حاورهما الاستاذ علي أبوزعكوك

الإنقاذ” تلتقي بهذين البطلين في الذكرى الثانية لمعارك مايو المجيدة، لتقول للعالم أن هذه هي عيّنة حقيقية من فدائيي الإنقاذ من أبطال “مجموعة بدر“.

الجزء الثاني

استشهاد أحمد احواس واعتقال رفيقيه في مدينة زوارة

الانقاذ: كيف كان استقبال مجموعة بدرلاستشهاد الشهيد أحمد احواس؟

سالم: من الطبيعي جدا أنه كان مفاجأة لكل المجموعة، وهذا راجع إلى أنه كان القائد الفعلي لهذه المجموعة، وأن علاقته مع الفدائيين لم تكن علاقة المدرب بجنوده أو الرئيس بمرؤوسية، بل كانت علاقة أبوّة، وعلاقة أخوّة، وعلاقة من يربطهم هدف واحد، ومصير واحد .. وقد ضاعف استشهاده، رحمة الله عليه، من الثقة فيه، وفي كل مقولاته وتقديراته، فقد أثبت لنا نحن أولا وللعالم أجمع، بأن القصد من التوجه نحو العمل الفدائي لم يكن للمزايدة السياسية أو لتحقيق أرصدة تستثمر لأغراض شخصية، وإنما كان الهدف من تحرير الوطن، وخطوة نحو بناء ليبيا المستقبل.

لقد رفع حدث استشهاده الروح الاستشهادية لدى الفدائيين، وجعلهم يزدادون تصميما على المضي في خططهم ونضالهم، وقد كانت المعارك التي تلت استشهاد الحاج أحمد خير دليل على الروح الاستشهادية التي كانت عند بقية الفدائيين.

الإنقاذ: كيف وجدتم استقبال أخوانكم من أعضاء الجبهة في الداخل لكم؟

كمال: لقد كان استقبالهم غاية في الحرارة، وفي منتهى الكرم، واستشعرنا من ذلك أنهم كانوا يترقبون قدومنا بشوق كبير، وقد حرصوا أشد الحرص على إفهامنا على أن مهمتهم ليست فقط استقبالنا وإيوائنا بل ومشاركتنا في العمل والهدف والمصير .. وكان اهتمامهم بأمننا وراحتنا أكثر من اهتمامهم بأمنهم الخاص.

ولقد رأينا في كرمهم وتجاوبهم ومعاملتهم لنا ما ذكّرنا بمواقف وتاريخ السلف الصالح .. كانت مواقفهم كموقف الأنصار في المدينة في مناصرة إخوانهم المهاجرين إليهم من مكة. وقد سعدنا بكرمهم وحسن ضيافتهم لنا، كانوا رجالا أشاوس، قاموا بأكثر من الدور المطلوب منهم، لم يبخلوا علينا بالمال، وبلا بالجهد، ولا بالوقت. وكانوا في تلاحمهم معنا تجسيدا حيا لمعنى أن معارضة القذافي في الخارج ما هي إلا إمتداد طبيعي لحركة المعارضة بالداخل، تلك المعارضة التي تجسدها على أرض الواقع كل فئات الشعب الليبي، وعلى مختلف أحوالها الاجتماعية .. ولقد كان من بين أؤلئك الذين استقبلونا رب الأسرة، الأعزب، والمدرس، والموظف، وإمام المسجد.

لقد كانوا بمواقفهم البطولية معنا يعكسون الوجه المضئ لنضال الشعب الليبي، ويطمسون كل المعالم البشعة التي أراد القذافي أن يظهر هذا الشعب الأبي بها ..

ونسجل هنا أن أول من سقط من شهدائنا يوم 8 مايو كان أحد أبطالنا بالداخل، وهو الشهيد خالد علي يحي رحمه الله رحمة واسعة.

الإنقاذ: بعد أن عشتم تلك الأيام الطيبة مع شهداء مايو نود أن تشركوننا بعض الإنطباعات التي تركها رفاقكم من هؤلاء الشهداء في ذاكرتكم؟

سالم: إن المواقف والذكريات مع إخواننا شهداء مايو كثيرة بحيث يتعذر سردها في هذه الصفحات خاصة وأن المناسبة لا تتسع لذلك. ولكننا سنذكر بعضا من هذه الذكريات، والتي نرى فيها تجسيدا لصدق نفوسهم وصفاء سرائرهم، ومن هذه الذكريات:

كان لنا قبل وقوع الأحداث جلسات خارج دائرة العمل، يعبّر فيها الفدائيون عن خواطرهم وعما يجول في صدورهم من تطلعات إلى ما بعد يوم الخلاص من الباطل .. فكانوا يتحدثون عن ليبيا المستقبل وقد تخلصت من الباطل المسيطر عليها، وعن كيفية معالجة الفوضى والفساد الذي سيتركه القذافي، وكانوا كثيرا ما يؤكدون على أن الخلاص من القذافي ونظام حكمه ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو خطوة ضرورية في سبيل بناء مستقبل ليبيا وأجيالها المؤمنة من أجل إرساء قيم الخير والحق والعدل والحرية على أرضنا الطيبة..

ولقد كان معظم مزاحهم يدور حول لقاء بعضهم ببعض في الجنة، وكانوا يذكّرون كل من سيمنُّ الله عليه بالشهادة، ويسألونه (مَن مِن أهله سيضعهم ضمن من يشفع لهم بإذن الله، وكانوا يتحدثون عن قصور الجنة ونعيمها وحورها، وأنهارها.

ولقد جسدوا هذا الشوق إلى الجنة يوم 8 مايو ساعة الصدام مع مرتزقة القذافي .. بالهتاف بالحمد لله، وبالتهليل والتكبير، ولقد رأيت أحد الفدائيين ينحني على الشهيد خالد على يحي بعد إصابته وهو في الرمق الأخير، ويقول له لقد اختارك الله شهيدا يا خالد، فاذكرنا عند ربك بخير..

إن الأمر الذي يحتاج إلى وقفة انتباه هنا هو مدى ثقة هؤلاء الأبطال في الله سبحانه وتعالى، ومدى ثباتهم برغم صعوبة الموقف وكثرة عدد مرتزقة القذافي وأسلحتهم وعتادهم، وهذا الموقف في حد ذاته يؤكد على أن هذه النفوس المؤمنة كانت أشد إيمانا، وأكثر ثباتا وثقة في وعد الله سبحانه وتعالى بالنصر أو الشهداة. لقد كانت نفوسهم تتطلع إلى جنة الله ونعيمها أكثر من تطلعهم إلى هذه الدنيا والبقاء فيها..

كمال: أذكر موقفا بطوليا آخر، هو موقف أخونا الشهيد البطل ناصر عبدالله الدحرة الذي اتخذ في أحد المعارك موقع الصدارة في مواجهة مرتزقة القذافي وجنوده الذين كان فيهم عناصر غير ليبية .. لقد قرر هذا البطل في ذلك الموقع أن يقوم بالتغطية لتحركات إخوانه من باقي أفراد المجموعة.

كما أذكر موقفا مشرفا بطوليا آخر سجله الشهيد مصطفى الجالي أبوغرارة إذ عندما إصيب جلس على ركتبه وهو ينزف دما واستمر في الرمي والقتال رغم وابل الرصاص الذي كان يمطر عليه من جميع الاتجاهات واستمر يقاتل إلى أن صعدت روحه إلى بارئها..

سالم: ومن ذكرياتنا مع شهداء مايو، أنه بالرغم من متطلبات العمل من الوقت والجهد ووضع الخطط ودراسة المعلومات إلا أن هذا لم يمنعهم من الإلتزام بواجبهم العقيدي، ولم يمنعهم من مواصلتهم لحفظ القرآن ودراسة السيرة النبوية واقتفاء السلف الصالح، إيمانا منهم بأنه بالرغم مما للجهاد من أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى، إلا أن ذلك الواجب لا يُسقط عنهم ذكر الله والقيام بفرائضه واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وثقة منهم بأن هذا الواجب العقيدي هو من أهم أسلحتهم في المعركة ضد الظلم.

وهذا يذكرنا بقيام بعض الفدائيين بختم حفظ سورة النورليلة الإعلان عن استشهاد الشهيد البطل أحمد احواس..

كمال: لقد كانت الفترة التي قضيناها مع رفاقنا مليئة بالذكريات ونحن نرى أن المجال هنا لن يكون كافيا لسردها والمهم هو أن هؤلاء التية وهبوا انفسهم من أجل عقيدتهم ووطنهم، وهبّوا لنصرة المستضعفين من أبناء شعبهم، ولذلك كانوا شديدي الحرص على أن تكون خططهم كلها موجهة ضد (النظام) فقد وأن يراعى فيها أن لا يتضرر منها الأبرياء من أبناء ليبيا وهذا ما ينفي ما ادعاه القذافي بأن الفدائيين قادمون لتسميم المياه وتفجير محطات الوقود وتفجير الأحياء السكنية ..

إن آخر ذكرياتنا مع أبطال مايو هو العهد الذي قطعناه، جميعا على أنفسنا ـ لقد كان هذا العهد بيننا وبين الله سبحانه وتعالى ويتلخص في أنّ من يختاره الله منّا شهيدا يتولى ذكر إخوانه عند الله بخير وأما من كتب الله له الحياة فيمضي في مواصلة المشوار الذي بدأته مجموعة بدرمن أجل إحقاق الحق ودحر الباطل .. وأن يجسّد في ذلك صفات وآمال وتطلعات رفاقه من تلك المجموعة.

الإنقاذ: هل لكم أن تحدثوننا عن بعض مظاهر حياتكم في ليبيا بعد الأحداث؟

كمال: لقد كان من أبلغ الدروس والعبر لم يعتبر ويتعظ أن الأعمار والآجال والأرزاق بيد الله سبحانه وتعالى، وأن حجم التضحيات والبطولات مهما كبر أو قلّ ومهما كانت نتائجه لا يقدم ولا يؤخر في آجال العباد وأعمارهم.

ولقد شاءت إرادة الله، ولله وحده المشيئة، أن يختار إلى جواره من يشاء من الشهداء، وان يقع في الأسر من إخواننا من وقع، وأن يمد الله سبحانه وتعالى في أعمارنا، وهذا الفهم المبدئي المرتبط بالإيمان بقضاء الله وقدره، يدعونا إلى أن نؤكد على أننا لم نكن نملك خلال تلك الفترة التي قضيناها بعد الأحداث في ليبيا إلى أن قيض الله لنا سبيل الخروج ـ لم نكن نملك، لا نحن ولا غيرنا القدرة على تهيئة أسباب البقاء خلال تلك الفترة أو النجاة من أذناب القذافي أثناء بحثهم المركّز عنا، في أنحاء عديدة من البلاد .. وإنما كانت نجاتنا بفضل الله وعنايته وتدبيره لنا ..

تلك الرعاية التي كنا نحسها إحساسا ملموسا في كل لحظة، فلقد كان سبحانه وتعالى يكرمنا اللحظة تلو الأخرى بمنح نستشعر منها بأنه معنا يحمينا ويسدد خطانا، فلقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى بعنايته إلى المأوى الذي نلتجئ إليه وعندما أصبح بقاؤنا فيه خطرا علينا، هدانا الله وقادنا إلى غيره.. وبالرغم من تركيز (النظام) لدورياته وبحثه المتواصل عنّا في أحد المناطق شعورا منه بوجودنا فيها إلا أن رعاية الله وعنايته حالت بينهم وبين الوصول إلى مأوانا.. علما بأننا كنا نخرج ونتنقل ونمر بعملاء القذافي وهم يحملون أسلحتهم ويبحثون عنا .. لوم يتستطيعوا التعرف علينا .. مع العلم بأن صورنا كانت في ذلك الوقت تنشر في الصحف والإذاعة المرئية وتلصق على الجدران في الشوارع..

لقد أنزل الله سبحانه وتعالى سكينته علينا وألهمنا الصبر والتجلد والثبات، وهيأ لنا حياة أقرب إلى الحياة العادية، فلقد كنا نتجول في الشوراع، ونقضي حاجاتنا بأنفسنا، ونتردد على المساجد، ونتنقل من مكان إلى أخر ونحن في مأمن من أذناب القذافي مع أننا لم نكن نبعد عن أوكارهم إلى عدة أمتار في ذلك الجو الخطير وتحت ظروف البحث المركزّ والمستمر عنا.

سالم: ونذكر هنا موقفا آخر حيث كنا نعيش في مأوى يقع في شارع مزدحم بالحركة وحين كنا نخرج إلى الشارع لم يكن لنا من حصن يحجبنا عن أنظار الناس سوى التوكل على الله والإبتداء بإسم الله وقراءة سورة يس، بعد ذلك نخرج دون أن يحس بنا أحد، وندخل دون أن يلتفت إلينا أحد.

ولقد كنا نرى فيما يرى النائم الشهداء وهم يبشروننا بالنجاة من الظلم، ويطمئنونا إلى أن الله سينصرنا وسيرشدنا إلى سبيل الخروج .. ولم يكن سبيل خروجنا من ليبيا أمرا جاء نتيجة لإجتهادنا فقد كان وبالدرجة الأولى من إرشاد الله وهدايته لنا.

ونحن إذ نذكر بعض هذه المظاهر لا نذكرها إلا من باب التحدث بنعم الله علينا، وهذا ما يجعلنا نؤمن بأننا أصحاب حق، وأنصار حق، ودعاة حق، وأن الله سبحانه وتعالى كان نصيرا لهذا الحق. ونرى في هذا تأكيدا على أنه من يختار هذا الطريق متوكلا محتسبا معتمدا على الله سبحانه وتعالى فإن الله سيكفيه.

***

في الجزء الثالث، نحاور الأخوين عن انطباعاتهم ومشاعرهم وما مروا به بعد خروجهم من ليبيا، وعن ورؤاهم لمستقبل العمل النضالي الليبي

________________

المصدر: مجلة الإنقاذ ـ العددين 18-19 بتاريخ يونيو 1986

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *