د. مصطفى عمر التير

الجزء الثاني

        

ثانيا: انتفاضة 17 فبراير: الأسباب، المسيرة، والتداعيات

أكدت الكتابات التي أرّخت لانتفاضة 17 فبراير أن الشباب هم الذين أخذوا بزمام المبادرة، وخصوصا تلك الفئة النشطة في مجال وسائل التواصل الاجتماعي. إلا أنه لابد من التأكيد أن الدعم المبكر الذي جاء من رجال القضاء والمحامين المعتصمين في مدينة بنغازي ساهم في توسيع مجال المشاركة، بحيث انضمت أعداد من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين، وأعطى هذا التحرك الشبابي بعد أعمق.

كان أمرا متوقعا أن يكون رد فعل النظام عنيفا في بلد لا يعرف إلا تظاهرات التأييد للقذافي وثورته، ثم إن انطلاق نشاط الربيع العربيقبل الموعد الذي اتفق عليه شباب شبكات التواصل الاجتماعي، ساهم في رفع سقف المطالب، ليصبح الشعب يريد تغيير النظامانسجاما مع المطالب التي رفعت في كل من تونس ومصر.

لم يتوقع القذافي، الذي حكم البلاد بيد من حديد، أن يأتي اليوم الذي يسمع فيه مثل هذه الصرخة في الشارع الليبي. لذلك، وفي غياب الجيش، أمر كتائبه الأمنية بالتعامل بقوة لمنع طلائع المتظاهرين في المدينة التي شهدت انطلاق الانتفاضة. وبدلا من أن تقضي القوة المفرطة على بداية التحرك الشعبي، انتشرت التظاهرات الغاضبة، لتعم المدن والقرى البلاد من أقصاها إلى أقصاها, وانظم إلى الشباب، الذي لم يكن مسلحا، آخرون من الناقمين على النظام من مختلف شرائح الشعب بمن فيهم الشرطة وبقايا رجال الجيش.

بدا المشهد خلال الاسبوع الأول من الانتفاضة التي أطلق عليها أصحابها ثورة 17 فبراير وكأن ليبيا في طريقها إلى اللحاق بحالتي تونس ومصر، وخصوصا أن مظاهر النظام كمؤسسات أُحرقت، وأشخاص إما هربوا، وإما انسحبوا، وإما أنضموا إلى المتظاهرين. وظهر ما يعرف بالمدن المحررة. لكن القذافي أصر على سحق المنتفضين، فأمر كتائبه الأمنية باستخدام جميع أشكال القوة، مما أدى إلى ارتكاب أفعال تتعارض مع أبسط حقوق الانسان.

نجح شباب التواصل الاجتماعي، وبمساندة قناة الجزيرةالتي سارعت إلى نقل طواقمها من ميدان التحرير بالقاهرة إلى ساحة الحرية ببنغازي، في نشر صور الفضائع التي ارتكبتها الكتائب الأمنية، مما أثار موجة عارمة من الغضب على المستويين الإقليمي والعالمي، قادت في النهاية إلى تدخل القوات الدولية تحت مظلة حماية المدنيين. اقتصر دور التدخل العسكري الدولي على توجيه الضربات الجوية، وتولت الميليشيات المسلحة المحلية مهمة الحرب على الأرض.

رفع شباب الانتفاضة، ذكورا وإناثا، ومن أنضم إليهم من كبار السن، الشعارات التي أشير إليها آنفا. انتشرت تلك الشعارات بين جميع المنتفضين بغض النظر عن أماكن تواجدهم.

لكن وقبل أن يمر وقت طويل بعد سقوط النظام، تبخرت هذه الشعارات، لتحل محلها أفعال تعبر عن الولاء القبلي، وتعيد إلى الأذهان عداوات أكل عليها والدهر وشرب، ومستبدلة قيم الديمقراطية التي تحترم الاختلاف بأخرى تتعصب للرأي الذي تؤمن به فرقة معينة بحكم انتمائها إلى جماعة إسلامية متطرفة، أو لأيديولوجية بعينها، معلنة، بكل وضوح، أن لا مكان لصاحب الرأي المخالف الذي عليه أن يفر بجلده، أو يواجه الموت المنفذ بعدة وسائل من بينها الذبح على طريقة ذبح الخراف.

وضع المجلس الوطني الانتقاليالمؤقت خريطة طريق، عنوانها بناء الدولة المدنية الديمقراطية، تنجز ضمن مراحل، تبدأ بتنصيب حكومة انتقالية يكون من مهامها وضع قوانين ضرورية، تشمل قانونا لتنظيم الأحزاب السياسية، وأخر للمجتمع المدني، وثالثا خاصا بتنظيم انتخاب مجلس تشريعي يسمى: “المؤتمر الوطني العام”، يبدأ مهامه باختيار حكومة مؤقتة، وقانون لاختيار لجنة صياغة دستور، وهو أمر افتقدته ليبيا منذ اليوم الأول من انقلاب ما أصبح يعرف بثورة الفاتح من ستبمبر.

أنجزت الخطوات الأولى من خريطة الطريق، وتألفت الحكومة الانتقالية ثم الحكومة المؤقتة. تضمنت الحكومتان حقيبتي الدفاع والداخلية، ويفترض أن تكون المهمة الأولى للذين سيشغلون هذه الحقائب بناء الجيش والشرطة، ولكن الجميع فشل في إنجاز هذه المهمة، لأن الميليشيات وقفت ضد تحقيقها، وخصوصا أن بعض من حصل على حقيبة وزارية، حصل عليها ليس لتمايزه وخبرته في مجال عمله، ولكن لقيادته ميليشيا قوية.
وهكذا فرضت الميليشيات سيطرتها على المشهد الليبي، وانحصر نشاط الحكومة، وكذلك المؤتمر الوطني العامفي تنفيذ رغبات زعماء الميليشيات التي كانت في بعض الأحيان متناقضة، ومتعارضة مع قواعد المنطق والعقل، ودخلت البلاد في حال من الفوضى العارمة، مما شجع بعض المراقبين على وصف ليبيا بالدولة الفاشلة، تمهيدا للوصول إلى حالة اللادولة.

ثالثا: ليبيا بعد القذافي: حالة الفوضى العارمة

مر على رحيل القذافي من المشهد الليبي أربع سنوات، ومع ذلك لم تتخلص البلاد من حال الفوضى العارمة، وهي حال ناقضت توقعات المشاركين في الحراك الشعبي، كما خيبت تنبؤات من تحمس ووصف الحراك في بداياته بالربيع العربي.

ما الذي حدث؟ وكيف سارت الرياح بما لا تشتهي السفن؟

لا بد من أن أخطاء كثيرة حدثت قام بها من تسبب في إطاحة نظام القذافي، ومن تولى إدارة البلاد إذّاك، فهل يمكن التعرف إلى هذه الأخطاء أو على الأقل إلى بعضها؟ ومن تسبب فيها؟.

أـ المساهمون في حملة إطاحة القذافي

يمكن تصنيف الذين ساهموا في العمل لإسقاط القذافي إلى صنفين رئيسين، ليبيين وغير ليبيين، وكل صنف يمكن في ما بعد تصنيفه بناء على أكثر من مؤشر. في هذا الجزء، سيتم تسليط الضوء على الليبيين الذين سيصنفون ـ في البداية ـ إلى صنفين مقيمين في ليبيا، وآخرين يعيشون في الخارج. كما يمكن التمييز بين فرق وجماعات مختلفة داخل كل صنف.

ينتمي ليبيو الداخل، الذين قاموا بدور في إسقاط القذافي، إلى فئات أهمها شباب الفيسبوك، وطلبة، ومثقفون، ورجال قانون وقضاء، وصحافيون ورجال أعلام، وعسكريون من منتسبي الجيش والشرطة، وعمال، وعاطلون من العمل. وينتمي ليبيو الخارج إلى فئات أهمها شباب الفيسبوك وطلبة ومثقفون ومهنيون.

ذكرنا، في مكان سابق، أن شباب الفيسبوك كان لهم سبق الإعداد لانتفاضة 17 فبراير. فالشباب الذين بادروا، في هذا المجال، هم المتواجدون في الخارج. إن الذي أنشأ موقعا في الفيسبوك، ويحمل عنوان 17 فبراير، كان يعيش في سويسرا. لك التواصل مع هذا الموقع، شارك فيه شباب الخارج والداخل.

وعندما بدأت التظاهرات كانت أولا في الداخل، ثم التحق بها شباب الخارج في مسيرات نظموها في المدن التي كانوا يعيشون فيها. وبعد أن تمكن المنتفضون في الداخل من فرض سيطرتهم على بعض المدن، وسموها محررة.

التحق بهم من كان في الخارج، فنسبة من العائدين التحقت بالميليشيات العسكرية التابعة لما سمي ثورة 17 فبراير، أو أنشأوا ميليشيات جديدة، والنسبة الكبيرة من العائدين من الخارج من مهنيين ومعارضين ورجال دين، فضلت المشاركة في الأنشطة الاحتفالية التي كانت تجرى في الساحات، وخصوصا ساحة الحرية في مدينة بنغازي، وهي عبارة على معرض كبير للرسوم الجدارية، عبر بها أصحابها عن بعض أرائهم وتصوراتهم وانتقاداتهم بكل حرية، وبها أيضا صور الذين استشهدوا في الحرب، وصور بعض شهداء الحرب ضد الإيطاليين، وبها خيام عبارة عن معرض للكتب أو الصناعات التقليدية، أو معلومات حول فئات أو جماعات بعينها، وأكشاك لبيع الأطعمة والمشروبات.

وفي الساحة شاشة عرض كبيرة لمتابعة أخبار الفضائيات، ومنبر للخطابة متاح لكل من أراد أن يدلي برأي أو بيانات أو معلومات.

يتوافد على الساحة جميع فئات الشعب من دون تمييز بين كبار وصغار، أو بين رجال ونساء، ومن كل أطراف البلاد في مهرجان شعبي كبير. كما أنها الساحة التي رحب فيها سكان بنغازي بكبار الزوار. إذ توافد على مدينة بنغازي، منذ بداية الانتفاضة، صحافيون، ورجال سياسة ونشطاء في المجتمع المدني، واستقبلت في تاريخ لاحق رؤساء حكومات ووزراء وبرلمانيون.

وقد كانت طيلة أيام الحرب مكانا للتظاهرات وإلقاء الخطب والاحتفالات ليلا ونهارا، فكانت ساحة للبهجة والفرح ولقاء الأصدقاء. وقد حرص عدد من رجال المعارضة أو العاملين في الخارج على التواجد في الساحة، وإلقاء الخطب كنوع من الحملات الانتخابية، لتولي مناصب في حكومات ما بعد القذافي، أو الترشح لانتخابات المؤتمر الوطني.

لم تستمر مهرجانات الفرح في ساحة الحرية، بعد ما سمي يوم التحرير، إلا لشهور محدودة، إذ أدت الانقسامات التي ظهرت بين الميليشيات، فور قتل القذافي، إلى صدامات مسلحة. وأعمال هدم وتخريب، لم تسلم منها الساحة ولا مبنى المحكمة المطل عليها، وكانت رمزا للثورة، إذ استهدفت بعبوات ناسفة أكثر من مرة، فدمرت أجزاء مهمة منها.

واتخذت أعمال التخريب وجوها مختلفة، فمثلا تعرض موقع الفيسبوك الذي حمل عنوان ثورة 17 فبراير للاختراق، واستقبل هاتف صاحبه أكثر من تهديد فاضطر إلى إقفاله، وحتى إلى مغادرة البلاد. كما غادر البلاد عدد كبير من الذين تقدموا الحراك الاجتماعي، بينهم أعضاء المجلس الوطني الانتقاليوأعضاء المؤتمر الوطني العام، ووزراء في الحكومتين الانتقالية والمؤقتة، ورجال إعلام ومثقفون.

فكيف ولماذا أصبحت ثورة 17 فبراير ورموزها هدفا للتخريب وللإقصاء؟

من هي القوة التي يهمها تغيير تاريخ الثورة، وإعادة كتابته؟

وهي أفعال تعيد إلى الأذهان ما فعله القذافي في محاولته طمس تاريخ ليبيا الذي سبق تاريخ ما عرف بثورة الفاتح من سبتمبر 1969، بعبارة أخرى، تمكنت فئة معينة من الفئات الكثيرة التي شاركت في عملية إطاحة القذافي من السيطرة على المشهد السياسي في مدينة بنغازي، وقررت إقصاء بقية الفئات.

يتبع في الجزء الثالث بدءاً بـ ب ـ من أداء المجلس الوطني الانتقالي

***

د. مصطفى عمر التير ـ باحث ليبي في علم الاجتماع، نال شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة مينيسوتا الأميركية (1971). درّس في جامعات ليبية وأميركية مختلفة، وكان مديرًا لمعهد الإنماء العربي، وعضوًا في اللجنة الاستشارية بالهيئة القومية الليبية للبحث العلمي، وعضوًا في منتدى التعليم العالي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

_______________

مركز دراسات الوحدة العربية

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *