من السلاح والمواجهة .. الى سلاح الكلمة والاشتباك

من العمل المسلح الي الاشتباك بالكلمة

عاشور الشامس

اما في بريطانيا في منتصف الستينات وحتي أواخر السبعينات كان الاخوانقد قدموا بطابعم الاخوانيالذي تشربوا به في بلادهم الاصلية، وبصفاتهم الاخوانيةالتي صبغوا بها فيها، ولم يكن لهم تنظمي واحد مستقل يجمعهم جميعا.

لقد كانوا يأتون الي بريطانيا لفترة قصيرة قد تمتد لسنتين أو ثلاثة أو اربعة ثم يعودون ليستأنفوا حياتهم في بلادهم. فبقاؤوهم في بريطانيا كان مؤقتا وكانت كل مجموعة تنتمي الى تنظيمها في بلدها الأم، بينما يسعون ويحرصون الى التنسيق فيما بينهم اثناء وجودهم في هذا البلد تحت هذا الظرف الاستثنائي.

وحتي عندما حاول الأخوان أن يكون لهم تنظيم في بريطانيا في اوائل السبعينات ظل التمايز واضحا بين مختلف تجمعات الاخوان وظلت الخلافات والاختلافات قائمة. وقد كانت قضية الانتماء الى التنظيم الدولي للأخوان المسلمينمن أكثر قضايا الخلاف واشدها وقد ادت الى انشقاقات بين المجموعات.

وكان اول ما يلاحظه المرء ـ حتى في سني آنذاك ـ هو اختلاف الأمزجة وأساليب عمل المجموعات المختلفة. ولقد كان هنالك ـ بطبيعة الحال ـ تباين واضح في أسلوب العمل والمفاهيم بين التنظيمات الاخوانية.

فكان العراقيون أكثر من يميل الى الصرامة والشدة والى السرية والتكتم. وكان السودانيون على العكس من ذلك تماما، فهم لينو المعشر يغلب على طابعم المرونة والانفتاح، بينما جمع المصريون بين هؤلاء وهؤلاءوهكذا.

ومن محاسن قدر الله انني تعرفت في تجربتي في بريطانيا على نخبة من الشخصيات فريدة من مختلف البلدان، ما كان من الممكن للمرء أن يعرفها أو يلتقي بها في أي بلد آخر. فقد كانت بريطانيا في الستينات والسبعيات قبلة الدارسين وطلاب العلم من جيمع البلاد العربية. كما كانت ملجأ لعدد من الشخصيات الفارة من ظلم الحكومات العسكرية وسلطة الاستبداد في بلادنا، خاصة في مصر.

وهكذا كانت بريطانيا كالمرجل الذي جمع بين خيرة شباب الاخوان وقياداتهم من كل البلدان. ولكل واحد من أولئك فضل عليّ اعترف به، بما تعلمته منهم من اساليب عمل وما تأثرت به من سلوك واخلاق.

* * * *

نـقـلة ثـانـية…

ايفادي للدرسة في بريطانا في أواخر عام 1965 كان هو النقلة الثانية في حياتي التي ارتبطت بعوامل كثيرة منها الغربة والعمل الاسلامي الطلابي ثم العمل الاسلامي العام من خلال مؤسسة دار الرعاية الاسلاميةوالارتباط لفترة معينة بـ الأخوان المسلمون، وامتدت حتي عام 1980.

تلك السنة التي تعتبر نقطة تحول أساسية في حياتي ومجرى عملي. فتلك هي السنة التي اتخذت فيها مواجهتي للنظام الحاكم في ليبيا مجرى جديدا أكثر جدية وأكثر تنظيما. وتلك هي السنة التي تحول فيها اتجاه عملي نحو ليبيا.

جاء الإنقلاب العسكري ضد النظام الملكي في ليبيا عام 1969 وكنت في ليبيا في اجازة الصيف. وكان صدمة لكثير من الليبيين. فقد أطلق منذ البداية شعارت الوحدة العربية والاشراكية، وموالاة واضحة لنظام عبدالناصر في مصر. وقد توجسنا كثيرا من تلك الحركة، فرجعت الى بريطانيا يوم 9 سبتمبر 1969 لأسرد على عمرو النامي ومحمد المقريف ـ وكانا في بريطانيا أنذاك ـ تفاصيل ما حدث.

وكانت لنا وقفات ومواجهات مع ذلك النظام منذ الأيام الأولى. وكان واضحا أن التعايش معه سيكون صعبا ومحفوفا بالمخاطر. فجاءت ندوة الفكر الثوريوكشفت الكثير من تصورات النظام وأساليبه. وجات الثورة الثقافيةعام 1973 وما نتج عنها من اعتقلات للاسلاميين بدون جرم ارتكبوه أو موقف اتخذوه. ولم يكن للاسلاميين نشاط معاد ضد النظام، ولكن النظام اصبح يستفزهم من وقت الى آخر.

ومن مرور السنين اتضحت المعالم الاستبدادية والروح الشمولية التي يحملها النظام ضد لمخالفين له في الفكر أو الوجه السياسي وإن لم يكن لهم نشاط استعدائي تجاهه. وجاءت أحداث ثورة الطلابالجامعيين عام 1976 و 1977 التي كانت الفاصل بين النظام والنخب المتعلمة، ومن هناك أعلنت الحرب بينه وبينها.

* * * *

اغتـيال في لنـدن

كان اغتيال محمد مصطفى رمضان (11 أبريل 1980) ذلك الصحافي اللامع والشخص الودود والصديق الحميم الذي قضيت في صحبته اياما هي من احلى ايام العمر في بريطانيا، نقطة التحول الحقيقية. جاء اغتياله فجأة، وعلمت من السلطات البريطانية ومن أصدقاء لهم علاقات بالسفارة الليبية في لندن أنني على نفس قائمة الاغتيالات وأنني من المستهدفين.

لقد فوجئت كيف أن النظام يتخذ منا أعداء الى درجة أنه يتجرأ على اغتيالنا في المساجد والشوارع وفي وضح النهار. لقد كنت آنذاك منهمكا في النشاط الاسلامي ولم أكن من المشاركين في العمل الوطني. ورغم وجود بدايات لتنظيمات معارضة ليبية خارج ليبيا ـ وفي بريطانيا بالذات ـ إلا أنه لم تكن لي بها أي صلة. وكنت أبعد ما أكون عن عمل ضد النظام الليبي.

ولكني وجدت نفسي في مواجهة مباشرة مع نظام تجرأ على استعمال العنف بصورة عشوائية وغير انسانية وفي تحد سافر لجميع القوانين المحلية والدولية، ويصر على استعداء جميع الليبيين الذين لا يظهرون له الانقياد أو الولاء.

فقد تعرفت على محمد في الثانوية في طرابلس واشركنا في اعداد برنامج طلابي معا في الاذاعة الليبية. وقد جاء الى لندن بعدي بأقل من سنة في عام 1966 ليلتحق باذاعة لندن التابعة لهئية الاذاعة البريطانية (بي بي سي)، ولنستأنف صداقتنا في الغربة معا.

كان محمد ذا فكر مستقل ونفس تواقة للمشاكسة والتمرد، وروح خفيفة تضفي على لقاءته الكثير من البهجة والمزاح والتسلية. وكان صاحب قلم (ولسان) لاذع لا يرحم ولا يراعي في نقده حتي اتيكيك الخطابة احيانا.

وكان له موقف واضح في حواراته في الصحافة مع محمد جلال كشك وحزب التحرير والاخوان المسلمون، وفي هجومه على جمال عبدالناصر والقوميين والاشتراكيين والماركسيين. كنت اغبطه روحه الشقية الخارجه عن المألوف وحرصه باستمرار على أن يختط لنفسه مسلكا مستقلا، وإن كان احيانا خارجا عن المألوف.

ولقد كانت لمحمد مجموعة من الرسائل المفتوحة التي كتبها ووجهها للعقيد القذافي. كان يناقشه في افكاره الثورية والاشتراكية وصلتها بالاسلام. وكان يسلمها لسيد قذاف الدم ـ أبن عم العقيد القذافي ـ الذي كان ملحقا عسكريا في السفارة ويتردد على لندن في تلك الآونة، حرصا منه على أن تصل العقيد شخصيا. ونشر بعضها في صحيفة العرببلندن ما بين الأعوام 1972 و 1977.

كان محمد مناوئا للأنظمة العسكرية ويجاهر بمعارضته لها. ولكنه انتهج في تلك الرسائل اسلوب النصيحة الخالصة والصدق والابتعاد عن التعريض أو المزايدات لما رآه من ميول اسلامية في ادبيات حركة القذافي ولرفعها الاسلام شعارا من شعاراتها، ومحاولة منه جر العقيد الى جوار مفتوح.

ولكن جاء رد العقيد القذافي على كلمات محمد تلك يوم 11 ابريل 1980 كأجبن ما يكون الردبرصاص بارد غادر أطلق عليه مباشرة وعن كثب بعد صلاة الجمعة امام مسجد لندن الكبير، بدون مقدمات أو سابق انذار، ليسكته الى الأبد.

وقد نقل جثمانه لدفنه في طربلس فرفضت السلطات الليبية وأعيد الجثمان للدفن في لندن لأن مقابر العرب الليبيين ترفض أن تستقبل جثتا نتنه تزكم رائحتها الأنوف“. (جريدة الزحف الأخضر 28 ابريل 1980)

يتبع

_____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *