ومن التغيير بالقوة إلى أسلوب العمل السلمي

علي رمضان ابوزعكوك

ثانيا: المرحلة المصرية (1964-1968)

بعثت إلى مصر لدراسة (الآثار)، وبمجرد وصولي إلى جامعة القاهرة قررت الدخول في قسم الصحافة. كانت القاهرة في أوج ظاهرة الحركة الناصرية، وكان الطلاب يفدون إلى القاهرة من كافة اقطار المنطقة العربية والعالم الإسلامي. وقد هيمن الاتحاد الاشتراكي، ومنظمة الشباب على الجامعة، وكان وقع هذا الأمر أشد على طلاب الصحافة بالذات.

كانت السنة الأولى لي في مصر فترة لاستكشاف التيارات الفكرية في القاهرة، بعد أن هيمن أصحاب الفكرالاشتراكي (الماركسي) على الإعلام والثقافة في تلك الفترة، وكنت منفتحا فكريا على كافة التيارات، وقد كنت في نفسي متدينا بالسليقة، وقد ترك الوالد أثره الكبير على نفسي.

ولكوني ولدت وعشت حياة الكادحين فقد كانت قضايا العدل الاجتماعي تهيمن علي بدرجة كبيرة، مما أوجد في نفسي ميلا إلى قراءة الأدب والفكر الاشتراكي والاهتمام بالمسرح، خصوصا وأن القاهرة كانت تعتبر عاصمة الفكر والثقافة العربية.

وبها مراكز لتوزيع الكتاب الاشتراكي التي يدعمها الاتحاد السوفييتي مما أتاح لي قراءة العديد من الأعمال الأدبية مثل الأم لماكسيم جوركي والبيان الشيوعي للينين وراس المال لكارل ماركس، إضافة إلى أن معظم كتاب تلك الفترة المهيمنين على الصحافة في مصر كانو من أصحاب الفكر اليساري من أمثال محمود أمين العالم ومحمد أنيس، ولويس عوض وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهم.

كانت الرغبة قوية لدي للاستفادة من فترة وجودي هناك، وقد انعكس المناخ السياسي ذو النظرة الأحادية على التعليم وعلى الثقافة وعلى الصحافة. وفي قسم الصحافة بكلية الآداب بجامعة القاهرة كان لأستاذي الدكتور إبراهيم إمام (رحمه الله) الفضل في الاهتمام بي وتشجيعي في أيام الدراسة في جامعة القاهرة.

كانت الدراسة مفتقدة لروح البحث الأكاديمي والعلمي. وكان يغلب على الدراسة الجامعية في قسم الصحافة بكلية آداب القاهرة أيام الستينيات غياب حرية الرأي وحرية النشاط العام. وكنا نفتقد بين الحين والآخر بعض زملاء الدراسة، وكانت تاتينا الخبار بأنهم كانوا يؤخذون ضيوفا في المعتقلات.

وحين كنا نسأل عنهم كان الناس يتهامسون عن هذه الأموربأنهم أخذوا إلى أماكن وراء الشمسخوفا من رجال الأمن أو من الجواسيس المنبثين في أوساط الطلبة من أعضاء منظمة الشباب.

وتعرفت في القاهرة على الأستاذ محمد جلال كشك (الماركسي السابق الذي ترك الماركسية بعد تأثره بثورة الجزائر) وأصدر سنة 1965 كتابيه الغزو الفكريوالماركسية والغزو الفكريوتابعهما بكتابه الآخر دراسة في فكر منحلتصدى فيه للكاتب لويس عوض وكتاباته بعد الحملة التي قام بها الأستاذ محمود شاكر ضد لويس عوض.

وقد تأثرت بموقفه النقدي للفكر الماركسي، إضافة إلى تعاطفي معه بسبب معاناته من تحكم اليساريين من الإعلام المصري الذي أدي به إلى الهجرة إلى خارج مصر. وقد ربطت بيننا صداقة عمر إلى أن انتقل إلى رحمة الله في فيرجينيا بالولايات المتحدة عندما أصيب بسكتة قلبية في الأستوديو وكان وقتها يقارع الدكتور نصر حامد أبوزيد في الخامس من ديسمبر 1993م، وكان من آخر ما كتب مقالة له في نقد نصر حامد أبوزيد نشرت بمجلة أكتوبر عنوانها أتهمه بالجهل فيعيرني بالمرض

وقد تأثرت في فترة الستينيات في مصر بكتاب مجلتي الثقافة والرسالة (اللتين حاولتا العودة للحياة) وكان من أهمهم الأستاذ محمود محمد شاكر الذي انبرى للويس عوض في سلسلة من المقالات المتميزة في مجلة الرسالة (الجديدة)، كشفت عما في مقالات لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري، وعدم تمحيص الروايات التاريخية، والادعاء بتلقي المعري علوم اليونان على يد أحد الرهبان.

وكانت مقالات شاكر التي ظهرت تباعا حدثا ثقافيا مدويا كشفت عن علم غزير ومعرفة واسعة بالشعر وغيره من الثقافة العربية، وقدرة باهرة على المحاجاة والبرهان، ولم تقف هذه المقالات التي بلغت ثلاثا وعشرين مقالة عند حدود الرد على كلام لويس عوض، بل انتقلت إلى الحديث عن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي، وما طرأ عليها من غزو فكري ولا سيما حركة التبشير التي غزت العالم الإسلامي.

ونشر مجموعة من المقالات التي كانت تعتبر عملا فكريا نادرا في مناقشة فكر ومنهج التيارات الفكرية التغريبة المعادية لفكر وثقافة الأمة، وقد تأثرت كثيرا عندما قامت السلطات المصرية بإيقاف مجلتي الرسالة والثقافة، كما عرفت أنها أودعت الأستاذ محمود شاكر في السجن، في نفس الوقت الذي منحت فيه لويس عوض جائزة الدولة التقديرية!!.

وقد جمع الأستاذ شاكر مقالاته في نقد لويس عوض ومنهجه في كتاب متميز هو أباطيل وأسمارلا يزال يمثل المرجع لمن أراد أن يقف على أصول الكتابة المنهجية العربية، وفيه كشف لبعض مما يخططه الغير للثقافة العربية والإسلامية.

فالأمة في حاجة إلى الوعي بالكيفية التي يمكن بها التصدي للأفكار الغريبة بمقارعتها فكريا وليس بالإقصاء أو بالمنع، أو بالحبس والسجن. كما تأثرت بكتابات الدكتور محمد محمد حسين وبالذات كتابه حصوننا مهددة من الداخل.

وقفة للتفكر: محاكمات الأخوان 1965

بعد أن تابعت وعايشت ما نشره الإعلام في مصر عن محاكمات الأخوان المسلمين سنة 1965 بدأت أعي أن تحكم بعض أجهزة الدولة ومحاربتها للتيار الإخواني بدأ يكشف عن منهجية صنعت من مواجهة الأخوان غطاء لمحاربتها لظاهرة التدين أصلا. وقد شعرت بتعاطف قوي مع المتهمين المقدمين للمحاكمة مما جعلني أحرص على البحث عن كتبهم التي اختفت من الأسواق العامة والحرص على قراءتها.

وقد مثلت تلك الفترة النقلة النوعية الأولى في مسيرة حياتي. أما الحدث الذي كشف عرى فشل الأنظمة الحاكمة في برامجها الاجتماعية والتنموية والسياسية فقد كان هزيمة السادس من يونيه 1967 حين كنا نقوم بآداء امتحانات آخر السنة بالجامعة.

وقد كانت خلاصة الفترة المصرية هو بداية الاهتمام الشخصي بقضية الهوية العربية الإسلامية، والبحث عن كيفية الخلاص من حالة التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة، مع التركيز على محورية الحرية؛ حرية الفرد في اختياراته وحرية اللإنسان في التعبير عنها.

المرحلة الليبية الثانية: الجامعة الليبية

ومن الشخصيات التي تأثرت بمواقفها كان موقف الأستاذ عبد المولى دغمان رئيس الجامعة الليبية وقت تخرجي سنة 1968، فقد اقترح على مجلس الجامعة ضمي كمعيد لقسم الصحافة الذي تفكر الجامعة في تأسيسه مستقبلا. وقد فعل نفس الشيء مع الزميل على شمبش الذي كان قد تخرج وقتها من قسم العلوم السياسية بالقاهرة.

وفي الجامعة تأثرت بشخصية الأستاذ سعيد الأفغاني الذي كان وقتها رئيسا لقسم اللغة العربية وهو القسم الذي آواني إلى حين تأسيس قسم الدراسات الإعلامية سنة 1975. فقد كان يمثل نموذجا للرعيل الأول الذي قامت على أكتافه حركة النهضة العربية بعد انفصال البلاد العربية عن تركيا.

المرحلة الأمريكية الأولى (1969-1971)

عندما أوفدتني الجامعة للدراسة العليا في أمريكا، تكونت لي علاقات متميزة مع العديد من الاساتذة الأجلاء مثل الدكتور إسماعيل الفاروقي صاحب أطلس الحضارة الإسلامية ومن أوائل الدعاة إلى تشخيص أزمة الأمة والذين قدموا مشروع المنظور المعرفي الإسلامي الذي يرتكز على الوحي وعلى المعارف الإنسانية، وكذلك الدكتور على المزروعي أستاذ الدراسات الإفريقية المتميز في العالم، والدكتور ديك ميتشل أستاذ التاريخ المعاصر.

كما لا يمكنني أن أنسى شخصية الزميل الدكتور عمرو خليفة النامي الأديب والشاعر والمفكر الإسلامي الذي فقدته ليبيا وفقدته الأمة العربية والإسلامية بدون أي جرم ارتكبه“.

يتبع

_____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *