د. محمد عبدالرحمن بالروين

الملخص

هذه ورقة مختصرة لمحاولة فهم طبيعة ومخاطر الفساد السياسي والتحديات التي يسببها في مستقبل الشعوب والقبائل والمكونات الليبية.

ولعل من أهم عناصر الورقة التالي:

ما المقصود بالفساد السياسي؟ واهم انواعه واسبابه وأدواته ومخاطره واساليب مكافحته والتخلص منه؟ وايضا اهم التحديات التي يجب مواجهتها لاعادة بناء دولة أساسها الاستقرار العادل.

مفهوم الفساد السياسي؟

لعل من اهم البديهيات التي يجب التذكير بها اولاً وقبل اي شيء اخر، هي أن الفساد ظاهرة انسانية معقدة وموجودة في كل المجتمعات.

ونتيجة لهذا التعقيد لم يستطع المفكرون والباحثون الاتفاق على تعريف واحد له!، مما أوجد تعريفات عدة ، تتوقف على نوع الفساد وطبيعته.

ففي الوقت الذي يراه البعض أنه قضية فردية وأخلاقية، يرى آخرون أنه قضية عامة وظيفية وهيكلية.

فهناك تعريفات ترى الفساد على أنه انتهاك القواعد حيث تكون القاعدة معيارًا لسلوك يشير إلى الصواب، وطرق خاطئة في فعل الأشياء.”

أما عالم الاقتصاد الدكتور نتانيل لف فيعرف الفساد بانه مجموعة من القواعد والمؤسسات غير القانونية التي يستخدمها الناس لكسب التأثير على أفعال البيروقراطية“.

ولكن التعريف الأكثر قبولًا واستخداماً ما بين الباحثين والاكاديميين هو تعريف الفساد على أنه: إساءة استخدام الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب خاصة“.

في هذه الورقة ساختصر حديثى على مفهوم الفساد السياسيوعلاقته بالازمات والتحديات التي يواجهها شعب ما وما هي أهم الآليات المطلوبة لتحقيق الاستقرار العادل.

أنواع الفساد

طالما أن هناك تعريفات عديدة للفساد. فسيكون هناك ايضا انواع عديدة لعل من أهمها:

(1) محاولة فهم ظاهرة الفساد من خلال مستويات (أو ركائز) المجتمع الأربع، وهي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

(2) العديد من الباحثين يصنفوا الفساد إلى نوعين رئيسيين هما: الاختيار العقلاني والاختيار الوظيفي. قد ظهرت نظرية الاختيار العقلاني للسلوك البشري كنتيجة للتفضيلات الفردية والمصلحة الذاتية.

ووفق لهذه النظرية فان الأفراد يعتمدون على حسابات عقلانية لتحقيق النتائج التي تتوافق مع أهدافهم الشخصية، وان الهدف النهائي لهؤلاء الأفراد هو تعظيم المنفعة، وتحقيق الهدف الذي يجعلهم أكثر سعادة وأكثر رضاءً“.

اما نظرية الاختيار الوظيفي للفساد فقد ظهرت وانتشرت، في العلوم السياسية، في اعمال مجموعة من العلماء أهمهم عالم السياسة هنتنغتون، عالم ومفكر استراتيجي أمريكي، الذي اعتبر الفساد وسيلة لـ تشحيم العجلاتلإنجاز الأمور وخاصة للمستثمرين والشركات.

واعتبر الفساد وسيلة للتغلب بسرعة على المتطلبات التنظيمية والمرهقة، ولتوزيع الموارد وتوليد النمو الاقتصادي، واعتبر ايضا الفساد شكلاً من أشكال حل المشكلات، وخصوصا في مرحلة الازمات والتغيرات السريعة.

ففي بداية الستينات، ابتكر هنتنغتون فكرة الثورة البيضاء، كشعار لتطبيق المنهج الوظيفيفي تحليل ظاهرة الفساد، وتم تطبيقها لأول مرة في المجتمع الايراني في يناير 1963، عندما قام شاه ايران، بمساعدة المخابرات الامريكية، باسقاط حكومة رئيس الوزاء محمد مصدق، والعودة إلى الحكم، وقام بما اسماه النوايا الحسنة للاصلاحات التقدمية. واطلق على هذه المجموعة من الاصلاحات اسم الثورة البيضاء.”

وسُميت بالثورة البيضاء لأنها كما قال كانت بدون دماء. وكان يفتخر بأن إصلاحاته كانت أكثر حداثة من أي إصلاحات أخرى“.

وفي نهاية الستينات، استخدم هنتنغتون مصطلح اخر هو الفساد الوظيفي  لتحليل ظاهرة الفساد.

في هذه المرة حاول التفريق بين ما اسماه الفساد الفعال والفساد غير الفاعل“.

وفي هذا الصدد يقول هنتنغتون، أن مكافحة الفساد تتطلب من صانعي السياسات الاعتراف بالحسنات والفوائد التي يمكن أن يجلبها الفساد والاستجابة لها، وقد دافع بقوة على هذه الفكرة وعن المزايا والفضائل الاقتصادية والاجتماعية للفساد، وأشار إلى أن الفساد يوفر منافع للجماعات التي تكون بخلاف ذلك بعيدة عن المشاركة السياسية في المجتمع.

وفي هذا الصدد يقول: “إن الشيء الوحيد الأسوأ في مجتمع به بيروقراطية جامدة مفرطة المركزية وغير شريفة، هو وجود بيروقراطية جامدة مفرطة المركزية وصادقة“.

وقد ساد هذا الاسلوب لتحليل ظاهرة الفساد خلال الحرب الباردة، وغضت القوى الكبرى الطرف عن الفساد بكل انواعه، واستمر ذلك التغاضي حتى بداية التسعينيات، عندما نأى الكثير من الباحثين في ظاهرة الفساد بأنفسهم عن هذا الاسلوب في التحليل، مفضلين إظهار المشاكل والاضرار التي يسببها الفساد“.

وفي عام 1993.

وبعد نهاية الحرب الباردة، ابتكر هنتنغتون أسلوب جديد لتفسير نظرية الاختيار الوظيفي للفساد، وقد أعطى هذا الاسلوب الجديد مصطلح صراع الحضارات“.

وفي هذا الطرح الجديد حاول القول أن الحروب المستقبلية لن يتم خوضها بين الدول، ولكن بين الثقافات، وأن التطرف الإسلامي سيصبح أكبر تهديد للهيمنة الغربية على العالم، وتوقع بأن تكون الهويات الثقافية والدينيةللناس المصدر الأساسي للصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، بمعني آخر، أن الحروب المستقبلية لن تكون بين الدول بل بين ثقافات الشعوب.

الي جانب التصنيفات المذكورة أعلاه، قدم البروفسور أرنولد هايدنهايمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة واشنطن في سانت لويس، طريقة جديدة لتصنيف الفساد هو التصنيف حسب اللون، وبذلك قسمه إلى ثلاث فئات ملونة: “الفساد الأسود، والفساد الرمادي، والفساد الأبيض“.

فالفساد الأسود هو فساد سلبي وضار بالوضع المالي والاقتصادي، ولا يمكن تبريره لأي سبب من الأسباب.

أما الفساد الأبيض هو فساد وظيفي له تأثير إيجابي، وهو فساد من الممكن تحمله.

ومن جهة أخري، الفساد الرمادي هو الفساد بين النوعين الآخرين.

يتبع

***

ورقة مقدمة في الموتمر العلمي مكافحة الفساد لتدعيم الاستقرار(15 ـ 16 نوفمبر 2022 ) بقاعة لبدة، بفندق كورنثيا، طرابلس

__________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *