضواً، بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم الملكي.

وكان من بين المعتقلين إِلى جانبه في تلك الحملة: عامر الطاهر الدغيّس، الحسين أحمد الصغير، محمّد فرج حمّي، عامرالبكوش، وحسونة الدغيّس، أحمد هلال.. وغيرهم.

وحوكم المعتقلون بأحكام مخففة ومتفاونة بمعنى الأحكام كانت في مجملها بالحبس مدد قصيرة وغير قاسية، وقد حُكم فريد أشرف بالسجن لمدة سنتين.

وفي صيف 1963م، تحصل فريد أشرف بعد خروجه من السجن، على وظيفة في مركز مهم في شركة نفطية امريكيّة كان لها فرع بليبيا، وكانت تعد من أهم الشركات النفطية في العالم، شركة أكسودنتال .

انجاه الله سبحانه وتعالى من الاعتقال في سنة 1973م وقد طال العديد من رفاقه، من جميع الفئات والأيديولوجيات، الإسلاميين والقوميين والبعثيين واليساريين أو ما عرف وقتئذ بـ«التروتسكيين».

ألقى معمر القذافي خطاباً بمدينة زوَارة في 15 أبريل 1973م، تضمّن خمس نقاط، كان أولها إلغاء جميع القوانين المعمول بها، وثانيها تطهير ليبيا من المرضى، أي من الحزبيين وأصحاب الرَّأي والانتماءات الفكرية المختلفة. شنّت أجهزة أمن القذّافي حملة اعتقالات واسعة عقب الخطاب المذكور باسم «الثورة الثقافية»، وطالت الحملة العديد من الحزبيين القدماء والمثقفين والصحفيين والمهتمين بالشأن العام.

وبعد سنتين من نجاة فريد أشرف من حملة اعتقالات الثورة الثقافية في أبريل 1973م، تمَّ اعتقاله في سنة 1975م مع مجموعة من رفاقه العاملين في مجال النفظ، وظل في السجن لمدة سنتين. وقد عُرفت هذه المجموعة بـ«مجموعة الأكسودنتال» نسبة إِلى شركة أكسودنتال النفطية، وكان من بين الذين اعتقلوا معه: فرج أبوالخيرات، علي اللافي، عبدالحكيم بورشان، فوزي البشتي، علي حمربطان.

اعتقل مجدَّداً بعد أقل من ثلاث سنوات من الإفراج عنه، حيث اُعتقل في مطلع سنة 1980م، ولم يعتقل بمفرده، إنّما اُعتقل مع مجموعة كبيرة من النشطاء وأصحاب الرَّأي والحزبيين القدماء، وقد استشهد بعضهم داخل المعتقل: عامر الطاهر الدغيّس «استشهد تحت التعذيب في 27 فبراير 1980م»، الحسين أحمد الصغير «استشهد تحت التعذيب في مارس 1980م»، محمّد فرج حمّي «استشهد تحت التعذيب في أبريل 1980م». 

حكمت المحكمة الثوريّة الدائمة، المُشكلة من أعضاء اللّجان الثوريّة الذين لا صلة لهم بالقانون والمحاكم والسلك القضائي، أحكاماً قاسية على فريد أشرف ورفاقه، فهؤلاء كانوا هم المحققين والقضاة في الوقت نفسه، فقد أصدر هؤلاء أحكاماُ على هذه المجموعة التي بلغ عددها خمسة وعشرين شخصاً، تفاوتت من إخلاء السبيل إلى السجن مدى الحياة والإعدام، وكان نصيب فريد حسين أشرف الحكم بالإعدام شنقاً، ولكن الأقدار شاءت ألا ينفذ فيه هذا الحكم الجائر، وقد نُفذ في غيره

أُفرج عنه في فيلم الإفراجات الّتي عُرفت شعبياً باسم «أصبح الصبح» نسبة إلى قصيدة الرَّاحل محمّد الفيتوري، والتي هتف معمّر القذّافي بها في يوم  3 مارس من سنة 1988م حينما جاء يقود جراراً ضخماً «بلدوزر» إِلى سجن «ابوسليم» سَيِّئ الصِّيت، فهدم مدخله في مشهد هو أقرب إِلى  مشاهد أفلام الأكشن الهوليودية !. 

قام القذّافي في ذلك اليوم بهدم مدخل سجن ابوسليم، بشكل استعراضي مخادع، وكأنه بطل فيلم كتب السيناريو واخرجه لتحقيق غاية في نفسه، حيث جاء إِلى السجن يقود البلدوزر، هاتفاً: «أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقِ».

نقول فيلم لأن الواقع فضح ادعاءاته الكاذبة بعد فترة وجيزة من إفراجات مارس 1988م، حيث قادت أجهزة نظامه الأمنية حملات اعتقال أخرى بعد فترة من تلك الإفراجات، على أعداد كبيرة من أصحاب الرّأي «والمحسوبين على التيار الإسْلامي خصوصاً»، لتمتلئ السجون مجدداً بالسجناء السياسيين، وتنكشف حقيقة تلك الإفراجات وتتضح.

كذلك، يشهد سجن ابوسليم، بعد سنوات قليلة من إفراجات أصبح الصبح، وفي 29 يونيو 1996م تحديداً، مجزرة بشرية غير مسبوقة في تاريخ ليبَيا المعاصر، ارتكبتها قوَّات الأمن ضدَّ سجناء عُزّل، عُرفت باسم «مجزرة سجن ابوسليم»، وراح ضحيتها – وفي ساعات معدودة نحو «1269» معتقلاً سياسياً وسجين رأي.

وفي يوم الإفراجات، وفي الساحة الّتي أمام سجن ابوسليم، التقى فريد حسين أشرف بابنه «أشرف» الّذِي كان مسجوناُ معه !، ولكنه لم يسمع باعتقاله وبوجوده داخل السجن، ولم يلتقه في سنوات الاعتقال.

توفي السجين السّياسي السابق فريد حسين أشرف في العام 1995م في مدينة طرابلس طبيعياً إثر تعرضه لأزمة صحية، عن عمر ناهز الثلاثة والستين عاماً. وكان قد تعرض للسجن مرتين في عهد العقيد معمّر القذّافي وقضى في زنازين الاعتقال أكثر من عشر سنوات بتهمة الانتماء الحزبي والعمل على الإطاحة بالنظام الحاكم، وحكمت عليه محكمة اللّجان الثورية بالإعدام شنقاً  هو واثنين من رفاقه في حزب البعث، وهما: مصطفى رحومة سالم النويري ومحمّد الصّادِق هلال.

نُفذ حكم الإعدام شنقاً وعلناً في مصطفى رحومة سالم النويري في 22 أبريل 1984م، أما محمّد الصّادِق هلال فبقي في السجن المركزي بطرابلس حتَّى 22 يناير 1984م، حيث نُقل إِلى سجن «ابوسليم» سَيِّئ السمعة، وغابت اخباره عن أهله منذئذ، ويقال إنه قضى نحبه في مجزرة سجن ابوسليم في صيف 1996م.

الرحلة إِلى «ثورة السابع عشر من فبراير» في العام 2011م، كانت طويلة جدَّاً، وكان الطريق إليها شاقاً وقاسياَ.. وكان ثمن التحرر من الاستبداد ونيل الحرية غالياً دماً ودموعاً وآهاتٍ.. وفريد أشرف كان ضحية من ضحايا الاستبداد في عهد لم تر ليبَيا منه إلاّ زهق الأرواح وتدمير البنيان وعيشة البؤس والشّقاء.  

رحم الله فريد أشرف وغفر له وجعل الجنّة داره ومأواه..  ورحم المولى عز وجل جميع شهداء الوطن الذين قاوموا الاستعمار والاستبداد وضحوا بأرواحهم في سبيل تحرير وطننا الغالي، ولأجل رفعته وأمنه واستقراره.   

____________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *