د. محمد عبدالرحمن بالروين

‬‬‫اﻟﻤﺒﺎديء‬ ‫واﻻﻓﻜﺎر‬ ‫اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ‬ 

القوة السياسية الآخرى التي كانت وراء دستور 1951 فهي قوة المبادئ والأفكار التي أمن بها هؤلاء المؤسسين، بمعنى أن دستور 1951 هو انعكاس المبادئ والأفكار التي كان يؤمن بها هؤلاء الرجال، وبمعنى آخر أن الدستور هو حصيلة القيم التي جاهدوا من أجلها وضحوا في سبيلها.

ومن أهم تلك المبادئ التالي:

أـ مبدأ حقوق الناس

إن الفصل التي ناقشته لجنة لجنة العمل هو فصل حقوق الناس والوطن. والملاحظ هنا أنهم اختارو الناسبدلا من المواطن، مما يعنى أن هذا الفصل في الدستور وضع لحماية حماية المواطنين وغير المواطنين وتتعامل معهم بالاحترام وبالعدل.

وقد وُضع أمام لجنة العمل، من قبل المستشارين القانونيين، مشروعين للنقاش بهذا الخصوص.

المشروع الأول تقدم به المستشار القانوني للملك إدريس وكان قد استمد بنوده من الدستور الأردني.

أما المشروع الثاني فقد استند على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وبعد مقارنة المشروعين والرجوع إلى دساتير الدول العربية وخصوصا، مصر والعراق وسوريا ولبنان، فقد وافق أعضاء اللجنة بالإجماع على المشروع المستند على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وبهذا تكون ليبيا هو أول دولة مستقلة تتضمن هذا الإعلان بكامله مع بعض التعديلات الطفيفة بما يتمشى مع ديننا الحنيف وبما يتطلبه مجتمعنا وظروفه.

وبالتالي كان الفصل الثاني في دستور 1951 ينص على أن هناك أشياء محددة لا تستطيع الحكومة أن تقوم بها أو تحرم المواطن منها. وفي نفس الوقت هناك إجراءات محددة لابد على الدولة من القيام بها من أجل حماية كرامة كل الناس في الوطن.

ب ـ مبدأ التمثيل

وكإستقراء عام، يمكن القول بأن جميع المؤسسين، فما فيهم الملك إدريس والشيخ بشير السعداوي، والشيخ أحمد سيف النصر، كانوا جميعا يؤمنون ، من حيث المبدأ، بفكرة التمثيل.

بمعنى حكم الشعب عن طريق ممثليه، والإشكالية التي كانت تواجههم يمكن حصرها في الكيفية والنوعية وليس في الفكرة.

والسؤال الذي كانوا يحاولون الإجابة عليه هو:

كيف يمكن أن يتحقق التمثيل وعلى أي أساس؟

وهي يتم التمثيل على أساس التساوي بين الولايات الثلاثة أم يكون على الأساس النسبي.

وكما تم ذكره، فإن كل التقديرات لعدد سكان بالولايات الثلاثة في تلك الفترة تدل على أن عدد سكان ولاية طرابلس يقدّر بحوالي ثلاثة أضعاف كل من ولايتي برقة وفزان. وهذا الفرق لا يختلف كثيرا حتى لو أخدنا بالتقديرات الأخرى.

انطلاقا من هذه الحقائق، كان ممثلو طرابلس في لجنة العمل يطالبون بالتمثيل النسبي بينما كان ممثلو فزان وبرقة يطالبون بالتمثيل على أساس المساواة بين الولايات.

وبعد نقاش طويل توصّل الأطراف إلى حل وسط يقضي بتكوين برلمان يتكون من مجلسين: مجلس الشيوخ ومجلس النواب كما نصت على المادة 93 من الدستور.

يتكون مجلس الشيوخ من 24 عضوا كما نصت المادة 94 من الدستور. ونصت الماد 95 على أن يعين الملك نصفهم بينما يقوم مجالس الولايات باختيار النصف الآخر. وقد تم إلغاء هذه المادة 95 بالقانون رقم (1) لعام 1963

وتم تعديل المادة 94 كالتالي: مجلس الشيوخ يتكون من 24 عضوا، 8 أعضاء من كل ولاية يعينهم الملك. والمادة 100 نصت على أن أعضاء مجلس النواب يتم انتخابهم بالاقتراع السري العام على مقتضى أحكام قانون الانتخابات.

ج ـ مبدأ الفيدرالية

أول قرار سياسي اتخدته الجمعية الوطنية هو الإعلان بالإجماع يوم 2 ديسمبر 1950 بأن: “ليبيا دولة ديمقراطية فيدرالية ذات سيادة وشكل الحكم فيها مملكة دستورية ..”.

وما أن تم الاتفاق على هذه الأهدف حتى بدأ النقاش في معانيها، ولعل من أهم الأفكار التي إثير حولها الكثير من النقاش والجدل هي فكرة الفيدرالية، والحقيقة أن النظام الفيدرالي، كفكرة يمكن اعتباره من أعظم عمليات الهندسة السياسية. وذلك لأنه وفّق بين هدفين سياسيين يبدو أنهما متناقضين:

الهدف الأول هو تكوين حكومة مركزية قوية وفعالة، والهدف الثاني هو المحافظة على استقلالية حكومات الولايات، بمعنى آخر يمكن القول بأن النظام الفيدرالي يقوم على أساس فكرة توزيع السلطة بين الحكومة المركزية والحكومات الأخرى في الدولة.

الحقيقة أن المؤسسين انقسموا، في هذا الشأن، إلى قسمين:

قسم ينادي بنظام اتحادي قوي يقوم على أساس حكومة مركزية قوية، وقد تزعم هذا الجناح كل من المؤتمر الوطني بزعامة الشيخ بشير السعداوي، وجمعية عمر المختار بزعامة عبدالعزيز الساقزلي. وكان تخوف هذا الفريق هو أن النظام الفيدرالي قد يعيق وحدة ليبيا في المستقبل، وأن يرسخ الجمهورية.

أما الفريق الثاني فكان لا يختلف مع الفريق الأول من حيث الهدف وإنما كان يؤمن بالتدرج نحو الوصول إلى الوحدة الكاملة. والذي حلّ الإشكال هو الرسالة التي وجهها السيد إدريس للجمعية الوطنية يتعهد ويؤكد فيها ضرورة تكوين نظام فيدرالي قوي تكون فيه للولايات الثلاثة دور إداري وليس استقلال ذاتي.

د. دور الإسلام في الدولة

من الأفكار التي كان عليها إجماع بين مؤسسي الدولة الدستورية الليبية هي مكانة الإسلام في الدولة والمجتمع. فالمادة الخامسة من الدستور تنص على أن الإسلام دين الدولة، وللإستدلال على دور الإسلام ومكانته في الدولة الليبية، كما تصورها المؤسسون، يمكن الإشارة إلى:

ـ أن كل متأمل في المادة 40 من الدستور التي تنصّ على أن السيادة منوطة بالأمة، والأمة مصدر السلطات، يرى بوضوح أن الإسلام لم يكن محل محل استفسار وذلك لأن المقصود بالأمة هنا هو الأمة المسلمة.

ومما يؤكد ذلك هو أنه عندما دخلت بعض الأفكار المستوردة والداخلية عن الإسلام، قام ممثلو الشعب بتعديل هذه المادة في عام 1963 وجعلها أكثر وضوحا على أن ليبيا دولة مسلمة.

فقد عدلت المادة 40 لتصبح السيادة لله وهي بإرادته تعالى وديعة الأمة، والأمة مصدر السلطات“.

ـ دور الإسلام في الدولة الليبية لخصه الشيخ المفتي أنذاك أبوالأسعاد العالم رحمه الله في خطابه الافتتاحي عندما ثم اختياره رئيسا للجمعية الوطنية. وقد بدأ خطابه كالأتي: .. الغرض هو كتابة دستور نموذجي بما يتفق مع ما هو سائد في العالم المتحظر، ومنطلقه من قيم ومبادئ الإسلام ..”.

ـ الدليل الثالث هو إعلان الجمعية الوطنية يوم 2 ديسمبر لمبايعة السيد إدريس السنوسي ليكون ملكا دستوريا للدولة.

ثالثا: الظروف السياسية

لعبت العديد من الظروف السياسية دورا هاما في تحقيق استقلال ليبيا أهمها:

أـ دور الأمم المتحدة

لقد كان دور الأمم المتحدة إيجابيا نحو استقلال ليبيا وذلك لعدة عوامل منها:

ـ ليبيا كانت أول دولة تحقق استقلالها عن طريق الأمم المتحدة، وبالتالي فقد كانت الحالة الليبية هي أول امتحان لمصداقية هذه المنظمة العالمية الجديدة التي كان قد عقد عليها الكثير من الآمال والأحلام في تحقيق السلام والاستقرار.

ـ الظرف الثاني الذي ساعد على استقلال ليبيا هو جعل الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة، الجمعية العمومية للأمم المتحدة مركز لاتخاذ القرارات بدلا من مجلس الأمن. كما قامت الدول الغربية وأمريكا بهذا العمل لكي يحرموا الإتحاد السوفييتي من استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن. ونتيجة لهذا العمل كان للدول الكبرى، ما عدا الإتحاد السوفيتي، نصيب الأسد في اتخاذ القرارات الدولية والسيطرة على مجرى الأمور لسنوات عديدة.

ب ـ دور الدول الأربعة الكبار

بعد انتصار الحلفاء على المحور في شمال افريقيا عام 1943 تم وضع ليبيا تحتسيطرة الجيش الإنجليزي ـ الفرنسي. وفي عام 1945 التقت قوى التحالف (بريطانيا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة) فيما عرف بمؤتمر بوتسدام وقد تم الاتفاق على أن المستعمرات الإيطالية التي تم السيطرة عليها بعد الحرب لن ترجع لإيطاليا. وكنتيجة لهذا القرار فقد تم إحالة القضية الليبية إلى مجلس وزراء الخارجية لهذه الدول مع إضافة فرنسا إلى هذا المجلس.

ومع أن أعضاء مجلس وزراء الخارجية كانوا، في أول إجماع لهم، من أنصار فكرة الوصايا بخصوص المستعمرات الإيطالية، إلا أنهم لم يستطيعوا الوصول إلى صيغة يمكن الاتفاق حولها بخصوص ليبيا، وقد استمر هذا الوضع حتى عام 1947 عندما وقعت ايطاليا اتفاقية السلام التي تنازلت فيها على مستعمراتها. ونصت الاتفاقية على إعطاء الدول الأربع الكبرى حق إدارة هذه المستعمرات حتي إيجاد حل قبل سبتمبر 1948.

لقد كانت المشكلة الأساسية في هذه الاتفاقية أن لغتها غامضة ولم تضع حلا واضحا لكيفية التعامل مع هذه المستعمرات. وهذا الغموض في لغة المعاهدة قاد إلى تضارب المصالح والأهداف بين الدول الكبرى.

وكل هذا كان في صالح الشعب الليبي وأجبرت الدول الكبرى أن تضع القضية الليبية أمام الأمم المتحدة في جلستها الرابعة عام 1949. ولعله من المناسب أن نشير إلى أهم مواقف الدول الأربعة تجاه الاستقلال.

ـ موقف الولايات المتحدة

كان أول مواقفها هو أن توضع ليبيا كلها تحت وصاية الأمم المتحدة من أجل إجل إعدادها للحكم الذاتي خلال عشر سنوات. ولكن تراجعها على هذا الموقف وأيدت أن تبقى ليبيا تحت الوصاية الإيطالية لمدة زمنية محددة تمنح فيها ليبيا استقلالها بعد ذلك.

كان سبب تراجع أمريكا هو خوفها من أن يستخدم النموذج الليبيضدها في سيطرتها على اليابان. وفي نفس الوقت كانت تريد أن تؤثر في الانتخابات الإيطالية التي كان فيها الماركسيون على وشك الانتصار فيها.

أما النقطة الأخرى التي جعلت موقف أمريكا متردد هي أنها لا تريد ليبيا كلها لأن الشعب الأمريكي غير مستعد لذلك.

ـ موقف الاتحاد السوفيني

الاتحاد السوفيتي بدأ بموقف نقيض الموقف الأمريكي وذلك بمطالبة الأمم المتحدة بإعطاء ليبيا استقلالها فورا مع منع كل القواعد الأجنبية على أراضي ليبيا ولكن هذا الطلب رُفض.

بعد ذلك اقترح الاتحاد السوفيتي بأن تقسم ليبيا إلى 4 مناطق كل منطقة تحت وصاية مختلفة لمدة عشر سنوات، على أن تكون طرابلس تحت وصايته. وعندما رفض هذا الاقتراح قرر الاتحاد السوفيتي المطالبة بأن تبقى ليبيا تحت الوصاية الإيطالية. ولكن هذا الاقتراح رُفض أيضا. وأخيرا تبنى الاتحاد السوفيتي الموقف الذي نادت به أمريكا عام 1945 وهو وضع ليبيا تحت وصاية الأمم المتحدة وثم رفض هذا الموقف من قبل أمريكا وفرنسا وبريطانيا.

ـ موقف بريطانيا

بريطانيا منذ البداية كانت لا تريد إلا برقة، وذلك لأن أخذ طرابلس وفزان يشكلان عبء إقتصادي لا تستطيع القيام به. ولكن في نفس الوقت كانت، بالاتفاق مع أمريكا، لا تريد أن يكون للاتحاد السوفييتي نفوذ في أفريقيا.

بناء على هذا فقد كانت بريطانيا تعلن بأنها ستلتزم بعهدها للحركة السنوسية وذلك برفض السماح لإيطاليا بالسيطرة على ليبيا من جديد. ولكن في السر كانت اتفقت مع ايطاليا لوضع خطة أمام الجمعية العامة تنص على أن توضع ليبيا تحت وصاية الأمم المتحدة بشرط أن تستمر إيطاليا في إدارة طرابلس، وبريطانيا في إدارة برقة، وفرنسا في إدارة فزان.

هذه الوصاية كانت يجب أن تستمر لمدة عشر سنوات بعدها ستمنح ليبيا استقلالها. وبالرغم من أن الوفد الليبي رفض تلك الخطة شكلا وموضوعا. إلا أن بريطانيا قدمت هذه الخطة إلى الجمعية العامة وكاد لهذا المشروع أن ينجح. وقد فشل الاقتراح في الحصول على ثلثي الأصوات من أعضاء الجمعية العامة بصوت واحد وهو سان لو صوت ممثل دولة هايتي.

ـ موقف فرنسا

فرنسا كانت الطرف الضعيف في هذه اللعبة الدولية، وكان مطلبها الأساسي هو إرجاع ليبيا تحي الوصايا الايطالية، وذلك أنها كانت تخاف من أن تكون ليبيا نموذجا وسابقة يمكن الإهتداء بها من قبل الدول الافريقية المستعمرة من فرنسا.

يتبع

___________‬‬‬

(*) ‫ورقة قدمت في مؤتمر منظمة الليبيون الأمريكان تحت عنوان نحو إعادة الشرعية الدستورية في ليبيا، عقد في واشنطن يومي 23 و 24 يونيو 2006.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *