صغير الحيدري

مرت، الخميس في الأول من أيلول/ سبتمبر، الذكرى الـ53 لـانقلاب سبتمبرفي ليبيا، والتي قادها ما يُسمّى بـالضباط الوحدويين، وفي مقدمتهم معمر القذافي، وأعادت هذه الذكرى تسليط الضوء على السياسات التي انتهجها القذافي، الذي تمت الإطاحة به بعد تدخل واسع من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بعد انتفاضة شعبية على حكمه في 2011، ضمن ما يُعرف بالربيع العربي، خاصةً العلاقات المضطربة التي جمعته بالقادة العرب.

أبرز هؤلاء الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، الذي طبع التوتر علاقته بالقذافي، بالرغم من بعض محاولات التقارب بينهما، والتي كانت محسوبةً بشكل كبير من قبل الطرفين في سياق محاولات توحيد الدولتين.

محاولة انقلابيةبصمات القذافي حاضرة بقوة

في الليلة الفاصلة بين 26 و27 كانون الثاني/ يناير 1980، وبينما كان بورقيبة يواجه دسائس داخليةً وأخرى خارجيةً، بعد بلوغه الشيخوخة وانطلاق صراع الأجنحة على خلافته، هزّ دويّ الرصاص مدينة قفصة الواقعة جنوب البلاد، حيث شنّت مجموعة من المعارضين التونسيين من ذوي التوجه العروبي، هجوماً على المدينة.

سعى هؤلاء المهاجمون المدعومون من الجزائر وليبيا، إلى الإطاحة بنظام بورقيبة، وخاصةً رئيس الحكومة الهادي نويرة، بسبب مواقفه من الوحدة مع ليبيا، إذ هاجم هؤلاء وقُدّر عددهم بالعشرات، ثكنةً عسكريةً ومراكز أمنيةً، وكان الهدف أن تكون قفصة هي البداية، بحسب شهادة للوزير التونسي السابق الهادي البكوش.

يذكر رئيس الوزراء الليبي السابق عبد السلام جلود، (16 تموز/ يوليو 1972-2 آذار/ مارس 1977)، في مذكراته الملحمة، أن انتفاضة قفصة عام 1980، جاءت لتغيير المعطيات القائلة بأن العنف الثوري لم يدخل تونس، حيث شكلت بالفعل بداية دخول العنف الثوري للبلاد“.

أردف جلود: “كان دور ليبيا أساسياً في التخطيط والتسليح بالتعاون مع القوى الثورية في قفصة. أثّرت انتفاضة قفصة تأثيراً هائلاً في العقلية التونسية، أو في التفكير السياسي، وخاصةً في أوساط الشباب، وتجلى ذلك بوضوح في ثورتي الخبز عام 1978 و1982، إذ نقلت شاشات التلفزيون مئات المشاهد الرائعة للشبان التونسيين وهم يعرّون صدورهم ويتحدّون السلطة والقمع“.

عناصر هذه المجموعة تدربت في ليبيا، ودخلت إلى البلاد التونسية من الجزائر، قبل الهجوم بمدة، وحاولت التعرف على أحياء المدينة للإعداد للهجوم، ولكن تمكّنت قوات الجيش الوطني والأمن من إحباط هذا المخطط

بالنسبة إلى المؤرخ التونسي محمد ذويب، فإن سبب هذا التوتر بين الرجلين والنظامين، يعود إلى تراجع بورقيبة عن فكرة توحيد الدولتين.

تابع ذويب، في حديث إلى رصيف22، قائلاً: “أحداث قفصة هي هجوم منظّم على مدينة قفصة التونسية الواقعة على الحدود الغربية للبلاد التونسية مع الجزائر، وتورط فيه 49 شخصاً ينتمون إلى ما يُسمى الجبهة القومية لتحرير تونس، التي تتبنى الفكر القومي“.

وأوضح أن عناصر هذه المجموعة تدربت في ليبيا، ودخلت إلى البلاد التونسية من الجزائر، قبل الهجوم بمدة، وحاولت التعرف على أحياء المدينة للإعداد للهجوم، ولكن تمكّنت قوات الجيش الوطني والأمن من إحباط هذا المخطط، والتصدي لعناصر المجموعة“.

شدد ذويب، على أنه خلال الهجوم كان رئيس الجمهورية آنذاك الحبيب بورقيبة، يقضي عطلته في مدينة توزر القريبة من قفصة. وتعدّ الدولة التونسية الهجوم محاولةً انقلابيةً، فيما يراها البعض الآخر محاولةً لتحرير تونس من النظام البورقيبي“.

ولفت إلى أن هذا الهجوم جاء بعد أن قرر الحبيب بورقيبة، التراجع عن قراره الذي اتفق حوله مسبقاً مع القذافي، أي إقامة وحدة بين تونس وليبيا، وهو ما يؤكد تورط نظام القذافي في هذا الهجوم، بينما تقول مصادر أخرى إن الجزائر كانت أيضاً على علم بالهجوم، لكنها التزمت الصمت للنجاح في توتير العلاقة بين القذافي وبورقيبة، وتالياً الحيلولة دون إحداث الوحدة بين تونس وليبيا، التي كانت لا تخدم مصالح الجزائر“.

وسعى القذافي، مراراً إلى تحقيق الوحدة مع تونس، سواء خلال حكم الرئيس بورقيبة أو خلال حكم خلفه زين العابدين بن علي، الذي تولّى السلطة عام 1987، بالرغم من أنه تم توقيع اتفاق وحدة في إطار ما يُعرف بالجمهورية العربية الإسلامية، في 12 كانون الثاني/ يناير 1974، بين القذافي وبورقيبة، وهي وحدة لم تستمر سوى 24 ساعةً، بعد أن تراجعت تونس عنها لضغوط داخلية وأخرى خارجية.

صراع زعامات

تختلف التأويلات تاريخياً بشأن الأسباب الكامنة خلف توتر العلاقة بين بورقيبة والقذافي، في وقتٍ كانت فيه الأوضاع في المنطقة على رمال متحركة، في سياق محاولات يائسة لإنجاز وحدة لم تتم.

ويبدو أن غضب القذافي على بورقيبة، تفاقم بعد التراجع عن الوحدة، بتأثير من النظام الجزائري وقتها بقيادة الرئيس هواري بومدين، وأيضاً بسبب رفض نويرة، وزوجته وسيلة بورقيبة، الاتفاق الذي وُقِّع في جزيرة جربة التونسية“.

يرى عبد الجليل بوقرة، وهو مؤرخ تونسي وصاحب كتاب بورقيبة بلسان بورقيبة، أنّ ما حدث كان صراع زعامات إن شئنا، فبورقيبة كان يطمح إلى زعامة تتجاوز حدود تونس، إلى زعامة عربية أو إفريقية“.

وأضاف بوقرة، في حديث إلى رصيف22، أن بورقيبة كان يرى أن هناك فرصةً لضمّ ليبيا، وفرض زعامة ترتكز على منطقة جغرافية واسعة وثروة بترولية ضخمة، لذلك شارك في احتفالات الفاتح من أيلول/ سبتمبر في بداية السبعينيات، ودعا معمر القذافي إلى زيارة تونس بعد ذلك“.

المخابرات الليبية لم تتوقف عن التحرك في تونس، والتحريض على النظام البورقيبي وتشجيع بعض المعارضين، وحدثت بالفعل مشكلات عدة، وقامت تونس هي الأخرى برد فعل إذ استقبلت معارضين ليبيين

وأكد أنه بالرغم من أن هناك تبايناً بين الرجلين، سواء على مستوى الأفكار أو التوجهات أو غيرها، إلا أن بورقيبة لم ييأس، ومن هنا جاء قبوله بالوحدة مع ليبيا، لكن بعد فشلها بسبب تدخل أطراف عدة، خاصةً الوزير التونسي الأول الهادي نويرة والرئيس الجزائري آنذاك هواري بومدين الذي كان رافضاً للوحدة، تراجع بورقيبة عن الوحدة ما تسبب في الفجوة بين الطرفين“.

وشدد بوقرة، على أن القذافي شعر بالخيبة، خاصةً بعد فشل مشاريعه الأخرى مع زعماء دول الشرق الأوسط، مثل المصري أنور السادات والسوري حافظ السادات، لذا أراد بعد ذلك التخلص من نظام بورقيبة، وخاصةً من الهادي نويرة الذي رأى فيه معرقلاً لأي وحدة بين البلدين“.

بالفعل، انسحب بعد ذلك نويرة بحجة المرض بعد إصابته بجلطة دماغية، لكن نظام القذافي حاول ملاحقته حتى في الخارج، إذ تقول مصادر عدة إنه حاول اغتياله في أثناء تلقّيه العلاج في الخارج.

بورقيبة غيّر بعضاً من سياساته بعد استقالة نويرة، لأسباب سياسية وليست صحيةً، كما روّجوا وقتها، لكنه ظل يعدّ القذافي عنصراً مُزعجاً لتونس.

وقال بوقرة، إن نويرة الذي نجح في إفشال مخططات الوحدة بين تونس وليبيا من جهة، وتونس والجزائر من جهة أخرى، كان يُعدّ حليفاً للغرب، ومعارضاً لأي تقارب عربي ومغاربي، لذا عملت المخابرات الجزائرية والليبية معاً لدعم عملية قفصة التي هي قرار لجهازي المخابرات، الليبي والجزائري، وأدوات التنفيذ هي بعض المعارضين التونسيين الموجودين في ليبيا وآخرون كانوا منخرطين في فصائل فلسطينية“.

ورأى أن بورقيبة غيّر بعضاً من سياساته بعد استقالة نويرة، لأسباب سياسية وليست صحيةً، كما روّجوا وقتها، لكنه ظل يعدّ القذافي عنصراً مُزعجاً لتونس، لأن المخابرات الليبية لم تتوقف عن التحرك في تونس، والتحريض على النظام البورقيبي وتشجيع بعض المعارضين، وحدثت بالفعل مشكلات عدة، وقامت تونس هي الأخرى برد فعل إذ استقبلت معارضين ليبيين كما حدثت محاولة لاغتيال بورقيبة في العزيزية (منطقة في غرب ليبيا)”.

ظلت العلاقة هكذا متوترةً بين بورقيبة والقذافي، إلى حين سقوط الأول بانقلاب أبيض نفّذه الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، الذي عادت في عهده العلاقات بين تونس وليبيا إلى مسارها الطبيعي.

بالرغم من مرور أكثر من 30 عاماً على أحداث قفصة، إلا أن الكثير من الغموض لا يزال يحيط بتفاصيل المعركة التي خاضتها المجموعات المدعومة من ليبيا والجزائر ضد القوات التونسية، بينما لا تزال ردة فعل الرئيس بورقيبة ونظامه على مغامرات القذافي أيضاً مجهولةً.

______________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *