عندما تظاهر شعب بوركينا فاسو ضد الرئيس بليز كومباوري، أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2014؛ احتجاجًا على عزمه الترشح لولاية رئاسية خامسة، لم يتوقع كثيرون أن تنجح الحركة الجماهيرية في ثني الرجل الذي يمسك بزمام السلطة منذ 27 عامًا عن عزمه، ناهيك عن إجباره على الفرار إلى ساحل العاج.

لكن العقود الثلاثة تحت حكم كومباوري كانت كافية لأن يبلغ الغضب الشعبيّ الزُبَى؛ فاجتاح المتظاهرون الإذاعات الحكومية، وأشعلوا النار في مبنى البرلمان، وحرقوا منازل أقارب الرئيس. ولم تتوقف احتجاجاتهم أمام الغاز المسيل للدموع ولا الرصاص الحي، حتى بعدما نجحوا في إسقاط مشروع قانون تمديد الولاية وأجبروا الرئاسة على حل الحكومة.

الصيّاد يتحوَّل إلى طريدة

كان من الممكن أن يدب اليأس في قلوب الجمهور بعدما فشلت احتجاجاتهم السابقة في أن تؤتي أُكُلها ست مرات على الأقل منذ عام 1999، ولم يكن المراقبون سيستغربون إذا كَبَّل الإحباط حركة الشعب أمام الرجل القوي الذي استولى على السلطة ابتداءً في انقلاب عسكريّ عام 1987، ثم أتقن فنون النجاة في مواجهة كل الاحتجاجات اللاحقة التي اندلعت ضده، بما في ذلك تمرد عسكري من حرسه الرئاسيّ إبان الموجة الأولى من الربيع العربي عام 2011، مستعينًا على نكبات الدهر بمزيجٍ من المفاوضات والتسويات والقوة المحسوبة.

لكن لا اليأس عرف طريقًا إلى قلوب البوركينانيين ولا الإحباط نال من عزيمتهم؛ إذ كان الشعب على ما يبدو قد آمن بقدرته على تحقيق سابقةٍ في أفريقيا جنوب الصحراء، موقنًا بأن «خيوط العنكبوت حين تتحد؛ يمكنها تقييد أسد»، على حد وصف محلل السياسات بارتيليمي بازيمو.

«القصعة لم تعد مستباحة»

صحيحٌ أن تفاحة الحكم – برحيل كومباوري – سقطت في يد القائد العام للقوات المسلحة الجنرال أونوري تراوري، الذي أعلن نفسه رئيسًا للدولة «طبقا للأحكام الدستورية، وبعد التأكد من شغور الحكم، ونظرًا إلى الضرورة الملحة للحفاظ على الأمة» – حسبما ورد في إعلانه – بيد أن القصعة لم تعد مستباحة مثلما كانت على مدى العقود الثلاثة المنصرمة، في كنف «أبطال ثورة بوركينا فاسو» الذين قرروا تنصيب أنفسهم «جنودًا لحماية الشعب» ضد أية محاولة أخرى لمصادرة حريته.

سرعان ما وُضِعَت هذه العزيمة الشعبية موضع الاختبار، عندما انبرى الجنرال السابق في الحرس الجمهوري جيلبرت دينديري لينتزع زمام القيادة المؤقتة من ميشيل كفاندو، ويعلن نفسه رئيسًا للبلاد قبل ثلاثة أسابيع فقط من الانتخابات التي كانت مقررة في 11 أكتوبر لتسليم السلطة إلى حكومة منتخبةلم يتوقع كثيرون أن يُجبَر دينديري على التراجع في الأسبوع ذاته الذي نصَّب فيه نفسه مسؤولًا عن البلاد.

إذا كان هناك شيء واحد أثبته شعب بوركينا فاسو حين أجبر كومباوري على الاستقالة ودينديري على إلقاء السلاح، فهو أن «هذا البلد لديه قدرة غير محدودة تقريبًا على إرباك تنبؤات حتى أكثر المراقبين المخضرمين»، بشهادة سيمون أليسون، محرر الشؤون الأفريقية في صحيفة «الجارديان» البريطانية.

الشعب هو الحل

إذا كان ثمة عامل مشترك أفضى إلى نجاح المشهدين فهو: الشعب.

صحيحٌ أن الجيش النظامي كان على أهبة الاستعداد للتحرك ضد حرس النخبة الرئاسي، لكن العاصمة واجادوجو التي أمر قادة الجيش بتطويقها كانت أيضًا في عهدة المتظاهرين العفويين الذين خرجوا ضد المحاولة الانقلابية.

وهكذا وصلت الرسالة واضحة وحاسمة إلى الجنرال دينديري – بلغة يفهمها الرجل العسكري العتيد – أنه سيضطر إلى القتال – ليس فقط ضد الجيش، ولكن أيضًا الشعب – إذا اختار الحفاظ على السلطة.

«كان الجيش حاضرًا في مواجهة قوات النخبة الانقلابية، لكن الاحتجاجات الشعبية ضد الانقلاب أظهرت أن الحرس الرئاسي لم يكن يسيطر على الغالبية العظمى من البلاد، ولن يكون قادرًا على الحكم لفترة طويلة»، حسبما لاحظ إيلويز برتران، الباحث من جامعة وارويك والخبير في شؤون حركات المعارضة البوركينابية.

دور المنظمات الإقليمية في إفشال المحاولات الإنقلابية

إلى جانب الإرادة الشعبية، وحضور المجتمع المدني – خاصة النشطاء الشباب – في قلب المشهد، وتأهب قوات الجيش، كان ثمة عامل ثالث ساعد على إفشال محاولة الانقلاب، هو أن دينديري وأنصاره – الذين تربطهم صلات قوية بنظام كومباوري – فوجئوا برد الفعل داخل القارة. حيث دان الاتحاد الأفريقي الانقلاب على الفور بعبارات قوية، فيما شكلت «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواسفريق وساطة رفيع المستوى.

قال رئيس الاتحاد الأفريقي نكوسازانا دلاميني – زوما في بيان: «يعتبر الاتحاد الأفريقي إعلان الجيش إقالة الرئيس ميشيل كافاندو، ومحاولة استبدال سلطات جديدة به، لاغية وباطلة» كانت تلك لغة قوية، على نحوٍ غير معتاد، من مؤسسة تتمتع بسمعة جيدة في التحوط ضد المخاطر، على حد وصف «الجارديان».

«لعبت إيكواس دورًا مهمًا للغاية يوضح إمكانية التدخل الإقليمي الفعال»، حسبما رصده فرانك تشارناس، الرئيس التنفيذي لشركة تحليل المخاطر الخاصة . ولم يعد الرئيس المؤقت ميشيل كافاندو إلى منصبه إلا بعد إجراء محادثات مع فريق وساطة «إيكواس»، الذي كان له دور فعال في إقناع دينديري بقبول الصفقة.

صحيحٌ أن الانقلابيين لم يتوقفوا عن المحاولة، بل أعادوا الكرة في أكتوبر من العام التالي 2016، لكنهم فشلوا مرة أخرى في اجتثاث بذور الأمل التي نثرها البوركينانيون في إمكانية الإطاحة بالرؤساء الذين ظلوا عقودًا في الحكم، وإعادة صناع الانقلاب بخفَّي حنين.

وبالفعل تلقى رئيس بنين توماس يايي بوني الرسالة فعَدَل عن خططه لتغيير الدستور، وأعلن رئيس جمهورية الكونغو برازافيل دينيس ساسو نجيسو أنه سيضع القرار في يد الشعب. فهل تصل الرسالة إلى الشعوب العربية التي لم تستفق بعد من نوبة البكاء عن ربيعها المسكوب؟

لكن الثورات المدنية وإن كانت تميل إلى استيعاب الجميع في تيار الاحتجاج، إلا أنها لاحقًا تجد صعوبة في الاتفاق على خريطة طريقٍ لقيادة البلاد بمجرد رحيل الرئيس.

هذا هو سبب الارتباك الذي شهدته بوركينا فاسو لاحقًا، من وجهة نظر فيرا سونجوي الباحثة في «كارنيجي»، والدافع وراء النقاش المستمر في القارة حول دور الجيش في الانتفاضات الشعبية.

______________

المصدر: ملف الكفاح الأسمر.. 5 من أبرز تجارب التخلص من «حكم العسكر» في أفريقياـ موقع ساسة بوست

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *