في ذكرى استشهاد أخي محمد بن سعيد الشيباني

 في مثل هذا اليوم 4 يونيو 1984 الموافق 4 رمضان 1404هـ تم إعدام أخي محمد بن سعيد الشيباني مع مجموعة من رفاقه الذين وقفوا ضد الظلم والطغيان في ليبيا ودفعوا ارواحهم ثمنا للمبادئ التي قاموا من أجلها. وفيما يلي نبذة مختصرة عن حياته.

نسأل الله له الرحمة والغفرة والدرجة العالية من الجنة

***

من هو محمد بن سعيد الشيباني (1938 ـ 1984)

محمد بن سعيد بن على بن سليمان الشيباني، الشيخ الشهيد، من أوائل أبطال ليبيا الذين وقفوا ضد الظلم والطغيان في بلده، ولم يرض بالحياة التي كان يعيشها كثير من الناس، فقد وهب نفسه وحياته وعلاقاته من أجل تخليص بلده ليبيا من ظلم القذافي وأعوانه ودفع روحه ثمناً للمباديء التي تربى عليها واقتنع بها.

أصله من قرية طمزين بجبل نفوسة، وهي بلدة صغيرة تقع على حافة الجبل بين فَرَسَطَاء وتَمْلُوشَايتْ، تبعد عن مدينة طرابلس حوالي 240 كيلو مترا.

ولد يوم الجمعة 7 شوال، الموافق 30 نوفمبر بقرية الحمرانمـن منطقة الرحيبات ، وفيها نشأ وترعـرع، حيث كان والده الفقيه سعيد الشيباني إماماً ومـدرَّساً للقرآن الكريم لمسجد ( إمرساون).

بدأ دراسته الابتدائية في جناون، تلك القرية الجميلة التي تقع أسفلجادووتحصل على الشهادة الابتدائية في جادو سنة 1954، انتقل إلى طرابلس والتحق بالكلية الفنيةأو ما يُسَمى بمعهد هايتيوتخرج فيه سنة 1957، وكان ترتيبه الثاني مكررا.

تم تعيينه وستة من زملائه في مصرف ليبيا المركز. بدأ عمله في 21 سبتمبر 1957م، كان يمارس عمله بكل نشاط وإخلاص، وتدرج في السلم الوظيفي حتى عُيَّنَ مديراً للمصرف التجاري فرع الميدان قبل أن يستقيل حوالي 1972م.

كما تم إيفاده إلى الباكستان من طرف المصرف لمدة ستة أشهر وكانت لهذه الرحلة أثر في حياته السياسية والاقتصادية والروحية.

لم يكن المترجم له ممن يضيعون الأوقات، فمنذ بداية عمله بالمصرف استغل الفترة المسائية من اليوم لتطوير نفسه علميا وماديا، فالتحق بالمعهد البريطاني وبدأ يتعلم اللغة الانجليزية، كما عمل في المساء مع المحامي أنيس القاسم، وفي نادي الجولف.

وقد مكنته مهاراته اللغوية باللغتين العربية والانجليزية وخبرته المصرفية من التفكير في مشاريع تجارية خاصة، فأسس مع أخيه وابن خاله في 1966م عدة مشاريع، كان من أبرزها وكالة لبدة للتصدير والاستيرادو شركة مقاولات“. وبعد تأميم القطاع الخاص في عام 1980م عمل في شركة (باب كوك باو) الألمانية، كما عمل أيضا في شركة تركية كخبير قانوني إلى نهاية حياته.

كان محبا للعلم والعلماء، فكان يقرأ في مختلف العلوم، وبخاصة في مجال اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وبعد افتتاح مسجد الفتح في منطقة غوط الشعال بطرابلس لازم الشيخ علي يحيي معمّر، واستفاد من مصاحبته ودروسه، ثم كانت له حلقات مع الشيخ عمر بن مسعود بعد وفاة الشيخ علي معمر، كما كان يحضر دروس الشيخ محمد البشتي في مسجد القصر، إذ كانت له علاقة قوية وصداقة متينة مع الشيخ محمد البشتي، حتى أن الشيخ محمد البشتي وافق على تدريس القرآن في مسجد الفتح في بداية إنشائه.

وقد أهَّله تكوينه العلمي والديني وقراءاته الخاصة أن يكون خطيباً لمسجد الفتح طيلة السنوات الأخيرة قبل وفاته.

رغم انشغاله بوظيفته وأعماله، فإنه لم يكن بعيداً عن الواقع الذي يعيشه البلد، ولم يكن غافلا عما يراد لهذا البلد من تجهيل وفساد، ولا أظن أنه استبشر بما يسمى ثورة الفاتح من سبتمبر كما فعل كثيرون، فقد كان يملك من الوعي الديني والسياسي ما يمكنه من تقييم الأمور تقييما صحيحا، مما ساعده في اتخاذ القرارات التي تتناسب مع رجل في تفكيره وعقله.

في عام 1981، انظم إلى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا مع الشهيد خالد على يحي معمر، عندما قابل الحاج أحمد احواس وبعض القيادات في الجبهة في الحرم المكي في موسم الحج، وكان اسمه الحركي (الشيخ مصباح) وتمحور دوره في جمع المعلومات وتوفير الأموال والسيارات وأيضا قطع من السلاح الذي كان يحضره من تونس بالتنسيق مع الشهيد ساسي زكري، وكان على علاقة وثيقة بالشهيد أحمد ابراهيم احواس والشهيد محمد علي يحي معمر.

ولذلك عندما أتيحت له الفرصة للعمل من أجل تخليص ليبيا من القهر والظلم لم يتردد في ذلك، فالتحق بالجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في وقت مبكر، بل إنه كان من قياداتها في داخل ليبيا. وبعد استشهاد أحمد أحواس واكتشاف التنظيم من قبل مخابرات القذافي، تم القبض عليه وعلى كثير ممن كانوا معه بعد معركة باب العزيزة، ثم حكم عليه بالإعدام.

وفي يوم 8 مايو 1984، وكعادته ذهب الشيخ إلى مكان تواجد الفدائيين (مجموعة بدر) في الشقة التي كانوا يقيمون فيها بعمارة في شارع الجمهورية وسط مدينة طرابلس، وفي يوم 11 مايو كانت مدينة طمزين البالغ عدد سكانها 2000 نسمة تقريبا محاصرة بحوالي 700 من أعوان القذافي بالإضافة للمدرعات بقيادة عبدالله السنوسي وسعيد راشد خيشة وعبدالله منصور وعزالدين الهنشيري، وقد قام النظام بإخراج السكان من بيوتهم ووضعوهم على حافة الجبل وتم تفتيش طمزين بيتا بينا، ولكنهم لم يجدوا الشهيد، فأسروا من كل عائلة إثنين، واعتقلوا كل من بلغ ما بين 17 و 90 عاما من العمر.

وجاء أحد الوشاة ليبلغ عن مكان الشهيد، فأحضروا الكلاب لتتبع الأثر، وذهبوا إلى مكان يصعب الوصول إليه لولا الوشاية، فقبض على الشهيد ونقل إلى طرابلس وتم الحقيق معه تحت التعذيب.

وفي يوم 4 من رمضان 1984، إعيد الشهيد إلى طمزين حيث أجريت له محاكمة صورية أمام المسجد وأمام مرأى ومسمع من السكان، ثم إعدم الشهيد شنقا، وبعدها وضع في سيارة إسعاف لنقل جثمانه إلى طرابلس، وقبل خروج السيارة من طمزين لاحظ أحد أعوان القذافي أن الجثة غيرت من وضعيتها في السيارة ، فعلموا أنه مازال حيا، فرجعوا به لحبل المشنقة، ووضع الحبل حول رقبته، وتعلقوا بجسده الطاهر إلى أن لفظ أنفاسه.

أعدم شنقا في بلدته طمزين في يوم 4/6/1984م، الموافق للرابع من رمضان من السنة المذكورة. وقد تم تصوير عملية الإعدام، وتعمدت أجهزة أعلام القذافي بثه على التلفاز عدة مرات في شهر رمضان المبارك في وقت الإفطار ممَّا نغّص على المشاهدين إفطارهم وحياتهم.

ومن غرائب القذافي الشيطانية أن من شاركوا في معركة باب العزيزية بعد إعدامهم احتفظ بجثمانهم مدة 27 سنة في مكان سرى في المستشفى المركزي، ولم يكتشف إلا بعد الإطاحة بالقذافي ونظامه في ثورة 17 فبراير من عام 2011م ، وتمت صلاة الجنازة عليه مع بقية الشهداء في طرابلس بميدان الشهداء 13/ 9 / 2013 ، وتم دفنه في طمزين يوم 14 / 9 / 2013 .

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. ولم يعرف عنه أن ترك تأليفاً، إلا بعض خطب الجمعة التي كان يكتبها على الآلة الكاتبة ولكن ذكره الطيب لا يخلو منه مكان في كل ربوع ليبيا.

.

كتبه سليمان بن سعيد الشيباني

___________________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *